تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 ) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 154 ) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 ) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 159 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ثَمُودَ فِي جَوَابِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ صَالِحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ ( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) . قَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ : يَعْنُونَ مِنَ الْمَسْحُورِينَ .
وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) : يَعْنِي مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِمَا قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ فَإِنْ تَسْأَلِينَا : فِيمَ نَحْنُ ؟ فَإِنَّنَا ﴿﴾ ﴿﴾ عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ ﴿﴾
157
يَعْنِي الَّذِينَ لَهُمْ سَحُورٌ ، وَالسَّحْرُ : هُوَ الرِّئَةُ .
وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وقَتَادَةَ : أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّمَا أَنْتَ فِي قَوْلِكَ هَذَا مَسْحُورٌ لَا عَقْلَ لَكَ .
ثُمَّ قَالُوا : ( مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) يَعْنِي : فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْكَ دُونَنَا ؟ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) [ الْقَمَرِ : 25 ، 26 ] .
ثُمَّ إِنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ آيَةً يَأْتِيهِمْ بِهَا ، لِيَعْلَمُوا صِدْقَهُ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ فَطَلَبُوا مِنْهُ - وَقَدِ اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ - أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْآنَ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ - وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَةٍ عِنْدَهُمْ - نَاقَةً عُشَرَاءَ مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا . فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ ، لَئِنْ أَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ، [ وَلَيُصَدِّقُنَّهُ ] ، وَلَيَتَّبِعُنَّهُ ، فَأَنْعَمُوا بِذَلِكَ . فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَصَلَّى ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى سُؤَالِهِمْ ، فَانْفَطَرَتْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي أَشَارُوا إِلَيْهَا عَنْ نَاقَةٍ عُشَرَاءَ ، عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفُوهَا . فَآمَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ ، ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) يَعْنِي : تَرِدُ مَاءَكُمْ يَوْمًا ، وَيَوْمًا تَرِدُونَهُ أَنْتُمْ ، ( وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) فَحَذَّرَهُمْ نِقْمَةَ اللَّهِ إِنْ أَصَابُوهَا بِسُوءٍ ، فَمَكَثَتِ النَّاقَةُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الْوَرَقَ وَالْمَرْعَى . وَيَنْتَفِعُونَ بِلَبَنِهَا ، يَحْتَلِبُونَ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِمْ شُرْبًا وَرِيًّا ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ وَحَضَرَ شَقَاؤُهُمْ ، تَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهَا وَعَقْرِهَا .
( فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ) وَهُوَ أَنَّ أَرْضَهُمْ زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ، وَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ اقْتَلَعَتِ الْقُلُوبَ عَنْ مَحَالِّهَا ، وَأَتَاهُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ثَمُودَ فِي جَوَابِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ صَالِحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ ( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) . قَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ : يَعْنُونَ مِنَ الْمَسْحُورِينَ .
وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) : يَعْنِي مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِمَا قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ فَإِنْ تَسْأَلِينَا : فِيمَ نَحْنُ ؟ فَإِنَّنَا ﴿﴾ ﴿﴾ عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ ﴿﴾
157
يَعْنِي الَّذِينَ لَهُمْ سَحُورٌ ، وَالسَّحْرُ : هُوَ الرِّئَةُ .
وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وقَتَادَةَ : أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّمَا أَنْتَ فِي قَوْلِكَ هَذَا مَسْحُورٌ لَا عَقْلَ لَكَ .
ثُمَّ قَالُوا : ( مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) يَعْنِي : فَكَيْفَ أُوحِيَ إِلَيْكَ دُونَنَا ؟ كَمَا قَالُوا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) [ الْقَمَرِ : 25 ، 26 ] .
ثُمَّ إِنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ آيَةً يَأْتِيهِمْ بِهَا ، لِيَعْلَمُوا صِدْقَهُ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ فَطَلَبُوا مِنْهُ - وَقَدِ اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ - أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْآنَ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ - وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَةٍ عِنْدَهُمْ - نَاقَةً عُشَرَاءَ مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا . فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ ، لَئِنْ أَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ، [ وَلَيُصَدِّقُنَّهُ ] ، وَلَيَتَّبِعُنَّهُ ، فَأَنْعَمُوا بِذَلِكَ . فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَصَلَّى ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى سُؤَالِهِمْ ، فَانْفَطَرَتْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي أَشَارُوا إِلَيْهَا عَنْ نَاقَةٍ عُشَرَاءَ ، عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفُوهَا . فَآمَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ ، ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) يَعْنِي : تَرِدُ مَاءَكُمْ يَوْمًا ، وَيَوْمًا تَرِدُونَهُ أَنْتُمْ ، ( وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) فَحَذَّرَهُمْ نِقْمَةَ اللَّهِ إِنْ أَصَابُوهَا بِسُوءٍ ، فَمَكَثَتِ النَّاقَةُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الْوَرَقَ وَالْمَرْعَى . وَيَنْتَفِعُونَ بِلَبَنِهَا ، يَحْتَلِبُونَ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِمْ شُرْبًا وَرِيًّا ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ وَحَضَرَ شَقَاؤُهُمْ ، تَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهَا وَعَقْرِهَا .
( فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ) وَهُوَ أَنَّ أَرْضَهُمْ زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ، وَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ اقْتَلَعَتِ الْقُلُوبَ عَنْ مَحَالِّهَا ، وَأَتَاهُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith