رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
page 44 · printed p. 69 · commentary
( قَوْلُهُ : وَعُلِمَ ) خَبَرٌ آخَرُ عَنْ قَوْلِهِ وَهَذَا : أَيْ وَهَذَا الْقَوْلُ عُلِمَ مِنْهُ : أَيْ دَلِيلُ عِلْمِهِ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إلَخْ ط . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعَلِمَهُ بِالضَّمِيرِ ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ .
( قَوْلُهُ : بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ ) أَيْ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ لَا مُطْلَقِ الِاخْتِلَافِ . مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ { ۝ اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ }
. ( قَوْلُهُ : مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ ) فَإِنَّ اخْتِلَافَ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَوْسِعَةٌ لِلنَّاسِ كَمَا فِي أَوَّلِ التَّتَارْخَانِيَّة ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ ، وَهُوَ { ۝ اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ } قَالَ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ : رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا بِلَفْظِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَالْعَمَلُ بِهِ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَةٌ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي ، إنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ ، فَأَيُّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ } وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُخْتَصَرِ بِلَفْظِ { ۝ اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ } وَقَالَ مُنْلَا عَلِيِّ الْقَارِي : إنَّ السُّيُوطِيّ قَالَ : أَخْرَجَهُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيَّ فِي الْحُجَّةِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الرِّسَالَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ بِغَيْرِ سَنَدٍ ، وَرَوَاهُ الْحَلِيمِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمْ ، وَلَعَلَّهُ خَرَجَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحُفَّاظِ الَّتِي لَمْ تَصِلْ إلَيْنَا . وَنَقَلَ السُّيُوطِيّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا ; لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةً . وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَكْتُبُ هَذِهِ الْكُتُبَ يَعْنِي مُؤَلَّفَاتِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَنُفَرِّقُهَا فِي آفَاقِ الْإِسْلَامِ لِنَحْمِلَ عَلَيْهَا الْأُمَّةَ ، قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ، كُلٌّ يَتْبَعُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ ، وَكُلُّهُمْ عَلَى هُدًى ، وَكُلٌّ يُرِيدُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَتَمَامُهُ فِي [ كَشْفِ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ ] لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ الْجِرَاحِيِّ .
( قَوْلُهُ : كَانَتْ الرَّحْمَةُ أَوْفَرَ ) أَيْ الْإِنْعَامُ أَزْيَدَ ط .
( قَوْلُهُ : لَمَا قَالُوا ) بِاللَّامِ : أَيْ لَمَا رَوَاهُ الْعُلَمَاءُ فِي شَأْنِ ذَلِكَ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَغَيْرُهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَافٌ مُعَلَّقَةٌ حَرَّفَهَا النُّسَّاخُ أَيْ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ رَسْمَ الْمُفْتِي مَقُولُ الْقَوْلِ وَمَحَطُّ التَّعْلِيلِ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْإِفْتَاءِ بِالْقَوْلَيْنِ الْمُصَحَّحَيْنِ ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رَحْمَةً وَتَوْسِعَةً ط . 69 مَطْلَبُ رَسْمِ الْمُفْتِي
. ( قَوْلُهُ : رَسْمُ الْمُفْتِي ) أَيْ الْعَلَامَةُ الَّتِي تَدُلُّ الْمُفْتِيَ عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ ، وَقَوْلُهُ أَنَّ إلَخْ خَبَرُهُ . قَالَ فِي [ فَتْحِ الْقَدِيرِ ] : وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا سُئِلَ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ كَالْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى ، بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامِ الْمُفْتِي لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي . وَطَرِيقُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ فِيهِ ، أَوْ يَأْخُذَهُ مِنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي نَحْوُ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ الْمَشْهُورِ انْتَهَى ط .
( قَوْلُهُ : فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ) اعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ أَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ أَشَرْت إلَيْهَا سَابِقًا مُلَخَّصَةً وَنَظَّمْتهَا :
الْأُولَى مَسَائِلُ الْأُصُولِ ، وَتُسَمَّى ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَيْضًا ، وَهِيَ مَسَائِلُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَصْحَابِ الْمَذْهَبِ ، وَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ زُفَرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ أَخَذَ عَنْ الْإِمَامِ ، لَكِنَّ الْغَالِبَ الشَّائِعَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ وَكُتُبُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، كُتُبُ مُحَمَّدٍ السِّتَّةُ الْمَبْسُوطُ وَالزِّيَادَاتُ وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَالسِّيَرُ الصَّغِيرُ وَالْجَامِعُ الْكَبِيرُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْ مُحَمَّدٍ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ عَنْهُ إمَّا مُتَوَاتِرَةً أَوْ مَشْهُورَةً عَنْهُ .
الثَّانِيَةُ مَسَائِلُ النَّوَادِرِ ، وَهِيَ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمَذْكُورِينَ لَكِنْ لَا فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ ، بَلْ إمَّا فِي كُتُبٍ أُخَرَ لِمُحَمَّدٍ كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات وَالرُّقَيَّاتِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُرْوَ عَنْ مُحَمَّدٍ بِرِوَايَاتٍ ظَاهِرَةٍ ثَابِتَةٍ صَحِيحَةٍ كَالْكُتُبِ الْأُولَى ، وَإِمَّا فِي كُتُبِ مُحَمَّدٍ كَالْمُحَرَّرِ لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا كُتُبُ الْأَمَالِي الْمَرْوِيَّةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ . وَالْأَمَالِي : جَمْعُ إمْلَاءٍ ، وَهُوَ مَا يَقُولُهُ الْعَالِمُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ وَيَكْتُبُهُ التَّلَامِذَةُ وَكَانَ ذَلِكَ عَادَةَ السَّلَفِ ، وَإِمَّا بِرِوَايَةٍ مُفْرَدَةٍ كَرِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ وَالْمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِمَا فِي مَسَائِلَ مُعَيَّنَةٍ .
الثَّالِثَةُ الْوَاقِعَاتُ ، وَهِيَ مَسَائِلُ اسْتَنْبَطَهَا الْمُجْتَهِدُونَ الْمُتَأَخِّرُونَ لَمَّا سُئِلُوا عَنْهَا وَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا رِوَايَةً ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابُ أَصْحَابِهِمَا ، وَهَلُمَّ جَرَّا ، وَهُمْ كَثِيرُونَ ، فَمِنْ أَصْحَابِهِمَا مِثْلُ عِصَامِ بْنِ يُوسُفَ وَابْنِ رُسْتُمَ وَمُحَمَّدِ بْنُ سِمَاعَةَ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الْجُرْجَانِيِّ وَأَبِي حَفْصٍ الْبُخَارِيِّ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ وَنُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى وَأَبِي النَّصْرِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ . وَقَدْ يَتَّفِقُ لَهُمْ أَنْ يُخَالِفُوا أَصْحَابَ الْمَذْهَبِ لِدَلَائِلَ وَأَسْبَابٍ ظَهَرَتْ لَهُمْ ، وَأَوَّلُ كِتَابِ جَمْعٍ فِي فَتْوَاهُمْ فِيمَا بَلَغَنَا كِتَابُ النَّوَازِلِ لِلْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ ، ثُمَّ جَمَعَ الْمَشَايِخُ بَعْدَهُ كُتُبًا أُخَرَ كَمَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَالْوَاقِعَاتِ لِلنَّاطِفِيِّ وَالْوَاقِعَاتِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مُخْتَلِطَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا ، وَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي كِتَابِ الْمُحِيطِ لِرَضِيِّ الدِّينِ السَّرَخْسِيِّ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَسَائِلَ الْأُصُولِ ثُمَّ النَّوَادِرَ ثُمَّ الْفَتَاوَى وَنِعْمَ مَا فَعَلَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ كُتُبِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ كِتَابُ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ ، وَهُوَ كِتَابٌ مُعْتَمَدٌ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ ، شَرَحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ بِمَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ . قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّرَسُوسِيُّ : 70 مَبْسُوطُ السَّرَخْسِيِّ لَا يُعْمَلُ بِمَا يُخَالِفُهُ ، وَلَا يُرْكَنُ إلَّا إلَيْهِ ، وَلَا يُفْتَى وَلَا يُعَوَّلُ إلَّا عَلَيْهِ ، وَمِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ أَيْضًا الْمُنْتَقَى لَهُ أَيْضًا إلَّا أَنَّ فِيهِ بَعْضَ النَّوَادِرِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ نُسَخَ الْمَبْسُوطِ الْمَرْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَأَظْهَرُهَا مَبْسُوطُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ . وَشَرَحَ الْمَبْسُوطَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِثْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بَكْرٌ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهُ وَيُسَمَّى الْمَبْسُوطَ الْكَبِيرَ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَمَبْسُوطَاتُهُمْ شُرُوحٌ فِي الْحَقِيقَةِ ذَكَرُوهَا مُخْتَلِطَةً بِمَبْسُوطِ مُحَمَّدٍ كَمَا فَعَلَ شُرَّاحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِثْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمْ ، فَيُقَالُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْمُرَادُ شَرْحُهُ وَكَذَا فِي غَيْرِهِ ا هـ مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَشَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ النَّابُلُسِيِّ عَلَى شَرْحِ الدُّرَرِ فَاحْفَظْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ كَحِفْظِ طَبَقَاتِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ ، وَسَنَذْكُرُهَا قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . مَطْلَبٌ فِي طَبَقَاتِ الْمَسَائِلِ وَكُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ الْبَحْرِ أَنَّ كَافِيَ الْحَاكِمِ هُوَ جَمْعُ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ السِّتَّةِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ، وَفَسَّرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْصَارِ الْأَصْلَ بِالْمَبْسُوطِ ، وَفِي بَابِ الْعِيدَيْنِ مِنْ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ أَنَّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ بَعْدَ الْأَصْلِ ، فَمَا فِيهِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ : سُمِّيَ الْأَصْلُ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ صُنِّفَ أَوَّلًا ، ثُمَّ الْجَامِعُ الصَّغِيرُ ، ثُمَّ الْكَبِيرُ ، ثُمَّ الزِّيَادَاتُ ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ . ا هـ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أَوَّلِ شَرْحِهِ عَلَى السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ السِّيَرَ الْكَبِيرَ هُوَ آخِرُ تَصْنِيفٍ صَنَّفَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْفِقْهِ .
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ الْحَلَبِيِّ فِي بَحْثِ التَّسْمِيعِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَرَأَ أَكْثَرَ الْكُتُبِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ إلَّا مَا كَانَ فِيهِ اسْمُ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ : كَالْمُضَارَبَةِ الْكَبِيرِ وَالْمُزَارَعَةِ الْكَبِيرِ وَالْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالسِّيَرِ الْكَبِيرِ ، وَتَمَامُ هَذِهِ الْأَبْحَاثِ فِي مَنْظُومَتِنَا فِي رَسْمِ الْمُفْتِي وَفِي شَرْحِهَا . [ تَتِمَّةٌ ]
قَدَّمْنَا عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ كَيْفِيَّةَ الْإِفْتَاءِ مِمَّا فِي الْكُتُبِ ، فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِمَّا فِي الْكُتُبِ الْغَرِيبَةِ . وَفِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِشَيْخِنَا الْمُحَقِّقِ هِبَةِ اللَّهِ الْبَعْلِيِّ ، قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْجُنَيْنِيُّ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُخْتَصَرَةِ كَالنَّهْرِ وَشَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ وَالدُّرِّ الْمُحْتَارِ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ ، أَوْ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِ مُؤَلِّفِيهَا كَشَرْحِ الْكَنْزِ لِمُنْلَا مِسْكِينٍ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ ، أَوْ لِنَقْلِ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ فِيهَا كَالْقُنْيَةِ لِلزَّاهِدِيِّ ، فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِنْ هَذِهِ إلَّا إذَا عَلِمَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ وَأَخْذَهُ مِنْهُ ، هَكَذَا سَمِعْته مِنْهُ وَهُوَ عَلَّامَةٌ فِي الْفِقْهِ مَشْهُورٌ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ . ا هـ .
أَقُولُ : وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ بِهَا ، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الْإِيجَازِ فِي التَّعْبِيرِ مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ إلَّا بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَأْخَذِهِ ، بَلْ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ الْإِيجَازُ الْمُخِلُّ ، يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ مَارَسَ مُطَالَعَتَهَا مَعَ الْحَوَاشِي فَلَا يَأْمَنُ الْمُفْتِي مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْغَلَطِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَاجَعَةِ مَا كُتِبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحَوَاشِي أَوْ غَيْرِهَا . وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ الْأَزْهَرِيِّ عَلَى شَرْحِ مُنْلَا مِسْكِينٍ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ وَلَا عَلَى فَتَاوَى الطُّورِيِّ . مَطْلَبُ إذَا تَعَارَضَ التَّصْحِيحُ
. ( قَوْلُهُ : وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ ) أَقُولُ : عِبَارَتُهَا ثُمَّ الْفَتْوَى عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، ثُمَّ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ قَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ . وَقِيلَ إذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَانِبٍ وَصَاحِبَاهُ فِي جَانِبٍ فَالْمُفْتِي بِالْخِيَارِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُفْتِي مُجْتَهِدًا ا هـ فَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : بِقَوْلِ الْإِمَامِ ) 71 قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ لِأَنَّهُ رَأَى الصَّحَابَةَ وَزَاحَمَ التَّابِعِينَ فِي الْفَتْوَى ، فَقَوْلُهُ أَشَدُّ وَأَقْوَى مَا لَمْ يَكُنْ اخْتِلَافَ عَصْرٍ وَزَمَانٍ كَذَا فِي تَصْحِيحِ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ .
( قَوْلُهُ : عَلَى الْإِطْلَاقِ ) أَيْ سَوَاءٌ انْفَرَدَ وَحْدَهُ فِي جَانِبٍ أَوْ لَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ السِّرَاجِيَّةِ مِنْ مُقَابَلَتِهِ بِالْقَوْلِ الثَّانِي الْمُفَصَّلِ فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ : ثُمَّ بِقَوْلِ الثَّانِي ) أَيْ ثُمَّ إذَا لَمْ يُوجَدْ لِلْإِمَامِ رِوَايَةٌ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَبُو يُوسُفَ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ رِوَايَةٌ أَيْضًا فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ الثَّالِثِ وَهُوَ مُحَمَّدٌ إلَخْ .
( قَوْلُهُ : وَصَحَّحَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ قُوَّةَ الْمُدْرِكِ ) أَيْ الدَّلِيلَ وَبِهِ عَبَّرَ فِي الْحَاوِي . قَالَ ح : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي التَّوْفِيقِ أَيْ بَيْنَ مَا فِي الْحَاوِي وَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ إدْرَاكٍ لِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ يُفْتِي بِالْقَوْلِ الْقَوِيِّ الْمُدْرَكِ وَإِلَّا فَالتَّرْتِيبُ . ا هـ .
أَقُولُ : يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ السِّرَاجِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُفْتِي مُجْتَهِدًا ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَعْنِي مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ يَتْبَعُ مِنْ الْأَقْوَالِ مَا كَانَ دَلِيلًا وَإِلَّا فَاتَّبَعَ التَّرْتِيبَ السَّابِقَ ، وَمِنْ هَذَا تَرَاهُمْ قَدْ يُرَجِّحُونَ قَوْلَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا رَجَّحُوا قَوْلَ زُفَرَ وَحْدَهُ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً ، فَنَتْبَعُ مَا رَجَّحُوهُ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ رِوَايَةٌ أَصْلًا ، فَفِي الْأَوَّلِ يُؤْخَذُ بِأَقْوَاهَا حُجَّةً كَمَا فِي الْحَاوِي ، ثُمَّ قَالَ : وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْحَادِثَةِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَوَابٌ ظَاهِرٌ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ قَوْلًا وَاحِدًا يُؤْخَذُ بِهِ ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ثُمَّ الْأَكْثَرِينَ مِمَّا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْكِبَارُ الْمَعْرُوفُونَ مِنْهُمْ كَأَبِي حَفْصٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي اللَّيْثِ وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ جَوَابٌ أَلْبَتَّةَ نَصًّا يَنْظُرُ الْمُفْتِي فِيهَا نَظَرَ تَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ وَاجْتِهَادٍ لِيَجِدَ فِيهَا مَا يُقَرِّبُ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا جُزَافًا ، وَيَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى وَيُرَاقِبُهُ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَتَجَاسَرُ عَلَيْهِ إلَّا كُلُّ جَاهِلٍ شَقِيٍّ . ا هـ . [ تَتِمَّةٌ ]
قَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فِي الْعِبَادَاتِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْوَاقِعُ بِالِاسْتِقْرَاءِ ، مَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ رِوَايَةٌ كَقَوْلِ الْمُخَالِفِ كَمَا فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالتَّيَمُّمِ فَقَطْ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِ نَبِيذِ التَّمْرِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ لِلْحَلَبِيِّ فِي بَحْثِ التَّيَمُّمِ .
وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ ذَوِي الْأَرْحَامِ . وَفِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ : الْفَتْوَى : عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ ا هـ أَيْ لِحُصُولِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ لَهُ بِهِ بِالتَّجْرِبَةِ ، وَلِذَا رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ لَمَّا حَجَّ وَعَرَفَ مَشَقَّتَهُ . وَفِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا فِي الشَّهَادَاتِ . وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً حَرَّرْتهَا فِي رِسَالَةٍ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ أَهْلِ الْمُتُونِ لِلتَّصْحِيحِ ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ بِمَا فِي الْمُتُونِ كَمَا لَا يَخْفَى ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مُتَوَاتِرَةً ا هـ : وَإِذَا كَانَ فِي مَسْأَلَةٍ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ فَالْعَمَلُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ إلَّا فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ مَشْهُورَةٍ .
وَفِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْ الْبَحْرِ : الْمَسْأَلَةُ إذَا لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا . ا هـ . وَفِي آخِرِ الْمُسْتَصْفَى لِلْإِمَامِ النَّسَفِيِّ : إذَا ذُكِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ أَقْوَالٍ فَالرَّاجِحُ هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ الْأَخِيرُ لَا الْوَسَطُ . ا هـ . وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الدِّرَايَةِ إذَا وَافَقَتْهَا رِوَايَةٌ . ا هـ . ذَكَرَهُ فِي وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فِي مَعْرِضِ تَرْجِيحِ رِوَايَةِ وُجُوبِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِلْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ مَعَ أَنَّهَا خِلَافُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ الْإِمَامِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith