تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1255 · printed p. 10
( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) )
هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الزَّانِيَ لَا يَطَأُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . أَيْ : لَا يُطَاوِعُهُ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ الزِّنَى إِلَّا زَانِيَةٌ عَاصِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةٌ ، لَا تَرَى حُرْمَةَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ : ( الزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ ) أَيْ : عَاصٍ بِزِنَاهُ ، ( أَوْ مُشْرِكٌ ) لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ .
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) قَالَ : لَيْسَ هَذَا بِالنِّكَاحِ ، إِنَّمَا هُوَ الْجِمَاعُ ، لَا يَزْنِي بِهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَيْضًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالضِّحَاكِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ ، نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : تَعَاطِيهِ وَالتَّزْوِيجُ بِالْبَغَايَا ، أَوْ تَزْوِيجُ الْعَفَائِفِ بِالْفُجَّارِ مِنَ الرِّجَالِ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا قَيْسٌ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) قَالَ : حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نِكَاحَ الْبَغَايَا ، وَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : ( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) [ النِّسَاءِ : 25 ] وَقَوْلُهُ ( مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 5 ] وَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنَ الرَّجُلِ الْعَفِيفِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْبَغِيِّ مَا دَامَتْ 10 كَذَلِكَ حَتَّى تُسْتَتَابَ ، فَإِنْ تَابَتْ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْعَفِيفَةِ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ الْمُسَافِحِ ، حَتَّى يَتُوبَ تَوْبَةً صَحِيحَةً; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَارِمٌ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : قَالَ أَبِي : حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، ۝ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا : " أَمُّ مَهْزُولٍ " كَانَتْ تُسَافِحُ ، وَتَشْتَرِطُ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ - قَالَ : فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ : ذَكَرَ لَهُ أَمْرَهَا - قَالَ : فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كَانَتِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا : " أُمُّ مَهْزُولٍ " وَكَانَتْ تُسَافِحُ ، فَأَرَادَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) .
[ وَ ] قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : ۝ كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ " مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ " وَكَانَ رَجُلًا يَحْمِلُ الْأُسَارَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ . قَالَ : وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا " عَنَاقُ " ، وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ ، وَأَنَّهُ وَاعَدَ رَجُلًا مَنْ أُسَارَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ . قَالَ : فَجِئْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ ، قَالَ : فَجَاءَتْ " عَنَاقُ " فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي تَحْتَ الْحَائِطِ ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْنِي ، فَقَالَتْ : مَرْثَدٌ؟ فَقُلْتُ : مَرْثَدٌ فَقَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ . قَالَ : فَقُلْتُ يَا عَنَاقُ ، حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَى . فَقَالَتْ يَا أَهْلَ الْخِيَامِ ، هَذَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ . قَالَ : فَتَبِعَنِي ثَمَانِيَةٌ وَدَخَلْتُ الْحَنْدَمَةَ فَانْتَهَيْتُ إِلَى غَارٍ - أَوْ كَهْفٍ فَدَخَلْتُ فِيهِ فَجَاءُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي فَبَالُوا ، فَظَلَّ بَوْلُهُمْ عَلَى رَأْسِي ، فَأَعْمَاهُمُ اللَّهُ عَنِّي - قَالَ : ثُمَّ رَجَعُوا ، فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَحَمَلْتُهُ ، وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْإِذْخَرِ ، فَفَكَكْتُ عَنْهُ أَكْبُلَهُ ، فَجَعَلْتُ أَحْمِلُهُ وَيُعِينُنِي ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ الْمَدِينَةَ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْكِحُ عَنَاقًا؟ أَنْكِحُ عَنَاقًا؟ - مَرَّتَيْنِ - فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا ، حَتَّى نَزَلَتْ ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا مَرْثَدُ ، ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ] ) 11 فَلَا تَنْكِحْهَا " ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ، فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَبُو الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مَثْلَهُ " .
وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ مُسَدَّدٍ وَأَبِي مَعْمَرٍ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - كِلَاهُمَا ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ أَخِيهِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ - مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ - قَالَ : أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ - الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ - وَالدَّيُّوثُ . وَثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى " .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيعٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ ، بِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عُوَيْمِرِ بْنِ الْأَجْدَعِ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " ثَلَاثَةٌ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ : مُدْمِنُ الْخَمْرِ ، وَالْعَاقُّ ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ " .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ - مِنْ آلِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ دَيُّوثٌ " .
يُسْتَشْهَدُ بِهِ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ .
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ يَقُولُ ] " ۝ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا ، فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ " .
12
فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِ " الصِّحَاحِ فِي اللُّغَةِ : " الدَّيُّوثُ الْقُنْذُعُ وَهُوَ الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ .
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ " النِّكَاحِ " مِنْ سُنَنِهِ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ - وَعَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - عَبْدُ الْكَرِيمِ رَفْعَهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَارُونُ لَمْ يَرْفَعْهُ - قَالَا ۝ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةً [ هِيَ ] مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَهِيَ لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ قَالَ : " طَلِّقْهَا " . قَالَ : لَا صَبْرَ لِي عَنْهَا قَالَ : " اسْتَمْتِعْ بِهَا " ، ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَهَارُونُ أَثْبَتُ مِنْهُ ، وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَحَدِيثُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ . .
قُلْتُ : وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ الْبَصْرِيُّ الْمُؤَدِّبُ تَابِعِيٌّ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ ، فَحَدِيثُهُ الْمُرْسَلُ أَوْلَى كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ . لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُسْنَدًا ، فَذَكَرَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيَّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ قَالَ : " وَهَذَا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ " وَرَوَاهُ غَيْرُ النَّضْرِ عَلَى الصَّوَابِ .
وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ مُضَعِّفٍ لَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، عَنِ النَّسَائِيِّ ، وَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا سَخِيَّةٌ لَا تَمْنَعُ سَائِلًا . وَحَكَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ : وَقِيلَ : " سَخِيَّةٌ تُعْطِي " ، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادَ لَقَالَ : لَا تَرُدُّ يَدَ مُلْتَمِسٍ .
13
وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ سَجِيَّتَهَا لَا تَرُدُّ يَدَ لَامَسٍ ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا وَاقِعٌ مِنْهَا ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ الْفَاحِشَةَ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْذَنُ فِي مُصَاحَبَةِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهَا . فَإِنَّ زَوْجَهَا - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - يَكُونُ دَيُّوثًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْوَعِيدُ عَلَى ذَلِكَ . وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ سَجِيَّتُهَا هَكَذَا لَيْسَ فِيهَا مُمَانَعَةٌ وَلَا مُخَالَفَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا لَوْ خَلَا بِهَا أَحَدٌ ، أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِرَاقِهَا . فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُحِبُّهَا أَبَاحَ لَهُ الْبَقَاءَ مَعَهَا; لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ لَهَا مُحَقَّقَةٌ ، وَوُقُوعَ الْفَاحِشَةِ مِنْهَا مُتَوَهَّمٌ فَلَا يُصَارُ إِلَى الضَّرَرِ الْعَاجِلِ لِتَوَهُّمِ الْآجِلِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
قَالُوا : فَأَمَّا إِذَا حَصَلَتْ تَوْبَةٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ التَّزْوِيجُ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ [ شُعْبَةَ ] - مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ : إِنِّي كُنْتُ أُلِمُّ بِامْرَأَةٍ آتِي مِنْهَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ ، فَرَزَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ تَوْبَةً ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا ، فَقَالَ أُنَاسٌ : إِنَّ الزَّانِيَ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ هَذَا فِي هَذَا ، انْكِحْهَا فَمَا كَانَ مِنْ إِثْمٍ فَعَلَيَّ .
وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . قَالَ : ذُكِرَ عِنْدَهُ ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) قَالَ : كَانَ يُقَالُ : نَسَخَتْهَا [ الْآيَةُ ] الَّتِي بَعْدَهَا : ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ) [ النُّورِ : 32 ] قَالَ : كَانَ يُقَالُ الْأَيَامَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " لَهُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith