نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج · الجزء الثالث
بَابُ الرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْقَصْرِ وَبِفَتْحِهَا وَالْمَدِّ وَأَلِفُهُ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ وَيُكْتَبُ بِهِمَا وَبِالْيَاءِ ، وَهُوَ لُغَةً : الزِّيَادَةُ ، قَالَ تَعَالَى 424 { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } أَيْ نَمَتْ وَزَادَتْ . وَشَرْعًا : عَقْدٌ عَلَى عِوَضٍ مَخْصُوصٍ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّمَاثُلِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ حَالَةَ الْعَقْدِ أَوْ مَعَ تَأْخِيرٍ فِي الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَمْ يَحِلَّ فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ ، وَلَمْ يُؤْذِنْ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَاصِيًا بِالْحَرْبِ سِوَى آكِلِهِ ، وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى سُوءِ الْخَاتِمَةِ كَإِيذَاءِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ صَحَّ فِيهَا الْإِيذَانُ بِذَلِكَ وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ هُنَا أَنَّهُ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، لَكِنْ أَفْتَى الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِهِ وَتَحْرِيمُهُ تَعَبُّدِيٌّ وَمَا أَبْدَى لَهُ إنَّمَا يَصْلُحُ حِكْمَةً لَا عِلَّةً . وَهُوَ إمَّا رِبَا فَضْلٍ بِأَنْ يَزِيدَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ وَمِنْهُ رِبَا الْقَرْضِ بِأَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ مَا فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُقْرِضِ غَيْرَ نَحْوِ الرَّهْنِ ، أَوْ رِبَا يَدٍ بِأَنْ يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا مَجْلِسَ الْعَقْدِ قَبْلَ التَّقَابُضِ ، أَوْ رِبَا نَسَاءٍ بِأَنْ يُشْرَطَ أَجَلٌ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَكُلُّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا ، وَالْقَصْدُ بِهَذَا الْبَابِ بَيَانُ مَا يُعْتَبَرُ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ ، ثُمَّ الْعِوَضَانِ إنْ اتَّفَقَا جِنْسًا اُشْتُرِطَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ، أَوْ عِلَّةً وَهِيَ الطُّعْمُ وَالنَّقْدِيَّةُ اُشْتُرِطَ شَرْطَانِ ، وَإِلَّا كَبَيْعِ طَعَامٍ بِنَقْدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ بِحَيَوَانٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُشْتَرَطْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ ( إذَا ) ( بِيعَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ ) أَوْ النَّقْدُ بِالنَّقْدِ كَمَا سَيَأْتِي ( إنْ كَانَا ) أَيْ الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ( جِنْسًا ) وَاحِدًا بِأَنْ جَمَعَهُمَا اسْمٌ خَاصٌّ مِنْ أَوَّلِ دُخُولِهِمَا فِي الرِّبَا وَاشْتَرَكَا 425 فِيهِ اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا كَتَمْرٍ بَرْنِيِّ وَمَعْقِلِيٍّ ، وَخَرَجَ بِالْخَاصِّ الْعَامُّ كَالْحَبِّ وَبِمَا بَعْدَهُ الْأَدِقَّةُ فَإِنَّهَا دَخَلَتْ فِي الرِّبَا قَبْلَ طُرُوُّ هَذَا الِاسْمِ لَهَا فَكَانَتْ أَجْنَاسًا كَأُصُولِهَا ، وَبِالْأَخِيرِ الْبِطِّيخُ الْهِنْدِيُّ وَالْأَصْفَرُ فَإِنَّهُمَا جِنْسَانِ كَالتَّمْرِ وَالْجَوْزِ الْهِنْدِيَّيْنِ مَعَ التَّمْرِ وَالْجَوْزِ الْمَعْرُوفَيْنِ ، إذْ إطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا لَيْسَ لِقَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا : أَيْ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ لِحَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، وَهَذَا الضَّابِطُ مَعَ أَنَّهُ أَوْلَى مَا قِيلَ مُنْتَقَضٌ بِاللُّحُومِ وَالْأَلْبَان لِصِدْقِهِ عَلَيْهَا مَعَ كَوْنِهَا أَجْنَاسًا كَأُصُولِهَا ( اُشْتُرِطَ الْحُلُولُ ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ لِاشْتِرَاطِ الْقَابِضَةِ فِي الْخَبَرِ وَمِنْ لَازِمِهَا الْحُلُولُ غَالِبًا ، فَمَتَى اقْتَرَنَ بِأَحَدِهِمَا تَأْجِيلٌ وَإِنْ قَلَّ زَمَنُهُ وَحَلَّ قَبْلَ تُفَرِّقْهُمَا لَمْ يَصِحَّ ( وَالْمُمَاثَلَةُ ) مَعَ الْعِلْمِ بِهَا وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خِلَافٍ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ قَدْ انْقَرَضَ وَاسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ ( وَالتَّقَابُضُ ) يَعْنِي الْقَبْضَ الْحَقِيقِيَّ فَلَا تَكْفِي نَحْوُ حَوَالَةٍ وَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَيَكْفِي قَبْضُ الْوَكِيلِ فِيهِ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَهُمَا بِالْمَجْلِسِ ، 426 وَكَذَا قَبْضُ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ فِي الْمَجْلِسِ : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَارِثُ مَعَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكْرَهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي آخِرِ كَلَامٍ لَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعَاقِدُ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فَقَبَضَ سَيِّدُهُ أَوْ وَكِيلًا فَقَبْضُ مُوَكِّلِهِ لَا يَكْفِي ( قَبْلَ التَّفَرُّقِ ) وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا كَفَى الِاسْتِقْلَالُ بِقَبْضِهِ وَلَوْ قَبَضَا الْبَعْضَ صَحَّ فِيهِ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ ( أَوْ جِنْسَيْنِ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ جَازَ التَّفَاضُلُ ) بَيْنَهُمَا ( وَاشْتُرِطَ الْحُلُولُ ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا مَرَّ ( وَالتَّقَابُضُ ) يَعْنِي الْقَبْضَ كَمَا تَقَرَّرَ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ 427 شِئْتُمْ إنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ } أَيْ مُقَابَضَةً وَمِنْ لَازِمِهَا الْحُلُولُ كَمَا مَرَّ ، وَمَا اقْتَضَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُقَابَضَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعِلَّةُ أَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ غَيْرَ رِبَوِيٍّ فَغَيْرُ مُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ ، وَالْأَوَّلَانِ شَرْطَانِ لِلصِّحَّةِ ابْتِدَاءً وَالتَّقَابُضُ شَرْطٌ لَهَا دَوَامًا وَمِنْ ثَمَّ ثَبَتَ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ بِالتَّفَرُّقِ إذَا وَقَعَ بِالِاخْتِيَارِ فَلَا أَثَرَ لَهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ تَفَرُّقَهُمَا حِينَئِذٍ كَالْعَدَمِ ، خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ ، وَالتَّخَايُرُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهُوَ إلْزَامُ الْعَقْدِ كَالتَّفَرُّقِ فِي الْبُطْلَانِ هُنَا وَإِنْ حَصَلَ الْقَبْضُ بَعْدَهُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا صَحَّحَاهُ هُنَا ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْ أَنَّهُمَا لَوْ تَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَبْطُلْ ضَعِيفٌ ، إذْ هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَهُوَ لَا يَرَى أَنَّ التَّخَايُرَ بِمَنْزِلَةِ التَّفَرُّقِ ، وَمَا جَمَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَضْعِيفٌ لِكَلَامِهِمَا هُنَا ; وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ غَيْرِهِ نِصْفًا شَائِعًا مِنْ دِينَارٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ صَحَّ ، وَيُسَلِّمُهُ الْبَائِعُ لَهُ لِيَقْبِضَ النِّصْفَ وَيَكُونُ نِصْفُهُ الثَّانِي أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِهِ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً فَوُجِدَتْ زَائِدَةَ الْوَزْنِ ضَمِنَ الزَّائِدَ الْمُعْطِي ; لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ ، فَإِنْ أَقْرَضَهُ الْبَائِعُ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ تِلْكَ الْخَمْسَةَ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهَا مِنْهُ فَاشْتَرَى بِهَا النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ الدِّينَارِ جَازَ كَغَيْرِهَا ، وَإِنْ اشْتَرَى كُلَّ الدِّينَارِ مِنْ غَيْرِهِ بِعَشَرَةٍ وَسَلَّمَهُ مِنْهَا خَمْسَةً ثُمَّ اسْتَقْرَضَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ عَنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ مَعَ الْعَاقِدِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إجَازَةٌ وَهِيَ مُبْطِلَةٌ كَمَا مَرَّ ، فَكَأَنَّهُمَا 428 تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ . وَلَا يُقَالُ : تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فِيمَا قَبَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ ، أَمَّا مَعَ الْعَاقِدِ فَصَحِيحٌ ، وَعَلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ إثْمُ تَعَاطِي عَقْدِ الرِّبَا إنْ تَفَرَّقَا عَنْ تَرَاضٍ ، فَإِنْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا أَثِمَ فَقَطْ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث