منح الجليل شرح مختصر خليل
منح الجليل شرح مختصر خليل · الجزء الثامن
( وَجَازَ ) لِمَنْ تَحَمَّلَ شَهَادَةً عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ ( الْأَدَاءُ ) لِلشَّاهِدَةِ عَلَيْهِ ( إنْ حَصَلَ ) لِلشَّاهِدِ ( الْعِلْمُ ) بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ الْيَقِينِيِّ الَّذِي لَا شَكَّ مَعَهُ بِتَعْرِيفِ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ لَفِيفٍ مِنْ النَّاسِ ، بَلْ ( وَإِنْ ) حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ ( بِ ) تَعْرِيفِ ( امْرَأَةٍ ) وَاحِدَةٍ ، ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُ عَنْ الْغُبْرِينِيُّ قَبُولَ تَعْرِيفِ الصَّغِيرِ وَالْأَمَةِ يَسْأَلُهُمَا عَنْ غَفْلَةٍ وَيَتْرُكُ تَعْرِيفَ الْمَقْصُودِ ( لَا بِ ) شَهَادَةِ ( شَاهِدَيْنِ ) عَدْلَيْنِ أَنَّهَا فُلَانَةُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا فُلَانَةُ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَلَا يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا ( إلَّا نَقْلًا ) عَنْهُمَا بِأَنْ يَقُولَا لَهُ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِنَا أَنَّهَا فُلَانَةُ .
طفى قَوْلُهُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ أَنْت بِغَيْرِ رِيبَةٍ ، كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، أَيْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّهَادَةِ ، بَلْ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ أَوْ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدَةٍ ، وَاحْتُرِزَ عَمَّا إذَا كَانَ بِالْبَيِّنَةِ أَيْ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ لَا بِشَاهِدَيْنِ ، أَيْ أَتَى بِهِمَا الْمَشْهُودُ لَهُ يَشْهَدَانِ بِتَعْرِيفِهَا ، وَلِذَا عَبَّرَ بِالشَّاهِدَيْنِ وَإِلَّا لَقَالَ لَا بِرَجُلَيْنِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أَقُولُهُ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَتَاهُ بِالشَّاهِدَيْنِ لِيَشْهَدَا لَهُ عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا بِأَنَّهَا فُلَانَةُ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ هُوَ سَأَلَ الشَّاهِدَيْنِ فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهَا ، وَكَذَا لَوْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلًا وَاحِدًا يَثِقُ بِهِ أَوْ امْرَأَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ ، وَلَوْ أَتَاهُ الْمَشْهُودُ لَهُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ لَفِيفِ النَّاسِ فَيَشْهَدُونَ عِنْدَهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إذَا وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِشَهَادَتَيْنِ ا هـ . فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَسْأَلَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ ، وَبَيْنَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ 474 لَا يَقْبَلُ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ ، وَيَكْتَفِي بِهِ فِي التَّعْرِيفِ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّقْلِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِهِ كَاللَّفِيفِ مِنْ النَّاسِ ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ اقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ عَرَفَةَ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ أَيْ وَكَانَ عَلَى وَجْهِ الْخَيْرِ ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الثِّقَةُ بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ
وَقَوْلُهُ لَا بِشَاهِدَيْنِ أَيْ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِهِمْ الْعِلْمُ بِأَنْ بَلَغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ ، هَذَا هُوَ الْمُتَحَصِّلُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ غَيْرَهُ ، وَنَحْوُ عِبَارَتِهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ تَحْتَفُّ بِهِ قَرِينَةٌ فَيُفِيدُ الْعِلْمَ إلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ ، وَلِذَا قُبِلَ الْوَاحِدُ . وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ لِابْنِ رُشْدٍ إلَّا أَنَّهُمَا أَجْمَلَا وَالْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مُفَصَّلٍ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ دُعِيَ لِيَشْهَدَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَيَشْهَدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا . وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَشْهَدُ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ فِيمَنْ دُعِيَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى امْرَأَةٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا إنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا . ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا بَاطِلٌ ، وَلَا يَشْهَدُ إلَّا وَهُوَ يَعْرِفُهَا بِتَعْرِيفِهِمَا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ الْبَاطِلُ ، وَكَيْفَ يُعْرَفُ النِّسَاءُ إلَّا بِمِثْلِ هَذَا ا هـ .
وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ ، فَيَكُونُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وِفَاقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الشَّامِلِ مُخَالِفًا لِلْقَوْلَيْنِ ، فَقَالَ وَلَوْ عَرَفَهَا شَاهِدَانِ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا إنْ تَعَذَّرَ ، أَوْ قِيلَ يَشْهَدُ وَالْمُخْتَارُ إنْ سَأَلَهُمَا الشَّاهِدُ عَنْهَا فَأَخْبَرَاهُ فَلْيَشْهَدْ لَا إنْ أَحْضَرَهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ لِيُخْبِرَاهُ ا هـ . الْبُنَانِيُّ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَقَوْلِهِ قَبْلُ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ ; لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَحَلُّهُ إذْ لَمْ تَحْصُلْ مَعْرِفَةٌ وَلَا تَعْرِيفٌ ، وَهَذَا مَعْنَى مَنْ لَا يَعْرِفُ ، وَقَرَّرَ ابْنُ رَحَّالٍ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ مَعْنَاهُ وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالتَّعْرِيفِ وَإِنْ 475 بِتَعْرِيفِ امْرَأَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ بِحُصُولِ الْعِلْمِ بِسَبَبِ تَعْرِيفِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْهِمَا مَعَ حُصُولِ الْعِلْمِ فَأَحْرَى مَعَ عَدَمِهِ . قَالَ وَأَمَّا تَقْرِيرُ الشَّارِحِ وتت وعج وَابْنِ مَرْزُوقٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوحِهِ قَوْلُهُ لَا بِشَاهِدَيْنِ بِعَدَمِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِمَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ كَلَامِ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمَا فِي التَّعْرِيفِ مُطْلَقًا ، حَصَلَ عِلْمٌ بِهِمَا أَمْ لَا ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخُصُوصِهِ لِمُرُورِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فَيَصِحُّ كَلَامُ الشَّارِحِ وَمَنْ تَبِعَهُ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلُ الْجَدْوَى ، إذْ لَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ لَقَالَ بَدَلَ لَا بِشَاهِدَيْنِ لَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ عِلْمٌ .
فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْمَنْعِ مَعَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ ، قُلْت ; لِأَنَّ تَوَقُّفَ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ عَرَفَا صِحَّةَ شَهَادَتِهِمَا وَحُضُورَهُمَا فِيهِ تُهْمَةٌ وَرِيبَةٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَبُو الْحَسَنِ صَاحِبُ الْفَائِقِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ تَفْصِيلَ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ ا هـ . الْبُنَانِيُّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مُطْلَقًا ، وَلَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِمَا وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُقْتَضَى مَنْ جَعَلَ مَا لِابْنِ رُشْدٍ ثَالِثًا وَالظَّاهِرُ قَوْلُ طفى يُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ ، فَيَكُونُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وِفَاقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ ا هـ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ . أَقُولُ وَتَوْجِيهُ ابْنِ رَحَّالٍ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ مُتَنَاقِضٌ ، فَإِنَّ تُهْمَةَ الشَّاهِدَيْنِ وَالرِّيبَةَ فِي شَهَادَتِهِمَا بِتَوَقُّفِهِمَا عَنْهَا تَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَحَاشَا الْإِمَامُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِتَعْرِيفِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ الشَّاهِدَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ ، وَإِنْ 476 حَصَلَ الْعِلْمُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
طفى قَوْلُهُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ أَنْت بِغَيْرِ رِيبَةٍ ، كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، أَيْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الشَّهَادَةِ ، بَلْ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنْ اثْنَيْنِ ذَوَيْ عَدْلٍ أَوْ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدَةٍ ، وَاحْتُرِزَ عَمَّا إذَا كَانَ بِالْبَيِّنَةِ أَيْ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ لَا بِشَاهِدَيْنِ ، أَيْ أَتَى بِهِمَا الْمَشْهُودُ لَهُ يَشْهَدَانِ بِتَعْرِيفِهَا ، وَلِذَا عَبَّرَ بِالشَّاهِدَيْنِ وَإِلَّا لَقَالَ لَا بِرَجُلَيْنِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أَقُولُهُ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَتَاهُ بِالشَّاهِدَيْنِ لِيَشْهَدَا لَهُ عَلَيْهَا بِشَهَادَتِهِمَا بِأَنَّهَا فُلَانَةُ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ هُوَ سَأَلَ الشَّاهِدَيْنِ فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهَا ، وَكَذَا لَوْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلًا وَاحِدًا يَثِقُ بِهِ أَوْ امْرَأَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ ، وَلَوْ أَتَاهُ الْمَشْهُودُ لَهُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ لَفِيفِ النَّاسِ فَيَشْهَدُونَ عِنْدَهُ أَنَّهَا فُلَانَةُ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إذَا وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِشَهَادَتَيْنِ ا هـ . فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَسْأَلَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ ، وَبَيْنَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ 474 لَا يَقْبَلُ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ ، وَيَكْتَفِي بِهِ فِي التَّعْرِيفِ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّقْلِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِهِ كَاللَّفِيفِ مِنْ النَّاسِ ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ اقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ عَرَفَةَ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ أَيْ وَكَانَ عَلَى وَجْهِ الْخَيْرِ ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الثِّقَةُ بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ
وَقَوْلُهُ لَا بِشَاهِدَيْنِ أَيْ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِهِمْ الْعِلْمُ بِأَنْ بَلَغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ ، هَذَا هُوَ الْمُتَحَصِّلُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ غَيْرَهُ ، وَنَحْوُ عِبَارَتِهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ تَحْتَفُّ بِهِ قَرِينَةٌ فَيُفِيدُ الْعِلْمَ إلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ ، وَلِذَا قُبِلَ الْوَاحِدُ . وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ لِابْنِ رُشْدٍ إلَّا أَنَّهُمَا أَجْمَلَا وَالْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مُفَصَّلٍ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ دُعِيَ لِيَشْهَدَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا وَيَشْهَدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا . وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَشْهَدُ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ فِيمَنْ دُعِيَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى امْرَأَةٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا إنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا . ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا بَاطِلٌ ، وَلَا يَشْهَدُ إلَّا وَهُوَ يَعْرِفُهَا بِتَعْرِيفِهِمَا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ الْبَاطِلُ ، وَكَيْفَ يُعْرَفُ النِّسَاءُ إلَّا بِمِثْلِ هَذَا ا هـ .
وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ ، فَيَكُونُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وِفَاقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الشَّامِلِ مُخَالِفًا لِلْقَوْلَيْنِ ، فَقَالَ وَلَوْ عَرَفَهَا شَاهِدَانِ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى شَهَادَتِهِمَا إنْ تَعَذَّرَ ، أَوْ قِيلَ يَشْهَدُ وَالْمُخْتَارُ إنْ سَأَلَهُمَا الشَّاهِدُ عَنْهَا فَأَخْبَرَاهُ فَلْيَشْهَدْ لَا إنْ أَحْضَرَهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ لِيُخْبِرَاهُ ا هـ . الْبُنَانِيُّ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَقَوْلِهِ قَبْلُ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ ; لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَحَلُّهُ إذْ لَمْ تَحْصُلْ مَعْرِفَةٌ وَلَا تَعْرِيفٌ ، وَهَذَا مَعْنَى مَنْ لَا يَعْرِفُ ، وَقَرَّرَ ابْنُ رَحَّالٍ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ مَعْنَاهُ وَجَازَ الْأَدَاءُ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالتَّعْرِيفِ وَإِنْ 475 بِتَعْرِيفِ امْرَأَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ بِحُصُولِ الْعِلْمِ بِسَبَبِ تَعْرِيفِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْهِمَا مَعَ حُصُولِ الْعِلْمِ فَأَحْرَى مَعَ عَدَمِهِ . قَالَ وَأَمَّا تَقْرِيرُ الشَّارِحِ وتت وعج وَابْنِ مَرْزُوقٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُرُوحِهِ قَوْلُهُ لَا بِشَاهِدَيْنِ بِعَدَمِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِمَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ كَلَامِ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمَا فِي التَّعْرِيفِ مُطْلَقًا ، حَصَلَ عِلْمٌ بِهِمَا أَمْ لَا ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخُصُوصِهِ لِمُرُورِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فَيَصِحُّ كَلَامُ الشَّارِحِ وَمَنْ تَبِعَهُ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلُ الْجَدْوَى ، إذْ لَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ لَقَالَ بَدَلَ لَا بِشَاهِدَيْنِ لَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ عِلْمٌ .
فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْمَنْعِ مَعَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ ، قُلْت ; لِأَنَّ تَوَقُّفَ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ عَرَفَا صِحَّةَ شَهَادَتِهِمَا وَحُضُورَهُمَا فِيهِ تُهْمَةٌ وَرِيبَةٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَبُو الْحَسَنِ صَاحِبُ الْفَائِقِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ تَفْصِيلَ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ ا هـ . الْبُنَانِيُّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مُطْلَقًا ، وَلَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِمَا وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُقْتَضَى مَنْ جَعَلَ مَا لِابْنِ رُشْدٍ ثَالِثًا وَالظَّاهِرُ قَوْلُ طفى يُمْكِنُ حَمْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ ، فَيَكُونُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وِفَاقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ ا هـ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ ، وَكَذَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ . أَقُولُ وَتَوْجِيهُ ابْنِ رَحَّالٍ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ مُتَنَاقِضٌ ، فَإِنَّ تُهْمَةَ الشَّاهِدَيْنِ وَالرِّيبَةَ فِي شَهَادَتِهِمَا بِتَوَقُّفِهِمَا عَنْهَا تَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَحَاشَا الْإِمَامُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ إنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِتَعْرِيفِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ الشَّاهِدَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ ، وَإِنْ 476 حَصَلَ الْعِلْمُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث