تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ( 84 ) ) .
يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ أَيُّوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَا كَانَ أَصَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ ، فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَسَدِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، وَأَوْلَادٌ كَثِيرَةٌ ، وَمَنَازِلُ مَرْضِيَّةٌ . فَابْتُلِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَذَهَبَ عَنِ آخِرِهِ ، ثُمَّ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ - يُقَالُ : بِالْجُذَامِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ سَلِيمٌ سِوَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ ، يَذْكُرُ بِهِمَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، حَتَّى عَافَهُ الْجَلِيسُ ، وَأُفْرِدَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَلَدِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يَحْنُو عَلَيْهِ سِوَى زَوْجَتِهِ ، كَانَتْ تَقُومُ بِأَمْرِهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهَا احْتَاجَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُ النَّاسَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ " .
وَقَدْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، غَايَةً فِي الصَّبْرِ ، وَبِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مَيْسَرَةَ : لَمَّا ابْتَلَى اللَّهُ أَيُّوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِذَهَابِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ ، أَحْسَنَ الذَّكَرَ ، ثُمَّ قَالَ : أَحْمَدُكَ رَبَّ الْأَرْبَابِ ، الَّذِي أَحْسَنْتَ إِلَيَّ ، أَعْطَيْتَنِي الْمَالَ وَالْوَلَدَ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ قَلْبِي شُعْبَةٌ ، إِلَّا قَدْ دَخَلَهُ ذَلِكَ ، فَأَخَذْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنِّي ، وَفَرَّغْتُ قَلْبِي ، لَيْسَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَيْءٌ ، لَوْ يَعْلَمُ عَدُوِّي إِبْلِيسُ بِالَّذِي صَنَعْتُ ، حَسَدَنِي . قَالَ : فَلَقِيَ إِبْلِيسُ مِنْ ذَلِكَ مُنْكَرًا .
قَالَ : وَقَالَ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا رَبِّ ، إِنَّكَ أَعْطَيْتَنِي الْمَالَ وَالْوَلَدَ ، فَلَمْ يَقُمْ عَلَى بَابِي أَحَدٌ يَشْكُونِي لِظُلْمٍ ظَلَمْتُهُ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ . وَأَنَّهُ كَانَ يُوطَأُ لِيَ الْفِرَاشُ فَأَتْرُكُهَا وَأَقُولُ لِنَفْسِي : 360 يَا نَفْسُ ، إِنَّكِ لَمْ تُخْلَقِي لِوَطْءِ الْفُرُشِ ، مَا تَرَكْتُ ذَلِكَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي خَبَرِهِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ ، سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِالسَّنَدِ عَنْهُ ، وَذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُفَسِّرِينَ ، وَفِيهَا غَرَابَةٌ تَرَكْنَاهَا لِحَالِ الطُّولِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ مَكَثَ فِي الْبَلَاءِ مُدَّةً طَوِيلَةً ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الْمُهَيِّجِ لَهُ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ، ابْتُلِيَ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا ، مُلْقًى عَلَى كُنَاسَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، تَخْتَلِفُ الدَّوَابُّ فِي جَسَدِهِ فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَظَّمَ لَهُ الْأَجْرَ ، وَأَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : مَكَثَ فِي الْبَلَاءِ ثَلَاثَ سِنِينَ ، لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : تَسَاقَطَ لَحْمُ أَيُّوبَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَصَبُ وَالْعِظَامُ ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ تَقُومُ عَلَيْهِ وَتَأْتِيهِ بِالزَّادِ يَكُونُ فِيهِ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ لَمَّا طَالَ وَجَعُهُ : يَا أَيُّوبُ ، لَوْ دَعَوْتَ رَبَّكَ يُفَرِّجُ عَنْكَ؟ فَقَالَ : قَدْ عِشْتُ سَبْعِينَ سَنَةً صَحِيحًا ، فَهَلْ قَلِيلٌ لِلَّهِ أَنْ أَصْبِرَ لَهُ سَبْعِينَ سَنَةً؟ فَجَزِعَتْ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَتْ ، فَكَانَتْ تَعْمَلُ لِلنَّاسِ بِأَجْرٍ وَتَأْتِيهِ بِمَا تُصِيبُ فَتُطْعِمُهُ ، وَإِنَّ إِبْلِيسَ انْطَلَقَ إِلَى رَجُلَيْنِ مِنْ فِلَسْطِينَ كَانَا صَدِيقَيْنِ لَهُ وَأَخَوَيْنِ ، فَأَتَاهُمَا فَقَالَ : أَخُوكُمَا أَيُّوبُ أَصَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ كَذَا وَكَذَا ، فَأْتِيَاهُ وَزُورَاهُ وَاحْمِلَا مَعَكُمَا مِنْ خَمْرِ أَرْضِكُمَا ، فَإِنَّهُ إِنْ شَرِبَ مِنْهُ بَرَأَ . فَأَتَيَاهُ ، فَلَمَّا نَظَرَا إِلَيْهِ بَكَيَا ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا : نَحْنُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ! فَرَحَّبَ بِهِمَا وَقَالَ : مَرْحَبًا بِمَنْ لَا يَجْفُونِي عِنْدَ الْبَلَاءِ ، فَقَالَا : يَا أَيُّوبُ ، لَعَلَّكَ كُنْتَ تُسِرُّ شَيْئًا وَتُظْهِرُ غَيْرَهُ ، فَلِذَلِكَ ابْتَلَاكَ اللَّهُ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ : هُوَ يَعْلَمُ ، مَا أَسْرَرْتُ شَيْئًا أَظْهَرْتُ غَيْرَهُ . وَلَكِنَّ رَبِّي ابْتَلَانِي لِيَنْظُرَ أَأَصْبِرُ أَمْ أَجْزَعُ ، فَقَالَا لَهُ : يَا أَيُّوبُ ، اشْرَبْ مِنْ خَمْرِنَا فَإِنَّكَ إِنْ شَرِبْتَ مِنْهُ بَرَأْتَ . قَالَ : فَغَضِبَ وَقَالَ : جَاءَكُمَا الْخَبِيثُ فَأَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ كَلَامُكُمَا وَطَعَامُكُمَا وَشَرَابُكُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ . فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ ، وَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ تَعْمَلُ لِلنَّاسِ فَخَبَزَتْ لِأَهْلِ بَيْتٍ لَهُمْ صَبِيٌّ ، فَجَعَلَتْ لَهُمْ قُرْصًا ، وَكَانَ ابْنُهُمْ نَائِمًا ، فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوهُ ، فَوَهَبُوهُ لَهَا .
فَأَتَتْ بِهِ إِلَى أَيُّوبَ ، فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : مَا كُنْتِ تَأْتِينِي بِهَذَا ، فَمَا بَالُكِ الْيَوْمَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ . قَالَ : فَلَعَلَّ الصَّبِيَّ قَدِ اسْتَيْقَظَ ، فَطَلَبَ الْقَرْصَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَهُوَ يَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ . [ فَانْطَلِقِي بِهِ إِلَيْهِ . فَأَقْبَلَتْ حَتَّى بَلَغَتْ دَرَجَةَ الْقَوْمِ ، فَنَطَحَتْهَا شَاةٌ لَهُمْ ، فَقَالَتْ : تَعِسَ أَيُّوبُ الْخَطَّاءُ! فَلَمَّا صَعِدَتْ وَجَدَتِ الصَّبِيَّ قَدِ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَطْلُبُ الْقُرْصَ ، وَيَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ ] ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ شَيْئًا غَيْرَهُ ، فَقَالَتْ : رَحِمَ اللَّهُ أَيُّوبَ فَدَفَعَتِ الْقُرْصَ إِلَيْهِ وَرَجَعَتْ . ثُمَّ إِنَّ إِبْلِيسَ أَتَاهَا فِي صُورَةِ طَبِيبٍ ، فَقَالَ لَهَا : إِنَّ زَوْجَكِ قَدْ طَالَ سُقْمُهُ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبْرَأَ فَلْيَأْخُذْ ذُبَابًا فَلْيَذْبَحْهُ بِاسْمِ صَنَمِ بَنِي فَلَانٍ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَيَتُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ . فَقَالَتْ ذَلِكَ لِأَيُّوبَ ، فَقَالَ : قَدْ أَتَاكِ الْخَبِيثُ . لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ بَرَأْتُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ . فَخَرَجَتْ تَسْعَى عَلَيْهِ ، فَحُظِرَ عَنْهَا الرِّزْقُ ، فَجَعَلَتْ لَا تَأْتِي أَهْلَ بَيْتٍ فَيُرِيدُونَهَا ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَخَافَتْ عَلَى أَيُّوبَ 361 الْجُوعَ حَلَقَتْ مِنْ شَعْرِهَا قَرْنًا فَبَاعَتْهُ مِنْ صَبِيَّةٍ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ ، فَأَعْطَوْهَا طَعَامًا طَيِّبًا كَثِيرًا فَأَتَتْ بِهِ أَيُّوبَ ، فَلَمَّا رَآهُ أَنْكَرَهُ وَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ : عَمِلْتُ لِأُنَاسٍ فَأَطْعَمُونِي . فَأَكَلَ مِنْهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَتْ فَطَلَبَتْ أَنْ تَعْمَلَ فَلَمْ تَجِدْ فَحَلَقَتْ أَيْضًا قَرْنًا فَبَاعَتْهُ مِنْ تِلْكَ الْجَارِيَةِ ، فَأَعْطَوْهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَأَتَتْ بِهِ أَيُّوبَ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ حَتَّى أَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هُوَ؟ فَوَضَعَتْ خِمَارَهَا ، فَلَمَّا رَأَى رَأْسَهَا مَحْلُوقًا جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنَيُّ ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ; أَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي عَرَّجَ فِي أَيُّوبَ كَانَ يُقَالُ لَهُ : " سَوْطٌ " ، قَالَ : وَكَانَتِ امْرَأَةُ أَيُّوبَ تَقُولُ : " ادْعُ اللَّهَ فَيَشْفِيَكَ " ، فَجَعَلَ لَا يَدْعُو ، حَتَّى مَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مَا أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ أَصَابَهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ : " رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " .
وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : كَانَ لِأَيُّوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَخَوَانِ فَجَاءَا يَوْمًا ، فَلَمْ يَسْتَطِيعَا أَنْ يَدْنُوَا مِنْهُ ، مِنْ رِيحِهِ ، فَقَامَا مِنْ بَعِيدٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : لَوْ كَانَ اللَّهُ عَلِمَ مِنْ أَيُّوبَ خَيْرًا مَا ابْتَلَاهُ بِهَذَا؟ فَجَزِعَ أَيُّوبُ مِنْ قَوْلِهِمَا جَزَعًا لَمْ يَجْزَعْ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً قَطُّ شَبْعَانَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ جَائِعٍ ، فَصَدِّقْنِي . فَصُدِّقَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمَا يَسْمَعَانِ . ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ يَكُنْ لِي قَمِيصَانِ قَطُّ ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ عَارٍ ، فَصَدِّقْنِي ، فَصُدِّقَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمَا يَسْمَعَانِ . اللَّهُمَّ بِعِزَّتِكَ ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بِعِزَّتِكَ لَا أَرْفَعُ رَأْسِي أَبَدًا حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي . فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى كُشِفَ عَنْهُ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِ هَذَا فَقَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ ، كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : تَعَلَّمْ - وَاللَّهِ - لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذَنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ . فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ : مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفَ مَا بِهِ . فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا ، كَرَاهَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ . قَالَ : وَكَانَ يَخْرُجُ فِي حَاجَتِهِ ، فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَتْ عَلَيْهِ ، فَأُوحِيَ إِلَى 362 أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ : أَنِ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ، هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ " .
رَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَأَلْبَسَهُ اللَّهُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ ، فَتَنَحَّى أَيُّوبُ فَجَلَسَ فِي نَاحِيَةٍ ، وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ ، فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَيْنَ ذَهَبَ الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هَاهُنَا؟ لَعَلَّ الْكِلَابَ ذَهَبَتْ بِهِ أَوِ الذِّئَابَ ، فَجَعَلَتْ تَكَلُّمَهُ سَاعَةً ، فَقَالَ : وَيْحَكِ! أَنَا أَيُّوبُ ! قَالَتْ : أَتَسْخَرُ مِنِّي يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ : وَيْحَكِ! أَنَا أَيُّوبُ ، قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ جَسَدِي .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَرَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَلَدَهُ عِيَانًا ، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَيُّوبَ : قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ، فَاغْتَسِلْ بِهَذَا الْمَاءِ ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءَكَ ، وَقَرِّبْ عَنْ صَاحِبَتِكَ قُرْبَانًا ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوْنِي فِيكَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
[ وَقَالَ ] أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ ، أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي ثَوْبِهِ " . قَالَ : " فَقِيلَ لَهُ : يَا أَيُّوبُ ، أَمَا تَشْبَعُ؟ قَالَ : يَا رَبِّ ، وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَتِكَ " .
أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : رُدُّوا عَلَيْهِ بِأَعْيَانِهِمْ . وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اسْمَ زَوْجَتِهِ رَحْمَةُ ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ نَقْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، فَهُوَ مِمَّا لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ . وَقَدْ سَمَّاهَا ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ : وَيُقَالُ : اسْمُهَا لَيَا ابْنَةُ مِنَشَّا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : وَيُقَالُ : لَيَا بِنْتُ يَعْقُوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، زَوْجَةُ أَيُّوبَ كَانَتْ مَعَهُ بِأَرْضِ الْبَثْنِيَّةِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قِيلَ لَهُ : يَا أَيُّوبُ ، إِنْ أَهْلَكَ لَكَ فِي الْجَنَّةِ ، فَإِنْ شِئْتَ أَتَيْنَاكَ بِهِمْ ، وَإِنْ شِئْتَ 363 تَرَكْنَاهُمْ لَكَ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَوَّضْنَاكَ مِثْلَهُمْ . قَالَ : لَا ، بَلِ اتْرُكْهُمْ لِي فِي الْجَنَّةِ . فَتُرِكُوا لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَعُوِّضَ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ : أُوتِيَ أَجْرَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَأُعْطِيَ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا . قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهِ مُطَرِّفًا ، فَقَالَ : مَا عَرَفْتُ وَجْهَهَا قَبْلَ الْيَوْمِ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ) أَيْ : فَعَلْنَا بِهِ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِهِ ، ( وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) أَيْ : وَجَعَلْنَاهُ فِي ذَلِكَ قُدْوَةً ، لِئَلَّا يَظُنَّ أَهْلُ الْبَلَاءِ أَنَّمَا فَعَلْنَا بِهِمْ ذَلِكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيْنَا ، وَلِيَتَأَسَّوْا بِهِ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَقْدُورَاتِ اللَّهِ وَابْتِلَائِهِ لِعِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ فِي ذَلِكَ .
يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ أَيُّوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَا كَانَ أَصَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ ، فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَسَدِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، وَأَوْلَادٌ كَثِيرَةٌ ، وَمَنَازِلُ مَرْضِيَّةٌ . فَابْتُلِيَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَذَهَبَ عَنِ آخِرِهِ ، ثُمَّ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ - يُقَالُ : بِالْجُذَامِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ سَلِيمٌ سِوَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ ، يَذْكُرُ بِهِمَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، حَتَّى عَافَهُ الْجَلِيسُ ، وَأُفْرِدَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَلَدِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يَحْنُو عَلَيْهِ سِوَى زَوْجَتِهِ ، كَانَتْ تَقُومُ بِأَمْرِهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهَا احْتَاجَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُ النَّاسَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ " .
وَقَدْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، غَايَةً فِي الصَّبْرِ ، وَبِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مَيْسَرَةَ : لَمَّا ابْتَلَى اللَّهُ أَيُّوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِذَهَابِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ ، أَحْسَنَ الذَّكَرَ ، ثُمَّ قَالَ : أَحْمَدُكَ رَبَّ الْأَرْبَابِ ، الَّذِي أَحْسَنْتَ إِلَيَّ ، أَعْطَيْتَنِي الْمَالَ وَالْوَلَدَ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ قَلْبِي شُعْبَةٌ ، إِلَّا قَدْ دَخَلَهُ ذَلِكَ ، فَأَخَذْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنِّي ، وَفَرَّغْتُ قَلْبِي ، لَيْسَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَيْءٌ ، لَوْ يَعْلَمُ عَدُوِّي إِبْلِيسُ بِالَّذِي صَنَعْتُ ، حَسَدَنِي . قَالَ : فَلَقِيَ إِبْلِيسُ مِنْ ذَلِكَ مُنْكَرًا .
قَالَ : وَقَالَ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا رَبِّ ، إِنَّكَ أَعْطَيْتَنِي الْمَالَ وَالْوَلَدَ ، فَلَمْ يَقُمْ عَلَى بَابِي أَحَدٌ يَشْكُونِي لِظُلْمٍ ظَلَمْتُهُ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ . وَأَنَّهُ كَانَ يُوطَأُ لِيَ الْفِرَاشُ فَأَتْرُكُهَا وَأَقُولُ لِنَفْسِي : 360 يَا نَفْسُ ، إِنَّكِ لَمْ تُخْلَقِي لِوَطْءِ الْفُرُشِ ، مَا تَرَكْتُ ذَلِكَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي خَبَرِهِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ ، سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِالسَّنَدِ عَنْهُ ، وَذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُفَسِّرِينَ ، وَفِيهَا غَرَابَةٌ تَرَكْنَاهَا لِحَالِ الطُّولِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ مَكَثَ فِي الْبَلَاءِ مُدَّةً طَوِيلَةً ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الْمُهَيِّجِ لَهُ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ، ابْتُلِيَ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا ، مُلْقًى عَلَى كُنَاسَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، تَخْتَلِفُ الدَّوَابُّ فِي جَسَدِهِ فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَظَّمَ لَهُ الْأَجْرَ ، وَأَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : مَكَثَ فِي الْبَلَاءِ ثَلَاثَ سِنِينَ ، لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : تَسَاقَطَ لَحْمُ أَيُّوبَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَصَبُ وَالْعِظَامُ ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ تَقُومُ عَلَيْهِ وَتَأْتِيهِ بِالزَّادِ يَكُونُ فِيهِ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ لَمَّا طَالَ وَجَعُهُ : يَا أَيُّوبُ ، لَوْ دَعَوْتَ رَبَّكَ يُفَرِّجُ عَنْكَ؟ فَقَالَ : قَدْ عِشْتُ سَبْعِينَ سَنَةً صَحِيحًا ، فَهَلْ قَلِيلٌ لِلَّهِ أَنْ أَصْبِرَ لَهُ سَبْعِينَ سَنَةً؟ فَجَزِعَتْ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَتْ ، فَكَانَتْ تَعْمَلُ لِلنَّاسِ بِأَجْرٍ وَتَأْتِيهِ بِمَا تُصِيبُ فَتُطْعِمُهُ ، وَإِنَّ إِبْلِيسَ انْطَلَقَ إِلَى رَجُلَيْنِ مِنْ فِلَسْطِينَ كَانَا صَدِيقَيْنِ لَهُ وَأَخَوَيْنِ ، فَأَتَاهُمَا فَقَالَ : أَخُوكُمَا أَيُّوبُ أَصَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ كَذَا وَكَذَا ، فَأْتِيَاهُ وَزُورَاهُ وَاحْمِلَا مَعَكُمَا مِنْ خَمْرِ أَرْضِكُمَا ، فَإِنَّهُ إِنْ شَرِبَ مِنْهُ بَرَأَ . فَأَتَيَاهُ ، فَلَمَّا نَظَرَا إِلَيْهِ بَكَيَا ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا : نَحْنُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ! فَرَحَّبَ بِهِمَا وَقَالَ : مَرْحَبًا بِمَنْ لَا يَجْفُونِي عِنْدَ الْبَلَاءِ ، فَقَالَا : يَا أَيُّوبُ ، لَعَلَّكَ كُنْتَ تُسِرُّ شَيْئًا وَتُظْهِرُ غَيْرَهُ ، فَلِذَلِكَ ابْتَلَاكَ اللَّهُ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ : هُوَ يَعْلَمُ ، مَا أَسْرَرْتُ شَيْئًا أَظْهَرْتُ غَيْرَهُ . وَلَكِنَّ رَبِّي ابْتَلَانِي لِيَنْظُرَ أَأَصْبِرُ أَمْ أَجْزَعُ ، فَقَالَا لَهُ : يَا أَيُّوبُ ، اشْرَبْ مِنْ خَمْرِنَا فَإِنَّكَ إِنْ شَرِبْتَ مِنْهُ بَرَأْتَ . قَالَ : فَغَضِبَ وَقَالَ : جَاءَكُمَا الْخَبِيثُ فَأَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ كَلَامُكُمَا وَطَعَامُكُمَا وَشَرَابُكُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ . فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ ، وَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ تَعْمَلُ لِلنَّاسِ فَخَبَزَتْ لِأَهْلِ بَيْتٍ لَهُمْ صَبِيٌّ ، فَجَعَلَتْ لَهُمْ قُرْصًا ، وَكَانَ ابْنُهُمْ نَائِمًا ، فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوهُ ، فَوَهَبُوهُ لَهَا .
فَأَتَتْ بِهِ إِلَى أَيُّوبَ ، فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : مَا كُنْتِ تَأْتِينِي بِهَذَا ، فَمَا بَالُكِ الْيَوْمَ؟ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ . قَالَ : فَلَعَلَّ الصَّبِيَّ قَدِ اسْتَيْقَظَ ، فَطَلَبَ الْقَرْصَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَهُوَ يَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ . [ فَانْطَلِقِي بِهِ إِلَيْهِ . فَأَقْبَلَتْ حَتَّى بَلَغَتْ دَرَجَةَ الْقَوْمِ ، فَنَطَحَتْهَا شَاةٌ لَهُمْ ، فَقَالَتْ : تَعِسَ أَيُّوبُ الْخَطَّاءُ! فَلَمَّا صَعِدَتْ وَجَدَتِ الصَّبِيَّ قَدِ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَطْلُبُ الْقُرْصَ ، وَيَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ ] ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ شَيْئًا غَيْرَهُ ، فَقَالَتْ : رَحِمَ اللَّهُ أَيُّوبَ فَدَفَعَتِ الْقُرْصَ إِلَيْهِ وَرَجَعَتْ . ثُمَّ إِنَّ إِبْلِيسَ أَتَاهَا فِي صُورَةِ طَبِيبٍ ، فَقَالَ لَهَا : إِنَّ زَوْجَكِ قَدْ طَالَ سُقْمُهُ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبْرَأَ فَلْيَأْخُذْ ذُبَابًا فَلْيَذْبَحْهُ بِاسْمِ صَنَمِ بَنِي فَلَانٍ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَيَتُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ . فَقَالَتْ ذَلِكَ لِأَيُّوبَ ، فَقَالَ : قَدْ أَتَاكِ الْخَبِيثُ . لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ بَرَأْتُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ . فَخَرَجَتْ تَسْعَى عَلَيْهِ ، فَحُظِرَ عَنْهَا الرِّزْقُ ، فَجَعَلَتْ لَا تَأْتِي أَهْلَ بَيْتٍ فَيُرِيدُونَهَا ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَخَافَتْ عَلَى أَيُّوبَ 361 الْجُوعَ حَلَقَتْ مِنْ شَعْرِهَا قَرْنًا فَبَاعَتْهُ مِنْ صَبِيَّةٍ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ ، فَأَعْطَوْهَا طَعَامًا طَيِّبًا كَثِيرًا فَأَتَتْ بِهِ أَيُّوبَ ، فَلَمَّا رَآهُ أَنْكَرَهُ وَقَالَ : مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ : عَمِلْتُ لِأُنَاسٍ فَأَطْعَمُونِي . فَأَكَلَ مِنْهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَتْ فَطَلَبَتْ أَنْ تَعْمَلَ فَلَمْ تَجِدْ فَحَلَقَتْ أَيْضًا قَرْنًا فَبَاعَتْهُ مِنْ تِلْكَ الْجَارِيَةِ ، فَأَعْطَوْهَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَأَتَتْ بِهِ أَيُّوبَ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ حَتَّى أَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هُوَ؟ فَوَضَعَتْ خِمَارَهَا ، فَلَمَّا رَأَى رَأْسَهَا مَحْلُوقًا جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنَيُّ ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ; أَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي عَرَّجَ فِي أَيُّوبَ كَانَ يُقَالُ لَهُ : " سَوْطٌ " ، قَالَ : وَكَانَتِ امْرَأَةُ أَيُّوبَ تَقُولُ : " ادْعُ اللَّهَ فَيَشْفِيَكَ " ، فَجَعَلَ لَا يَدْعُو ، حَتَّى مَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : مَا أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ عَظِيمٍ أَصَابَهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ : " رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " .
وَحَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : كَانَ لِأَيُّوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَخَوَانِ فَجَاءَا يَوْمًا ، فَلَمْ يَسْتَطِيعَا أَنْ يَدْنُوَا مِنْهُ ، مِنْ رِيحِهِ ، فَقَامَا مِنْ بَعِيدٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : لَوْ كَانَ اللَّهُ عَلِمَ مِنْ أَيُّوبَ خَيْرًا مَا ابْتَلَاهُ بِهَذَا؟ فَجَزِعَ أَيُّوبُ مِنْ قَوْلِهِمَا جَزَعًا لَمْ يَجْزَعْ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً قَطُّ شَبْعَانَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ جَائِعٍ ، فَصَدِّقْنِي . فَصُدِّقَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمَا يَسْمَعَانِ . ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ يَكُنْ لِي قَمِيصَانِ قَطُّ ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ عَارٍ ، فَصَدِّقْنِي ، فَصُدِّقَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمَا يَسْمَعَانِ . اللَّهُمَّ بِعِزَّتِكَ ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بِعِزَّتِكَ لَا أَرْفَعُ رَأْسِي أَبَدًا حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي . فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى كُشِفَ عَنْهُ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِ هَذَا فَقَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ ، كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : تَعَلَّمْ - وَاللَّهِ - لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذَنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ . فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ : مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفَ مَا بِهِ . فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ أَيُّوبُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا ، كَرَاهَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ . قَالَ : وَكَانَ يَخْرُجُ فِي حَاجَتِهِ ، فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَتْ عَلَيْهِ ، فَأُوحِيَ إِلَى 362 أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ : أَنِ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ، هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ " .
رَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَأَلْبَسَهُ اللَّهُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ ، فَتَنَحَّى أَيُّوبُ فَجَلَسَ فِي نَاحِيَةٍ ، وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ ، فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَيْنَ ذَهَبَ الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هَاهُنَا؟ لَعَلَّ الْكِلَابَ ذَهَبَتْ بِهِ أَوِ الذِّئَابَ ، فَجَعَلَتْ تَكَلُّمَهُ سَاعَةً ، فَقَالَ : وَيْحَكِ! أَنَا أَيُّوبُ ! قَالَتْ : أَتَسْخَرُ مِنِّي يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ : وَيْحَكِ! أَنَا أَيُّوبُ ، قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ جَسَدِي .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَرَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَلَدَهُ عِيَانًا ، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ .
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : أَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَيُّوبَ : قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ، فَاغْتَسِلْ بِهَذَا الْمَاءِ ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءَكَ ، وَقَرِّبْ عَنْ صَاحِبَتِكَ قُرْبَانًا ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوْنِي فِيكَ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
[ وَقَالَ ] أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ ، أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي ثَوْبِهِ " . قَالَ : " فَقِيلَ لَهُ : يَا أَيُّوبُ ، أَمَا تَشْبَعُ؟ قَالَ : يَا رَبِّ ، وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَتِكَ " .
أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : رُدُّوا عَلَيْهِ بِأَعْيَانِهِمْ . وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ اسْمَ زَوْجَتِهِ رَحْمَةُ ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ نَقْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، فَهُوَ مِمَّا لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ . وَقَدْ سَمَّاهَا ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ : وَيُقَالُ : اسْمُهَا لَيَا ابْنَةُ مِنَشَّا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : وَيُقَالُ : لَيَا بِنْتُ يَعْقُوبَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، زَوْجَةُ أَيُّوبَ كَانَتْ مَعَهُ بِأَرْضِ الْبَثْنِيَّةِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قِيلَ لَهُ : يَا أَيُّوبُ ، إِنْ أَهْلَكَ لَكَ فِي الْجَنَّةِ ، فَإِنْ شِئْتَ أَتَيْنَاكَ بِهِمْ ، وَإِنْ شِئْتَ 363 تَرَكْنَاهُمْ لَكَ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَوَّضْنَاكَ مِثْلَهُمْ . قَالَ : لَا ، بَلِ اتْرُكْهُمْ لِي فِي الْجَنَّةِ . فَتُرِكُوا لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَعُوِّضَ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ : أُوتِيَ أَجْرَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَأُعْطِيَ مِثْلَهُمْ فِي الدُّنْيَا . قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهِ مُطَرِّفًا ، فَقَالَ : مَا عَرَفْتُ وَجْهَهَا قَبْلَ الْيَوْمِ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ) أَيْ : فَعَلْنَا بِهِ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِهِ ، ( وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) أَيْ : وَجَعَلْنَاهُ فِي ذَلِكَ قُدْوَةً ، لِئَلَّا يَظُنَّ أَهْلُ الْبَلَاءِ أَنَّمَا فَعَلْنَا بِهِمْ ذَلِكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيْنَا ، وَلِيَتَأَسَّوْا بِهِ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَقْدُورَاتِ اللَّهِ وَابْتِلَائِهِ لِعِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ فِي ذَلِكَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith