تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 129 · printed p. 401
( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ( 119 ) )
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَزَارِيُّ عَنْ شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " أُنْزِلَتْ عَلِيَّ : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) قَالَ : " بَشِيرًا بِالْجَنَّةِ ، وَنَذِيرًا مِنَ النَّارِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) قِرَاءَةُ أَكْثَرِهِمْ ) وَلَا تُسْأَلُ ) بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْخَبَرِ . وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : " وَمَا تُسْأَلُ " وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " وَلَنْ تُسْأَلَ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ "
401
نَقَلَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ ، أَيْ : لَا نَسْأَلُكَ عَنْ كُفْرِ مَنْ كَفَرَ بِكَ ، ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ) [ الرَّعْدِ : 40 ] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ) الْآيَةَ [ الْغَاشِيَةِ : 21 ، 22 ] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ) [ ق : 45 ] وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ .
وَقَرَأَ آخَرُونَ " وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ " بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى النَّهْيِ ، أَيْ : لَا تَسْأَلْ عَنْ حَالِهِمْ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ :
أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ ، لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ ، لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ ؟ " . فَنَزَلَتْ : ( وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) فَمَا ذَكَرَهُمَا حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، [ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ] بِمِثْلِهِ . وَقَدْ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا كَمَا يُقَالُ : لَا تُسْأَلُ عَنْ فُلَانٍ ; أَيْ : قَدْ بَلَغَ فَوْقَ مَا تَحْسَبُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا لَهُ أَبَوَيْهِ حَتَّى آمَنَا ، وَأَجَبْنَا عَنْ قَوْلِهِ : ( ۝ إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ ) . ( قُلْتُ ) : وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي حَيَاةِ أَبَوَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ [ ابْنُ جَرِيرٍ ] وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ : ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : " أَيْنَ أَبَوَايَ ؟ " . فَنَزَلَتْ : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) .
وَهَذَا مُرْسَلٌ كَالذِي قَبْلَهُ . وَقَدْ رَدَّ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ الْمَرْوِيَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ [ الْقُرَظِيِّ ] وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ ، لِاسْتِحَالَةِ الشَّكِّ مِنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ أَبَوَيْهِ . وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى . وَهَذَا الذِي سَلَكَهُ هَاهُنَا فِيهِ نَظَرٌ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي حَالِ اسْتِغْفَارِهِ لِأَبَوَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَمْرَهُمَا ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ تَبَرَّأَ مِنْهُمَا ، وَأَخْبَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ [ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ ] وَلِهَذَا أَشْبَاهٌ كَثِيرَةٌ وَنَظَائِرُ ، وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، قَالَ : لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ . فَقَالَ : أَجَلْ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِصِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ، وَأَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي ، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا 402 سَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ ، بِأَنْ يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَيَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا ، وَآذَانًا صُمًّا ، وَقُلُوبًا غُلْفًا .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ ، فَرَوَاهُ فِي الْبُيُوعِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، بِهِ . وَقَالَ : تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ هِلَالٍ . وَقَالَ سَعِيدٌ : عَنْ هِلَالٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ . وَرَوَاهُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ هِلَالٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، بِهِ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، فَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا هُوَ ابْنُ صَالِحٍ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ . وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْبَقَرَةِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ ، عَنِ الْمُعَافَى بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، بِهِ . وَزَادَ : قَالَ عَطَاءٌ : ثُمَّ لَقِيتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ ، فَسَأَلْتُهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ ، إِلَّا أَنَّ كَعْبًا قَالَ بِلُغَتِهِ : أَعْيُنًا عُمُومَى ، وَآذَانًا صُمُومَى ، وَقُلُوبًا غُلُوفًا
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith