تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
313 ( قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ ( 95 ) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ( 97 ) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ( 98 ) ) .
يَقُولُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِلسَّامِرِيِّ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ وَمَا الَّذِي عَرَضَ لَكَ حَتَّى فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا ، وَكَانَ مَنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَكَانَ اسْمَ السَّامِرِيِّ : مُوسَى بْنُ ظُفَرٍ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : [ أَنَّهُ ] كَانَ مِنْ كَرْمَانَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُهَا سَامَرَّا .
( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) أَيْ : رَأَيْتُ جِبْرِيلَ حِينَ جَاءَ لِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ ، ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) أَيْ : مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا نَزَلَ فَصَعِدَ بِمُوسَى إِلَى السَّمَاءِ ، بُصُرَ بِهِ السَّامِرِيُّ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْفَرَسِ قَالَ : وَحَمَلَ جِبْرِيلُ مُوسَى خَلْفَهُ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ بَابِ السَّمَاءِ ، صَعِدَ وَكَتَبَ اللَّهُ الْأَلْوَاحَ وَهُوَ يَسْمَعُ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ فِي الْأَلْوَاحِ . فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ فُتِنُوا مِنْ بَعْدِهِ قَالَ : نَزَلَ مُوسَى ، فَأَخَذَ الْعِجْلَ فَأَحْرَقَهُ . غَرِيبٌ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) قَالَ : مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ ، قَالَ : وَالْقَبْضَةُ مِلْءُ الْكَفِّ ، وَالْقَبْضَةُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : نَبَذَ السَّامِرِيُّ ، أَيْ : أَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى حِلْيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَانْسَبَكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ ، فَهُوَ خُوَارُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ; أَنَّ السَّامِرِيَّ رَأَى الرَّسُولَ ، فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّكَ إِنْ أَخَذْتَ مِنْ أَثَرِ هَذَا الْفَرَسِ قَبْضَةً فَأَلْقَيْتَهَا فِي شَيْءٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : " كُنْ فَكَانَ " فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، فَيَبِسَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى الْقَبْضَةِ ، فَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اسْتَعَارُوا حُلِيَّ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ : إِنَّمَا أَصَابَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحُلِيِّ ، فَاجْمَعُوهُ . فَجَمَعُوهُ ، فَأَوْقَدُوا عَلَيْهِ ، فَذَابَ ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِ أَنَّكَ لَوْ قَذَفْتَ هَذِهِ الْقَبْضَةَ فِي هَذِهِ فَقُلْتَ : " كُنْ " كَانَ . فَقَذَفَ الْقَبْضَةَ وَقَالَ : " كُنْ " ، فَكَانَ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ ، فَقَالَ : ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ) .
وَلِهَذَا قَالَ : ( فَنَبَذْتُهَا ) أَيْ : أَلْقَيْتُهَا مَعَ مَنْ أَلْقَى ، ( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) أَيْ : حَسَّنَتْهُ وَأَعْجَبَهَا إِذْ ذَاكَ .
( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ) أَيْ : كَمَا أَخَذْتَ وَمَسِسْتَ مَا لَمْ 314 يَكُنْ أَخْذُهُ وَمَسُّهُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، فَعُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَقُولَ : " لَا مِسَاسَ " أَيْ : لَا تَمَاسُّ النَّاسَ وَلَا يَمَسُّونَكَ .
( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( لَنْ تُخْلَفَهُ ) أَيْ : لَا مَحِيدَ لَكَ عَنْهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ) قَالَ : عُقُوبَةٌ لَهُمْ ، وَبَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ : لَا مِسَاسَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ) قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو نَهِيكٍ : لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ ) أَيْ : مَعْبُودِكَ ، ( الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ) أَيْ : أَقَمْتَ عَلَى عِبَادَتِهِ ، يَعْنِي : الْعِجْلَ ( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالسُّدِّيِّ : سَحَلَهُ بِالْمَبَارِدِ ، وَأَلْقَاهُ عَلَى النَّارِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : اسْتَحَالَ الْعِجْلُ مِنَ الذَّهَبِ لَحْمًا وَدَمًا ، فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ ، ثُمَّ أَلْقَاهُ ، أَيْ : رَمَادَهُ فِي الْبَحْرِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ مُوسَى لَمَّا تَعَجَّلَ إِلَى رَبِّهِ ، عَمَدَ السَّامِرِيُّ فَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ حُلِيِّ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، ثُمَّ صَوَّرَهُ عِجْلًا قَالَ : فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْلِ ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِدَ ، فَبَرَدَهُ بِهَا ، وَهُوَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ ، فَلَمْ يَشْرَبْ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْعِجْلَ إِلَّا اصْفَرَّ وَجْهُهُ مِثْلَ الذَّهَبِ . فَقَالُوا لِمُوسَى : مَا تَوْبَتُنَا ؟ قَالَ : يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " ثُمَّ فِي حَدِيثِ " الْفُتُونِ " بَسْطُ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) يَقُولُ لَهُمْ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَيْسَ هَذَا إِلَهَكُمْ ، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ] أَيْ : لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ إِلَّا هُوَ ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ ، عَبْدٌ لِرَبِّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ ، أَيْ : هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ، ( أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) [ الطَّلَاقِ : 12 ] ، ( وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) [ الْجِنِّ : 28 ] ، فَلَا ( يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ) [ سَبَأٍ : 3 ] ، ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ الْأَنْعَامِ : 59 ] ، ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ هُودٍ : 6 ] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا .
يَقُولُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِلسَّامِرِيِّ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ وَمَا الَّذِي عَرَضَ لَكَ حَتَّى فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا ، وَكَانَ مَنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَكَانَ اسْمَ السَّامِرِيِّ : مُوسَى بْنُ ظُفَرٍ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : [ أَنَّهُ ] كَانَ مِنْ كَرْمَانَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُهَا سَامَرَّا .
( قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) أَيْ : رَأَيْتُ جِبْرِيلَ حِينَ جَاءَ لِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ ، ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) أَيْ : مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنِ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا نَزَلَ فَصَعِدَ بِمُوسَى إِلَى السَّمَاءِ ، بُصُرَ بِهِ السَّامِرِيُّ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الْفَرَسِ قَالَ : وَحَمَلَ جِبْرِيلُ مُوسَى خَلْفَهُ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ بَابِ السَّمَاءِ ، صَعِدَ وَكَتَبَ اللَّهُ الْأَلْوَاحَ وَهُوَ يَسْمَعُ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ فِي الْأَلْوَاحِ . فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ قَوْمَهُ قَدْ فُتِنُوا مِنْ بَعْدِهِ قَالَ : نَزَلَ مُوسَى ، فَأَخَذَ الْعِجْلَ فَأَحْرَقَهُ . غَرِيبٌ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) قَالَ : مِنْ تَحْتِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ ، قَالَ : وَالْقَبْضَةُ مِلْءُ الْكَفِّ ، وَالْقَبْضَةُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : نَبَذَ السَّامِرِيُّ ، أَيْ : أَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ عَلَى حِلْيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَانْسَبَكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ ، فَهُوَ خُوَارُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ; أَنَّ السَّامِرِيَّ رَأَى الرَّسُولَ ، فَأُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّكَ إِنْ أَخَذْتَ مِنْ أَثَرِ هَذَا الْفَرَسِ قَبْضَةً فَأَلْقَيْتَهَا فِي شَيْءٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : " كُنْ فَكَانَ " فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، فَيَبِسَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى الْقَبْضَةِ ، فَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِلْمِيقَاتِ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ اسْتَعَارُوا حُلِيَّ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ : إِنَّمَا أَصَابَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحُلِيِّ ، فَاجْمَعُوهُ . فَجَمَعُوهُ ، فَأَوْقَدُوا عَلَيْهِ ، فَذَابَ ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأُلْقِيَ فِي رُوعِهِ أَنَّكَ لَوْ قَذَفْتَ هَذِهِ الْقَبْضَةَ فِي هَذِهِ فَقُلْتَ : " كُنْ " كَانَ . فَقَذَفَ الْقَبْضَةَ وَقَالَ : " كُنْ " ، فَكَانَ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ ، فَقَالَ : ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ) .
وَلِهَذَا قَالَ : ( فَنَبَذْتُهَا ) أَيْ : أَلْقَيْتُهَا مَعَ مَنْ أَلْقَى ، ( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) أَيْ : حَسَّنَتْهُ وَأَعْجَبَهَا إِذْ ذَاكَ .
( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ) أَيْ : كَمَا أَخَذْتَ وَمَسِسْتَ مَا لَمْ 314 يَكُنْ أَخْذُهُ وَمَسُّهُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ، فَعُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَقُولَ : " لَا مِسَاسَ " أَيْ : لَا تَمَاسُّ النَّاسَ وَلَا يَمَسُّونَكَ .
( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( لَنْ تُخْلَفَهُ ) أَيْ : لَا مَحِيدَ لَكَ عَنْهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ) قَالَ : عُقُوبَةٌ لَهُمْ ، وَبَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ : لَا مِسَاسَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ) قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو نَهِيكٍ : لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ ) أَيْ : مَعْبُودِكَ ، ( الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ) أَيْ : أَقَمْتَ عَلَى عِبَادَتِهِ ، يَعْنِي : الْعِجْلَ ( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالسُّدِّيِّ : سَحَلَهُ بِالْمَبَارِدِ ، وَأَلْقَاهُ عَلَى النَّارِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : اسْتَحَالَ الْعِجْلُ مِنَ الذَّهَبِ لَحْمًا وَدَمًا ، فَحَرَقَهُ بِالنَّارِ ، ثُمَّ أَلْقَاهُ ، أَيْ : رَمَادَهُ فِي الْبَحْرِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ مُوسَى لَمَّا تَعَجَّلَ إِلَى رَبِّهِ ، عَمَدَ السَّامِرِيُّ فَجَمَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ حُلِيِّ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، ثُمَّ صَوَّرَهُ عِجْلًا قَالَ : فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى الْعِجْلِ ، فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَبَارِدَ ، فَبَرَدَهُ بِهَا ، وَهُوَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ ، فَلَمْ يَشْرَبْ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْعِجْلَ إِلَّا اصْفَرَّ وَجْهُهُ مِثْلَ الذَّهَبِ . فَقَالُوا لِمُوسَى : مَا تَوْبَتُنَا ؟ قَالَ : يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " ثُمَّ فِي حَدِيثِ " الْفُتُونِ " بَسْطُ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) يَقُولُ لَهُمْ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَيْسَ هَذَا إِلَهَكُمْ ، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ] أَيْ : لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ إِلَّا هُوَ ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ ، عَبْدٌ لِرَبِّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ ، أَيْ : هُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ، ( أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) [ الطَّلَاقِ : 12 ] ، ( وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) [ الْجِنِّ : 28 ] ، فَلَا ( يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ) [ سَبَأٍ : 3 ] ، ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ الْأَنْعَامِ : 59 ] ، ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ هُودٍ : 6 ] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith