إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الثالث
[ شِرَاءُ الْوَكِيلِ مَا وُكِّلَ فِيهِ لِنَفْسِهِ ]
الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ : لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً ، فَلَمَّا رَآهَا الْوَكِيلُ أَعْجَبَتْهُ وَأَرَادَ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَلَا غَدْرٍ بِالْمُوَكِّلِ جَازَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ شِرَاءَهُ إيَّاهَا لِنَفْسِهِ عَزْلٌ لِنَفْسِهِ وَإِخْرَاجٌ لَهَا مِنْ الْوَكَالَةِ ، وَالْوَكِيلُ يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ فِي حُضُورِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ ، وَإِذَا عَزَلَ [ نَفْسَهُ ] وَاشْتَرَى الْجَارِيَةَ لِنَفْسِهِ بِمَالِهِ مَلَكَهَا ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بَيْعٌ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ شِرَاءٌ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدُهَا قَدْ رَكَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ وَعَزَمَ عَلَى إمْضَاءِ الْبَيْعِ لَهُ ; فَيَكُونَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ حَرَامًا ; لِأَنَّهُ شِرَاءٌ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، وَلَا يُقَالُ : " الْعَقْدُ لَمْ يَتِمَّ وَالشِّرَاءُ عَلَى شِرَائِهِ هُوَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْبَائِعِ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَيَعْقِدَ مَعَهُ هُوَ " لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا حَمْلٌ لِلْحَدِيثِ عَلَى الصُّورَةِ النَّادِرَةِ ، وَالْأَكْثَرُ خِلَافُهَا .
الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ ذَلِكَ بِخِطْبَتِهِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ { نُهِيَ أَنْ يَسُومَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ } ، وَذَلِكَ أَيْضًا قَبْلَ الْعَقْدِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَرَّمَ الشَّارِعُ لِأَجْلِهِ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الْخِيَارِ ، بَلْ هُوَ قَائِمٌ بَعْدَ الرُّكُونِ وَالتَّرَاضِي وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَاهُ كَمَا هُوَ قَائِمٌ بَعْدَ الْعَقْدِ .
الْخَامِسُ : أَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ بِلَا مُوجِبٍ ، فَيَكُونُ فَاسِدًا ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ مُتَنَاوِلٌ لِحَالِ الشِّرَاءِ وَمَا بَعْدَهُ ، وَاَلَّذِي غَرَّ مَنْ خَصَّهُ بِحَالَةِ الْخِيَارِ ظَنُّهُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى مَنْ اشْتَرَى بَعْدَ شِرَاءِ أَخِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ اللَّفْظُ صَادِقٌ عَلَى الْقِسْمَيْنِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ اللَّفْظُ بِمَا بَعْدَ الشِّرَاءِ لَوَجَبَ تَعْدِيَتُهُ بِتَعَدِّيَةِ عِلَّتِهِ إلَى حَالَةِ السَّوْمِ .
أَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ ، فَلَوْ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ لَكَانَ عَزْلًا لِنَفْسِهِ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ . 270 قَالُوا : فَالْحِيلَةُ فِي شِرَائِهَا لِنَفْسِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي وُكِّلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ ، وَحِينَئِذٍ فَيَمْلِكَهَا ; لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ غَيْرُ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَاةٍ فَاشْتَرَى فَرَسًا ; فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ ; فَإِنْ أَرَادَ الْمُوَكِّلُ الِاحْتِرَازَ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ وَأَنْ لَا يُمَكِّنَ الْوَكِيلَ مِنْ شِرَائِهَا لِنَفْسِهِ فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ فَهِيَ حُرَّةٌ ; فَإِنْ وَكَّلَ الْوَكِيلُ مَنْ يَشْتَرِيهَا لَهُ انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْوَكِيلَ هَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ أَمْ لَا ؟
وَالثَّانِي : أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ; فَوَكَّلَ فِي فِعْلِهِ هَلْ يَحْنَثُ أَمْ لَا ؟
وَفِي الْأَصْلَيْنِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ ، فَإِنْ وَكَّلَهُ رَجُلٌ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ وَوَكَّلَهُ آخَرُ فِي شِرَائِهَا ، وَأَرَادَ هُوَ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا أَصْلًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي بَيْعِ الشَّيْءِ هَلْ يَمْلِكُ بَيْعَهُ لِنَفْسِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ; إحْدَاهُمَا : لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْصِي فِي الثَّمَنِ ، وَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ إذَا زَادَ عَلَى ثَمَنِهَا فِي النِّدَاءِ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ ; فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى حِيلَةٍ ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ فِعْلُ هَذَا ، وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّحَيُّلُ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ : لَهُ أَنْ يَتَحَيَّلَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى غَيْرِهِ دَرَاهِمَ وَيَقُولَ لَهُ : اشْتَرِهَا لِنَفْسِك ، ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا مِنْهُ ، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَحَيُّلٌ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى عَدَمِ اسْتِقْصَائِهِ وَاحْتِيَاطِهِ فِي الْبَيْعِ ، بَلْ يُسَامِحُ فِي ذَلِكَ لِعِلْمِهِ أَنَّهَا تَصِيرُ إلَيْهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَزِنُ الثَّمَنَ ، وَلِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ ذَلِكَ نَوْعَ غَدْرٍ وَمَكْرٍ ; فَمَحَاسِنُ الشَّرِيعَةِ تَأْبَى الْجَوَازَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ وَكَّلَهُ أَحَدُهُمَا فِي بَيْعِهَا وَالْآخَرُ فِي شِرَائِهَا وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ ; فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ ؟ .
قِيلَ : هَذَا يَنْبَنِي عَلَى شِرَاءِ الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ ; فَإِنْ أَجَزْنَاهُ هُنَاكَ جَازَ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ هُنَاكَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ أَيْضًا هَاهُنَا ; لِتَضَادِّ الْغَرَضَيْنِ ; لِأَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ يَسْتَقْصِي فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ ، وَوَكِيلَ الشِّرَاءِ يَسْتَقْصِي فِي نُقْصَانِهِ ; فَيَتَضَادَّانِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ - وَإِنْ مَنَعْنَا الْوَكِيلَ مِنْ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ - عَلَى جَوَازِ كَوْنِ الْوَكِيلِ فِي النِّكَاحِ وَكِيلًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، وَكَوْنِهِ أَيْضًا وَلِيًّا مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، وَأَنَّهُ يَلِي بِذَلِكَ عَلَى إيجَابِ الْعَقْدِ وَقَبُولِهِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ التُّهْمَةَ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ أَظْهَرُ مِنْ التُّهْمَةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الشِّرَاءِ لِمُوَكِّلِهِ .
وَالْحِيلَةُ الصَّحِيحَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَبِيعَهَا بَيْعًا بَتَاتًا ظَاهِرًا لِأَجْنَبِيٍّ يَثِقُ بِهِ ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ شِرَاءً مُسْتَقِلًّا ; فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ : لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً ، فَلَمَّا رَآهَا الْوَكِيلُ أَعْجَبَتْهُ وَأَرَادَ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَلَا غَدْرٍ بِالْمُوَكِّلِ جَازَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ شِرَاءَهُ إيَّاهَا لِنَفْسِهِ عَزْلٌ لِنَفْسِهِ وَإِخْرَاجٌ لَهَا مِنْ الْوَكَالَةِ ، وَالْوَكِيلُ يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ فِي حُضُورِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ ، وَإِذَا عَزَلَ [ نَفْسَهُ ] وَاشْتَرَى الْجَارِيَةَ لِنَفْسِهِ بِمَالِهِ مَلَكَهَا ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بَيْعٌ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ شِرَاءٌ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدُهَا قَدْ رَكَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ وَعَزَمَ عَلَى إمْضَاءِ الْبَيْعِ لَهُ ; فَيَكُونَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ حِينَئِذٍ حَرَامًا ; لِأَنَّهُ شِرَاءٌ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، وَلَا يُقَالُ : " الْعَقْدُ لَمْ يَتِمَّ وَالشِّرَاءُ عَلَى شِرَائِهِ هُوَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْبَائِعِ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَيَعْقِدَ مَعَهُ هُوَ " لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا حَمْلٌ لِلْحَدِيثِ عَلَى الصُّورَةِ النَّادِرَةِ ، وَالْأَكْثَرُ خِلَافُهَا .
الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ ذَلِكَ بِخِطْبَتِهِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ { نُهِيَ أَنْ يَسُومَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ } ، وَذَلِكَ أَيْضًا قَبْلَ الْعَقْدِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَرَّمَ الشَّارِعُ لِأَجْلِهِ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الْخِيَارِ ، بَلْ هُوَ قَائِمٌ بَعْدَ الرُّكُونِ وَالتَّرَاضِي وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَاهُ كَمَا هُوَ قَائِمٌ بَعْدَ الْعَقْدِ .
الْخَامِسُ : أَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ بِلَا مُوجِبٍ ، فَيَكُونُ فَاسِدًا ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ مُتَنَاوِلٌ لِحَالِ الشِّرَاءِ وَمَا بَعْدَهُ ، وَاَلَّذِي غَرَّ مَنْ خَصَّهُ بِحَالَةِ الْخِيَارِ ظَنُّهُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى مَنْ اشْتَرَى بَعْدَ شِرَاءِ أَخِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ اللَّفْظُ صَادِقٌ عَلَى الْقِسْمَيْنِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ اللَّفْظُ بِمَا بَعْدَ الشِّرَاءِ لَوَجَبَ تَعْدِيَتُهُ بِتَعَدِّيَةِ عِلَّتِهِ إلَى حَالَةِ السَّوْمِ .
أَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ ، فَلَوْ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ لَكَانَ عَزْلًا لِنَفْسِهِ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ . 270 قَالُوا : فَالْحِيلَةُ فِي شِرَائِهَا لِنَفْسِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي وُكِّلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ ، وَحِينَئِذٍ فَيَمْلِكَهَا ; لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ غَيْرُ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَاةٍ فَاشْتَرَى فَرَسًا ; فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ ; فَإِنْ أَرَادَ الْمُوَكِّلُ الِاحْتِرَازَ مِنْ هَذِهِ الْحِيلَةِ وَأَنْ لَا يُمَكِّنَ الْوَكِيلَ مِنْ شِرَائِهَا لِنَفْسِهِ فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَتَى اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ فَهِيَ حُرَّةٌ ; فَإِنْ وَكَّلَ الْوَكِيلُ مَنْ يَشْتَرِيهَا لَهُ انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْوَكِيلَ هَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ أَمْ لَا ؟
وَالثَّانِي : أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ; فَوَكَّلَ فِي فِعْلِهِ هَلْ يَحْنَثُ أَمْ لَا ؟
وَفِي الْأَصْلَيْنِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ ، فَإِنْ وَكَّلَهُ رَجُلٌ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ وَوَكَّلَهُ آخَرُ فِي شِرَائِهَا ، وَأَرَادَ هُوَ شِرَاءَهَا لِنَفْسِهِ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا أَصْلًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي بَيْعِ الشَّيْءِ هَلْ يَمْلِكُ بَيْعَهُ لِنَفْسِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ; إحْدَاهُمَا : لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْصِي فِي الثَّمَنِ ، وَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ إذَا زَادَ عَلَى ثَمَنِهَا فِي النِّدَاءِ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ ; فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى حِيلَةٍ ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ فِعْلُ هَذَا ، وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّحَيُّلُ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ : لَهُ أَنْ يَتَحَيَّلَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى غَيْرِهِ دَرَاهِمَ وَيَقُولَ لَهُ : اشْتَرِهَا لِنَفْسِك ، ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا مِنْهُ ، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَحَيُّلٌ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى عَدَمِ اسْتِقْصَائِهِ وَاحْتِيَاطِهِ فِي الْبَيْعِ ، بَلْ يُسَامِحُ فِي ذَلِكَ لِعِلْمِهِ أَنَّهَا تَصِيرُ إلَيْهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَزِنُ الثَّمَنَ ، وَلِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ ذَلِكَ نَوْعَ غَدْرٍ وَمَكْرٍ ; فَمَحَاسِنُ الشَّرِيعَةِ تَأْبَى الْجَوَازَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ وَكَّلَهُ أَحَدُهُمَا فِي بَيْعِهَا وَالْآخَرُ فِي شِرَائِهَا وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ ; فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ ؟ .
قِيلَ : هَذَا يَنْبَنِي عَلَى شِرَاءِ الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ ; فَإِنْ أَجَزْنَاهُ هُنَاكَ جَازَ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ هُنَاكَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ أَيْضًا هَاهُنَا ; لِتَضَادِّ الْغَرَضَيْنِ ; لِأَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ يَسْتَقْصِي فِي زِيَادَةِ الثَّمَنِ ، وَوَكِيلَ الشِّرَاءِ يَسْتَقْصِي فِي نُقْصَانِهِ ; فَيَتَضَادَّانِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ - وَإِنْ مَنَعْنَا الْوَكِيلَ مِنْ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ - عَلَى جَوَازِ كَوْنِ الْوَكِيلِ فِي النِّكَاحِ وَكِيلًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، وَكَوْنِهِ أَيْضًا وَلِيًّا مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، وَأَنَّهُ يَلِي بِذَلِكَ عَلَى إيجَابِ الْعَقْدِ وَقَبُولِهِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ التُّهْمَةَ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ أَظْهَرُ مِنْ التُّهْمَةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الشِّرَاءِ لِمُوَكِّلِهِ .
وَالْحِيلَةُ الصَّحِيحَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَبِيعَهَا بَيْعًا بَتَاتًا ظَاهِرًا لِأَجْنَبِيٍّ يَثِقُ بِهِ ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ شِرَاءً مُسْتَقِلًّا ; فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith