البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثاني
page 626 · printed p. 42 · commentary
( قَوْلُهُ وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ ) أَيْ الْوِتْرُ لِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ } قِيلَ لِلْحَسَنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَالَ كَانَ عُمَرُ أَفْقَهَ مِنْهُ وَكَانَ يَنْهَضُ فِي الثَّانِيَةِ بِالتَّكْبِيرِ ا هـ .
وَنَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا { ۝ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأَوْتَرْت لَهُ مَا صَلَّى } فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ بِتَحْرِيمَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ لِيَحْتَاجَ إلَى الِاشْتِغَالِ بِجَوَابِهِ إذْ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ 42 ذَلِكَ وَمِنْ كَوْنِهِ إذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً مُتَّصِلَةً وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يُقَاوَمُ الصَّرَائِحُ الْوَارِدَةُ وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ بِسَنَدِهِ { ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِ { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } وَفِي الثَّانِيَةِ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَفِي الثَّالِثَةِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } } وَمَا وَقَعَ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَنْكَرَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَلَمْ يَخْتَرْهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي
وَصَحَّحَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْحَنَفِيِّ بِمَنْ يُسَلِّمُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ وَجَوَّزَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَيُصَلِّي مَعَهُ بَقِيَّةَ الْوِتْرِ لِأَنَّ إمَامَهُ لَمْ يَخْرُجْ بِسَلَامِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهِ كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ قَدْ رَعَفَ وَاشْتِرَاطُ الْمَشَايِخِ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْحَنَفِيِّ فِي الْوِتْرِ بِالشَّافِعِيِّ أَنْ لَا يَفْصِلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مُفِيدٌ لِصِحَّتِهِ إذَا لَمْ يَفْصِلْهُ اتِّفَاقًا وَيُخَالِفُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِي الْوِتْرِ بِالشَّافِعِيِّ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ عَدَمَ الصِّحَّةِ فَصْلَ أَوْ وَصْلَ فَلِذَا قَالَ بَعْدَهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ مُشِيرًا إلَى أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْفَصْلِ لَا مُطْلَقًا مُعَلِّلًا بِأَنَّ اعْتِقَادَ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْحَنَفِيِّ ا هـ .
فَمُرَادُهُ مِنْ الْأَوَّلِ هُوَ قَوْلُهُ فِي شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّافِعِيِّ وَلَا يَقْطَعُ وِتْرَهُ بِالسَّلَامِ هُوَ الصَّحِيحُ وَيَشْهَدُ لِلشَّارِحِ مَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فِي الْعِيدَيْنِ صَحِيحٌ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ خِلَافٌ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَوَاجِبٌ عِنْدَنَا وَمَا نَقَلَهُ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى عَنْ ابْنِ الْفَضْلِ أَنَّ اقْتِدَاءَ الْحَنَفِيِّ فِي الْوِتْرِ بِمَنْ يَرَى أَنَّهُ سُنَّةٌ كَالْيُوسُفِيِّ صَحِيحٌ لِأَنَّ كُلًّا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الْوِتْرِ فَلَمْ تَخْتَلِفُ نِيَّتُهُمَا فَأُهْدِرَ اخْتِلَافُ الِاعْتِقَادِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَاعْتُبِرَ مُجَرَّدَ اتِّحَادِ النِّيَّةِ وَاسْتَشْكَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَا ذَكَرَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَيَجُوزُ عَكْسُهُ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ وِتْرُ الْحَنَفِيِّ اقْتِدَاءً بِوِتْرِ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الْوِتْرِ لِأَنَّهُ بِنِيَّتِهِ إيَّاهُ إنَّمَا نَوَى النَّفَلَ الَّذِي هُوَ الْوِتْرُ فَلَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَحِينَئِذٍ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْدُومِ فِي زَعْمِ الْمُقْتَدِي نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يَخْطِرْ بِخَاطِرِهِ عِنْدَ النِّيَّةِ صِفَةٌ مِنْ السُّنَّةِ أَوْ غَيْرِهَا بَلْ مُجَرَّدُ الْوِتْرِ يَنْتَفِي الْمَانِعُ فَيَجُوزُ لَكِنْ إطْلَاقُ مَسْأَلَةِ التَّجْنِيسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ بِخَاطِرِهِ نَفْلِيَّةٌ وَفَرْضِيَّةٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُتَقَرِّرُ فِي اعْتِقَادِهِ نَفْلِيَّتَهُ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ لِلْمُتَأَمِّلِ ا هـ .
وَحَاصِلُهُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْإِرْشَادِ وَتَضْعِيفُ تَصْحِيحِ الزَّيْلَعِيِّ
وَمَا فِي الْفَتَاوَى عَنْ ابْنِ الْفَضْلِ وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ وَالْوِتْرُ لَيْسَ بِفَرْضٍ قَطْعِيٍّ إنَّمَا هُوَ وَاجِبٌ ظَنِّيٌّ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَلَا يَلْزَمُ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْ فِي صِحَّتِهِ تَعْيِينُ وُجُوبِهِ بَلْ تَعْيِينُ كَوْنِهِ وِتْرًا بَلْ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ بِأَنَّهُ يَنْوِي صَلَاةَ الْوِتْرِ وَالْعِيدَيْنِ فَقَطْ وَصَرَّحَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي بِأَنَّهُ لَا يَنْوِي فِي الْوِتْرِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّافِعِيِّ فِي الْوِتْرِ إنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَعَدَمُهَا إنْ سَلَّمَ 43 وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَكِنْ إطْلَاقُ مَسْأَلَةِ التَّجْنِيسِ يَقْتَضِي إلَى آخِرِهِ غَفْلَةٌ عَمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّجْنِيسِ فِي بَابِ الْوِتْرِ مِنْهُ وَلَفْظُهُ إذَا اقْتَدَى فِي الْوِتْرِ بِمَنْ يَرَاهُ سُنَّةً وَهُوَ يَرَاهُ وَاجِبًا يَنْظُرُ إنْ كَانَ نَوَى الْوِتْرَ وَهُوَ يَرَاهُ سُنَّةً أَوْ تَطَوُّعًا جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ آخَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الرُّكُوعَ سُنَّةٌ أَوْ تَطَوُّعٌ وَإِنْ كَانَ افْتَتَحَ الْوِتْرَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ أَوْ بِنِيَّةِ السُّنِّيَّةِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرُّسْتُغْفَنِيُّ هَذَا وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْوِي أَنَّهُ وَاجِبٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ الْوُجُوبِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ وُجُوبَهُ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَنَفِيًّا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ كَانَ حَنَفِيًّا فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَنْوِيهِ لِيُطَابِقَ اعْتِقَادَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَلَا تَضُرُّهُ تِلْكَ النِّيَّةُ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ انْتِفَاءَ الْوَصْفِ لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْأَصْلِ فَيَبْقَى الْأَصْلُ وَهُوَ صَلَاةُ الْوِتْرِ هُنَا وَقَدْ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith