تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ( 56 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ( 57 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ ( ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ) مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ فَارْغُبُوا إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ " لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ ، ( وَلَا تَحْوِيلًا ) أَيْ أَنْ يُحَوِّلُوهُ إِلَى غَيْرِكُمْ
وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ) قَالَ كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَقُولُونَ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا
وَقَوْلُهُ : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) . رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) قَالَ نَاسٌ مِنَ الْجِنِّ كَانُوا يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزِّمَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) قَالَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ 89 فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ فَذَكَرَهُ
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) قَالَ عِيسَى وَأُمُّهُ ، وَعُزَيْرٌ
وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ عِيسَى وَالْعُزَيْرُ وَالْمَلَائِكَةُ
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ لِقَوْلِهِ : ( يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) ، وَهَذَا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَاضِي فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ عِيسَى وَالْعُزَيْرُ قَالَ وَالْوَسِيلَةُ هِيَ الْقُرْبَةُ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَلِهَذَا قَالَ : ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ )
وَقَوْلُهُ ( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) : لَا تَتَمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَبِالْخَوْفِ يَنْكَفُّ عَنِ الْمَنَاهِي وَبِالرَّجَاءِ يَنْبَعِثُ عَلَى الطَّاعَاتِ
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُحَذَّرَ مِنْهُ وَيُخَافَ مِنْ وُقُوعِهِ وَحُصُولِهِ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهُ
يَقُولُ تَعَالَى : ( قُلْ ) يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ ( ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ) مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ فَارْغُبُوا إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ " لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ ، ( وَلَا تَحْوِيلًا ) أَيْ أَنْ يُحَوِّلُوهُ إِلَى غَيْرِكُمْ
وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ) قَالَ كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَقُولُونَ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَهُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا
وَقَوْلُهُ : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) . رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) قَالَ نَاسٌ مِنَ الْجِنِّ كَانُوا يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ
وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزِّمَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) قَالَ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ 89 فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ فَذَكَرَهُ
وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) قَالَ عِيسَى وَأُمُّهُ ، وَعُزَيْرٌ
وَقَالَ مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَالشَّمْسُ ، وَالْقَمَرُ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ عِيسَى وَالْعُزَيْرُ وَالْمَلَائِكَةُ
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ لِقَوْلِهِ : ( يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) ، وَهَذَا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَاضِي فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ عِيسَى وَالْعُزَيْرُ قَالَ وَالْوَسِيلَةُ هِيَ الْقُرْبَةُ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَلِهَذَا قَالَ : ( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ )
وَقَوْلُهُ ( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) : لَا تَتَمُّ الْعِبَادَةُ إِلَّا بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَبِالْخَوْفِ يَنْكَفُّ عَنِ الْمَنَاهِي وَبِالرَّجَاءِ يَنْبَعِثُ عَلَى الطَّاعَاتِ
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُحَذَّرَ مِنْهُ وَيُخَافَ مِنْ وُقُوعِهِ وَحُصُولِهِ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهُ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith