تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
210 211 تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ مَكَّةَ : أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَرَأَ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ( 3 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) ) .
أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ) أَيْ : هَذَا ذِكْرُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعَبْدِهِ زَكَرِيَّا .
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ " ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا " .
وَ ) زَكَرِيَّا ) : يُمَدُّ وَيُقْصَرُ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . وَكَانَ نَبِيًّا عَظِيمًا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّهُ كَانَ نَجَّارًا ، أَيْ : كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ فِي النِّجَارَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) : قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّمَا أَخْفَى دُعَاءَهُ ، لِئَلَّا يُنْسَبَ فِي طَلَبِ الْوَلَدِ إِلَى الرُّعُونَةِ لِكِبَرِهِ . حَكَاهُ المَاوَرْدِيُّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَخْفَاهُ لِأَنَّهُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ . كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْقَلْبَ التَّقِيَّ ، وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ الْخَفِيَّ .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : قَامَ مِنَ اللَّيْلِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَدْ نَامَ أَصْحَابُهُ ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ يَقُولُ خُفْيَةً : يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ فَقَالَ اللَّهُ : لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ .
( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) أَيْ : ضَعُفَتْ وَخَارَتِ الْقُوَى ، ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ) أَيِ 212 اضْطَرَمَ الْمَشِيبُ فِي السَّوَادِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ دُرَيدٍ فِي مَقْصُورَتِهِ :
﴿﴾ إِمَّا تَرَى رَأْسِي حَاكِيَ لَوْنُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيَالِ الدُّجَى ﴿﴾ ﴿﴾ واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ فِي مُسْوَدِّهِ ﴿﴾ ﴿﴾ مِثْلَ اشْتِعَالِ النَّارِ في جَمْرِ الْغَضَا ﴿﴾
وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا : الْإِخْبَارُ عَنِ الضَّعْفِ وَالْكِبَرِ ، وَدَلَائِلِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) أَيْ : وَلَمْ أَعْهَدْ مِنْكَ إِلَّا الْإِجَابَةَ فِي الدُّعَاءِ ، وَلَمْ تَرُدَّنِي قَطُّ فِيمَا سَأَلْتُكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ) : قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ بِنَصْبِ " الْيَاءِ " مِنَ ( الْمَوَالِيَ ) عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ، وَعَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ سَكَّنَ الْيَاءَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ كَأَنَّ أَيْدِيهِنَّ في القَاعِ الفَرَقْ ﴿﴾ ﴿﴾ أَيْدِي جَوَارٍ يَتَعَاطَيْنَ الْوَرَقْ ﴿﴾
وَقَالَ الْآخَرُ :
﴿﴾ فَتًى لو يُبَارِي الشَّمْسَ أَلْقَتْ قِنَاعَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوِ الْقَمَرَ السَّارِي لَأَلْقَى الْمَقَالِدَا ﴿﴾
وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ الطَّائِيِّ :
﴿﴾ تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إِذْ سَهِرْتُ لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ حَتَّى ظَنَنْتُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ ﴿﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : أَرَادَ بِالْمَوَالِي الْعَصَبَةَ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : الْكَلَالَةَ .
وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " وَإِنِّي خَفَّتِ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِي " بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ بِمَعْنَى : قَلَّتْ عَصَبَاتِي مِنْ بَعْدِي .
وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ، وَجْهُ خَوْفِهِ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَتَصَرَّفُوا مِنْ بَعْدِهِ فِي النَّاسِ تَصَرُّفًا سَيِّئًا ، فَسَأَلَ اللَّهَ وَلَدَا ، يَكُونُ نَبِيًّا مِنْ بَعْدِهِ ، لِيَسُوسَهُمْ بِنُبُوَّتِهِ وَمَا يُوحَى إِلَيْهِ . فَأُجِيبَ فِي ذَلِكَ ، لَا أَنَّهُ خَشِيَ مِنْ وِرَاثَتِهِمْ لَهُ مَالَهُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً وَأَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُشْفِقَ عَلَى مَالِهِ إِلَى مَا هَذَا حَدُّهُ أَنْ يَأْنَفَ مِنْ وِرَاثَةِ عَصَبَاتِهِ لَهُ ، وَيَسْأَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ، فَيَحُوزَ مِيرَاثَهُ دُونَهُ دُونَهُمْ . هَذَا وَجْهٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ ، بَلْ كَانَ نَجَّارًا يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدَيْهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجْمَعُ مَالًا ، وَلَا سِيَّمَا الْأَنْبِيَاءُ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَزْهَدَ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا نُورَثُ ، مَا 213 تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ " وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : " نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ " وَعَلَى هَذَا فَتَعَيَّنَ حَمْلُ قَوْلِهِ : ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي ) عَلَى مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) [ النَّمْلِ : 16 ] أَيْ : فِي النُّبُوَّةِ; إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْمَالِ لَمَا خَصَّهُ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ بِذَلِكَ ، وَلَمَا كَانَ فِي الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ الْمُسْتَقِرِّ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ أَنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ أَبَاهُ ، فَلَوْلَا أَنَّهَا وِرَاثَةٌ خَاصَّةٌ لَمَا أَخْبَرَ بِهَا ، وَكُلُّ هَذَا يُقَرِّرُهُ وَيُثْبِتُهُ مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ : " نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ " .
قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : كَانَ وِرَاثَتُهُ عِلْمًا وَكَانَ زَكَرِيَّا مِنْ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : قَدْ يَكُونُ نَبِيًّا كَمَا كَانَتْ آبَاؤُهُ أَنْبِيَاءَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ : يَرِثُ نُبُوَّتَهُ وَعِلْمَهُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : يَرِثُ نُبُوَّتِي وَنُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ .
وَعَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : نُبُوَّتَهُمْ .
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ نُوحٍ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : يَرِثُ مَالِي ، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيَّا ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةٍ ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا ، إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ "
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، عَنْ مُبَارَكٍ - هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ - عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَحِمَ اللَّهُ أَخِي زَكَرِيَّا ، مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةِ مَالِهِ حِينَ يَقُولُ : ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) 214
وَهَذِهِ مُرْسَلَاتٌ لَا تُعَارِضُ الصِّحَاحَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) أَيْ مَرْضِيًّا عِنْدَكَ وَعِنْدَ خَلْقِكِ ، تُحِبُّهُ وَتُحَبِّبُهُ إِلَى خَلْقِكَ فِي دِينِهِ وَخُلُقِهِ .
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ مَكَّةَ : أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَرَأَ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ( 3 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) ) .
أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ) أَيْ : هَذَا ذِكْرُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعَبْدِهِ زَكَرِيَّا .
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ " ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا " .
وَ ) زَكَرِيَّا ) : يُمَدُّ وَيُقْصَرُ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . وَكَانَ نَبِيًّا عَظِيمًا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّهُ كَانَ نَجَّارًا ، أَيْ : كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ فِي النِّجَارَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) : قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّمَا أَخْفَى دُعَاءَهُ ، لِئَلَّا يُنْسَبَ فِي طَلَبِ الْوَلَدِ إِلَى الرُّعُونَةِ لِكِبَرِهِ . حَكَاهُ المَاوَرْدِيُّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أَخْفَاهُ لِأَنَّهُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ . كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْقَلْبَ التَّقِيَّ ، وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ الْخَفِيَّ .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : قَامَ مِنَ اللَّيْلِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَدْ نَامَ أَصْحَابُهُ ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ يَقُولُ خُفْيَةً : يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ فَقَالَ اللَّهُ : لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ .
( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) أَيْ : ضَعُفَتْ وَخَارَتِ الْقُوَى ، ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ) أَيِ 212 اضْطَرَمَ الْمَشِيبُ فِي السَّوَادِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ دُرَيدٍ فِي مَقْصُورَتِهِ :
﴿﴾ إِمَّا تَرَى رَأْسِي حَاكِيَ لَوْنُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيَالِ الدُّجَى ﴿﴾ ﴿﴾ واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ فِي مُسْوَدِّهِ ﴿﴾ ﴿﴾ مِثْلَ اشْتِعَالِ النَّارِ في جَمْرِ الْغَضَا ﴿﴾
وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا : الْإِخْبَارُ عَنِ الضَّعْفِ وَالْكِبَرِ ، وَدَلَائِلِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) أَيْ : وَلَمْ أَعْهَدْ مِنْكَ إِلَّا الْإِجَابَةَ فِي الدُّعَاءِ ، وَلَمْ تَرُدَّنِي قَطُّ فِيمَا سَأَلْتُكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ) : قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ بِنَصْبِ " الْيَاءِ " مِنَ ( الْمَوَالِيَ ) عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ، وَعَنِ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ سَكَّنَ الْيَاءَ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ كَأَنَّ أَيْدِيهِنَّ في القَاعِ الفَرَقْ ﴿﴾ ﴿﴾ أَيْدِي جَوَارٍ يَتَعَاطَيْنَ الْوَرَقْ ﴿﴾
وَقَالَ الْآخَرُ :
﴿﴾ فَتًى لو يُبَارِي الشَّمْسَ أَلْقَتْ قِنَاعَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوِ الْقَمَرَ السَّارِي لَأَلْقَى الْمَقَالِدَا ﴿﴾
وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ الطَّائِيِّ :
﴿﴾ تَغَايَرَ الشِّعْرُ فِيهِ إِذْ سَهِرْتُ لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ حَتَّى ظَنَنْتُ قَوَافِيهِ سَتَقْتَتِلُ ﴿﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : أَرَادَ بِالْمَوَالِي الْعَصَبَةَ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : الْكَلَالَةَ .
وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : " وَإِنِّي خَفَّتِ الْمَوَالِي مِنْ وَرَائِي " بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ بِمَعْنَى : قَلَّتْ عَصَبَاتِي مِنْ بَعْدِي .
وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ، وَجْهُ خَوْفِهِ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَتَصَرَّفُوا مِنْ بَعْدِهِ فِي النَّاسِ تَصَرُّفًا سَيِّئًا ، فَسَأَلَ اللَّهَ وَلَدَا ، يَكُونُ نَبِيًّا مِنْ بَعْدِهِ ، لِيَسُوسَهُمْ بِنُبُوَّتِهِ وَمَا يُوحَى إِلَيْهِ . فَأُجِيبَ فِي ذَلِكَ ، لَا أَنَّهُ خَشِيَ مِنْ وِرَاثَتِهِمْ لَهُ مَالَهُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً وَأَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُشْفِقَ عَلَى مَالِهِ إِلَى مَا هَذَا حَدُّهُ أَنْ يَأْنَفَ مِنْ وِرَاثَةِ عَصَبَاتِهِ لَهُ ، وَيَسْأَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ، فَيَحُوزَ مِيرَاثَهُ دُونَهُ دُونَهُمْ . هَذَا وَجْهٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ ، بَلْ كَانَ نَجَّارًا يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدَيْهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجْمَعُ مَالًا ، وَلَا سِيَّمَا الْأَنْبِيَاءُ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَزْهَدَ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا نُورَثُ ، مَا 213 تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ " وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : " نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ " وَعَلَى هَذَا فَتَعَيَّنَ حَمْلُ قَوْلِهِ : ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي ) عَلَى مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) [ النَّمْلِ : 16 ] أَيْ : فِي النُّبُوَّةِ; إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْمَالِ لَمَا خَصَّهُ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ بِذَلِكَ ، وَلَمَا كَانَ فِي الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ الْمُسْتَقِرِّ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ أَنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ أَبَاهُ ، فَلَوْلَا أَنَّهَا وِرَاثَةٌ خَاصَّةٌ لَمَا أَخْبَرَ بِهَا ، وَكُلُّ هَذَا يُقَرِّرُهُ وَيُثْبِتُهُ مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ : " نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ " .
قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : كَانَ وِرَاثَتُهُ عِلْمًا وَكَانَ زَكَرِيَّا مِنْ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : قَدْ يَكُونُ نَبِيًّا كَمَا كَانَتْ آبَاؤُهُ أَنْبِيَاءَ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ : يَرِثُ نُبُوَّتَهُ وَعِلْمَهُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : يَرِثُ نُبُوَّتِي وَنُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ .
وَعَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : نُبُوَّتَهُمْ .
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ نُوحٍ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قَالَ : يَرِثُ مَالِي ، وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيَّا ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةٍ ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا ، إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ "
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، عَنْ مُبَارَكٍ - هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ - عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَحِمَ اللَّهُ أَخِي زَكَرِيَّا ، مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةِ مَالِهِ حِينَ يَقُولُ : ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) 214
وَهَذِهِ مُرْسَلَاتٌ لَا تُعَارِضُ الصِّحَاحَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) أَيْ مَرْضِيًّا عِنْدَكَ وَعِنْدَ خَلْقِكِ ، تُحِبُّهُ وَتُحَبِّبُهُ إِلَى خَلْقِكَ فِي دِينِهِ وَخُلُقِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith