شرح منتهى الإرادات
شرح منتهى الإرادات · الجزء الأول
page 198 · printed p. 116
فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ أَيْ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ ( تَجْلِسُ ) أَيْ تَدَعُ نَحْوَ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَطَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ ( بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ دَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ . لِأَنَّ الْحَيْضَ جِبِلَّةٌ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْفَسَادِ . فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجِبْ لَهُ غُسْلٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا ، وَإِلَّا جَلَسَتْ ( أَقَلَّهُ ) يَوْمًا وَلَيْلَةً ( ثُمَّ تَغْتَسِلُ ) بَعْدَهُ ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ لِذَلِكَ أَوْ لَا ( وَتُصَلِّي ) وَتَصُومُ وَنَحْوَهُمَا . لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّهِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحَاضَةَ ، فَلَا تَتْرُكُ الْوَاجِبَ بِالشَّكِّ ، وَلَا تُصَلِّي قَبْلَ الْغُسْلِ ، لِوُجُوبِهِ لِلْحَيْضِ .
( فَإِذَا ) جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثُمَّ انْقَطَعَ ( وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ ) أَيْ الْحَيْضِ ، بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ ( اغْتَسَلَتْ أَيْضًا ) وُجُوبًا لِصَلَاحِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ( تَفْعَلُهُ ) أَيْ مَا ذُكِرَ وَهُوَ جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهِمَا وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ ( ثَلَاثًا ) أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ } وَهِيَ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ ، فَلَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِدُونِهَا ،
وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ ، كَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، وَكَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ ، وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ ( فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ ) حَيْضُهَا فِي الشُّهُورِ الثَّلَاثَةِ ( صَارَ عَادَةً تَنْتَقِلُ إلَيْهِ ) فَتَجْلِسُ جَمِيعَهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ ، لِتَيَقُّنِهِ حَيْضًا ( وَتُعِيدُ صَوْمَ فَرْضٍ ) كَرَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَنَذْرٍ ( وَنَحْوَهُ ) كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ إذَا ( وَقَعَ ) ذَلِكَ ( فِيهِ ) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهُ ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَيْضِ .
وَإِنْ اخْتَلَفَ ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثَةٌ ، فَحَيْضٌ مُرَتَّبًا كَانَ ، كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ ، وَسِتَّةٍ فِي ثَانٍ ، وَسَبْعَةٍ فِي ثَالِثٍ ، أَوْ غَيْرِ مُرَتَّبٍ . و ( لَا ) تُعِيدُ ذَلِكَ ( إنْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ ) ثَلَاثًا ( أَوْ لَمْ يَعُدْ ) الدَّمُ إلَيْهَا إلَّا بِأَنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ حَيْضًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا ( وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا ) وَالدَّمُ بَاقٍ ، وَلَوْ بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ( قَبْلَ تَكْرَارِهِ ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ ، وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ احْتِيَاطًا ، فَيَجِبُ أَيْضًا تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا .
( وَلَا يُكْرَهُ ) وَطْؤُهَا ( إنْ طَهُرَتْ ) فِي أَثْنَائِهِ ( يَوْمًا 116 فَأَكْثَرَ ) بَعْدَ غُسْلِهَا ; لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ ، وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَمَفْهُومُهُ : يُكْرَهُ إنْ كَانَ دُونَ يَوْمٍ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا سَبَقَ لِأَنَّهُ فِي الْمُعْتَادَةِ ، وَهَذَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ . وَظَاهِرُ الْإِقْنَاعِ : لَا فَرْقَ ( وَإِنْ جَاوَزَهُ ) أَيْ جَاوَزَ دَمُ مُبْتَدَأَةٍ أَكْثَرَ حِيَضٍ ( فَ ) هِيَ ( مُسْتَحَاضَةٌ ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَالِاسْتِحَاضَةُ : سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ مِنْ عِرْقٍ ، يُقَالُ لَهُ : الْعَاذِلُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ .
وَقِيلَ : بِالْمُهْمَلَةِ ، حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ وَالْعَاذِرُ لُغَةٌ فِيهِ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ ، دُونَ قَعْرِهِ ، إذْ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ : دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ . وَخَارِجٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْيَتَيْنِ ، مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ . وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَالدَّمُ الْفَاسِدُ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ ، ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ بِمَعْنَاهُ . ثُمَّ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَيَّزَةً وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ : ( فَمَا بَعْضُهُ ) أَيْ بَعْضُ دَمِهَا ( ثَخِينٌ ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ ( أَوْ ) بَعْضُهُ ( أَسْوَدُ ) وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ ( أَوْ ) بَعْضُهُ ( مُنْتِنٌ ) وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُنْتِنٍ .
( وَصَلُحَ ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا أَيْ الثَّخِينُ أَوْ الْأَسْوَدُ أَوْ الْمُنْتِنُ ( حَيْضًا ) بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ ( تَجْلِسُهُ ) أَيْ تَدَعُ زَمَنَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَنَحْوَهُمَا ، مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ ، فَإِذَا مَضَى اغْتَسَلَتْ وَفَعَلَتْ ذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : { ۝ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ . يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُسْتَحَاضُ ، فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ . فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد { ۝ إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ } فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ ، إنَّهَا وَاَللَّهِ إنْ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ أَيَّامِ مَحِيضِهَا إلَّا كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ " وَحَيْثُ صَلُحَ ذَلِكَ جَلَسَتْهُ .
( وَلَوْ لَمْ يَتَوَالَ ) بِأَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ وَيَوْمًا دَمًا أَحْمَرَ ، إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونُ ، ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ ، فَتَضُمُّ الْأَسْوَدَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَتَجْلِسُهُ ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَسِتَّةً أَحْمَرَ ، فَتَجْلِسُ الثَّلَاثَةَ فِي زَمَنِ الْأَسْوَدِ ( أَوْ ) لَمْ ( يَتَكَرَّرْ ) فَتَجْلِسُ زَمَنَ الْأَسْوَدِ الصَّالِحِ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَمَا بَعْدَهُ ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْرَارِهِ وَتَجْلِسُهُ أَيْضًا وَلَوْ انْتَفَى التَّوَالِي وَالتَّكْرَارُ مَعًا لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَمَارَةٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا تَحْتَاجُ ضَمَّ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَةَ 117 أَشْهُرٍ ، فَتَجْلِسُهُ فِي الرَّابِعِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا .
الْحَالُ الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ دَمِهَا ثَخِينًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ مُنْتِنًا ، وَصَلُحَ حَيْضًا بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ الْأَسْوَدُ مِنْهُ وَنَحْوُهُ دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، أَوْ جَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ( فَ ) تَجْلِسُ ( أَقَلَّ الْحَيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ( حَتَّى يَتَكَرَّرَ ) دَمُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
( فَتَجْلِسُ ) إذَا تَكَرَّرَ ( مِنْ ) مِثْلِ ( أَوَّلِ وَقْتِ ابْتِدَائِهَا ) إنْ عَلِمَتْهُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِتَحَرٍّ ( أَوْ ) تَجْلِسُ مِنْ ( أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ إنْ جَهِلَتْهُ ) أَيْ وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ ( سِتًّا أَوْ سَبْعًا ) مِنْ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا ( بِتَحَرٍّ أَيْ بِاجْتِهَادٍ ) فِي حَالِ الدَّمِ ، وَعَادَةِ أَقَارِبِهَا مِنْ النِّسَاءِ ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، قَالَتْ : { ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَبِيرَةً قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ . فَقَالَ : تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ، ثُمَّ اغْتَسِلِي } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ . وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith