إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الأول
page 75 · printed p. 156
فَصْلٌ :
[ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ يَجْتَهِدُونَ وَيَقِيسُونَ ]
وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُونَ فِي النَّوَازِلِ ، وَيَقِيسُونَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ عَلَى بَعْضٍ ، وَيَعْتَبِرُونَ النَّظِيرَ بِنَظِيرِهِ .
قَالَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى : ثنا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فِي الْجَنَّةِ : كُلُّ قَوْمٍ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَصْلَحَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يُزْرُونَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، وَيُعْرَفُ الْحَقُّ بِالْمُقَايَسَةِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا ، وَرَفْعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ .
وَقَدْ اجْتَهَدَ الصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ ، كَمَا أَمَرَهُمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ أَنْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَاجْتَهَدَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ ، وَقَالَ : لَمْ يُرِدْ مِنَّا التَّأْخِيرَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُرْعَةَ النُّهُوضِ ، فَنَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى ، وَاجْتَهَدَ آخَرُونَ 156 وَأَخَّرُوهَا إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَصَلَّوْهَا لَيْلًا ، نَظَرُوا إلَى اللَّفْظِ ، وَهَؤُلَاءِ سَلَفُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَهَؤُلَاءِ سَلَفُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي وَالْقِيَاسِ .
{ ۝ وَلَمَّا كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِالْيَمَنِ أَتَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَخْتَصِمُونَ فِي غُلَامٍ ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ : هُوَ ابْنِي ، فَأَقْرَعَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ ، فَجَعَلَ الْوَلَدَ لِلْقَارِعِ ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ لِلرَّجُلَيْنِ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ مِنْ قَضَاءِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ } .
{ ۝ وَاجْتَهَدَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَحَكَمَ فِيهِمْ بِاجْتِهَادِهِ ، فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ } .
{ ۝ وَاجْتَهَدَ الصَّحَابِيَّانِ اللَّذَانِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَصَلَّيَا ، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ ، فَصَوَّبَهُمَا ، وَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السَّنَةَ ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ وَقَالَ لِلْآخَرِ لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ } .
وَلَمَّا { ۝ قَاسَ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ وَقَافَ وَحَكَمَ بِقِيَاسِ وَقِيَافَتِهِ عَلَى أَنَّ أَقْدَامَ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ ابْنِهِ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ سُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَرَقَتْ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْقِيَاسِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْحَقِّ } ، وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ وَابْنُهُ أُسَامَةُ أَسْوَدَ ، فَأَلْحَقَ هَذَا الْقَائِفُ الْفَرْعَ بِنَظِيرِهِ وَأَصْله وَأَلْغَى وَصْفَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ الَّذِي لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْكَلَالَةُ " أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي ، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ ، أَرَاهُ مَا خَلَا الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ " .
فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ قَالَ : " إنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ " .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : قَالَ لِي عُمَرُ : اقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ أَقْضِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْضِ بِمَا اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ مَا قَضَتْ بِهِ أَئِمَّةُ الْمُهْتَدِينَ فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ ، وَاسْتَشِرْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ . .
وَقَدْ اجْتَهَدَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي الْمُفَوِّضَةِ وَقَالَ : أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي ، وَوَفَّقَهُ اللَّهُ لِلصَّوَابِ ، وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَسْأَلُهُ عَنْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، فَقَالَ : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ ، وَلِلْأَبِ بَقِيَّةُ الْمَالِ ، فَقَالَ : تَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ تَقُولُهُ بِرَأْيِكَ ؟ قَالَ : أَقُولُهُ بِرَأْيِي ، وَلَا أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ .
وَقَايَسَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الْمُكَاتَبِ ، وَقَايَسَهُ فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ .
وَقَاسَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْأَضْرَاسَ بِالْأَصَابِعِ ، وَقَالَ : عَقْلُهَا سَوَاءٌ ، اعْتَبِرُوهَا بِهَا
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith