مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · الجزء الأول
( وُلِدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ) بِذِي الْمَرْوَةِ مَوْضِعٌ مِنْ مَسَاجِدِ تَبُوك عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرْدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي أَوَّلِ الْمَشَارِقِ : إنَّهُ مَدَنِيُّ الدَّارِ وَالْمَوْلِدِ وَالنَّشْأَةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّ ذَا الْمَرْوَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَدِينَةِ وَوُلِدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ ( وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ بِالْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَقَبْرُهُ بِهِ مَعْرُوفٌ وَعَلَيْهِ قُبَّةٌ وَإِلَى جَانِبِهِ قَبْرٌ لِنَافِعٍ قَالَ السَّخَاوِيُّ : أَمَّا نَافِعٌ الْقَارِي أَوْ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ طَوِيلًا جَسِيمًا عَظِيمَ الْهَامَةِ أَصْلَعَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ أَبْيَضَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ إلَى الصُّفْرَةِ حَسَنَ الصُّورَةِ أَشَمَّ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ تَامَّهَا تَبْلُغُ صَدْرَهُ ذَاتَ سَعَةٍ وَطُولٍ وَكَانَ يَأْخُذُ آطَارَ شَارِبِهِ وَلَا يَحْلِقُهُ وَيَرَى حَلْقَهُ مُثْلَةً وَكَانَ يَتْرُكُ لَهُ سِبَالَيْنِ طَوِيلَيْنِ وَيَحْتَجُّ بِفَتْلِ عُمَرَ لِشَارِبِهِ إذَا أَهَمَّهُ أَمْرٌ وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ : كَانَ مَالِكٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْلَاهُمْ عَيْنًا وَأَنْقَاهُمْ بَيَاضًا وَأَتَمَّهُمْ طُولًا فِي جُودَةِ بَدَنٍ .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَيَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَالْجَنَائِزَ وَيَعُودُ الْمَرْضَى وَيَقْضِي الْحُقُوقَ وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ ثُمَّ تَرَكَ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ يُصَلِّي وَيَنْصَرِفُ ثُمَّ تَرَكَ عِيَادَةَ الْمَرْضَى وَشُهُودَ الْجَنَائِزِ فَكَانَ يَأْتِي أَصْحَابَهَا فَيُعَزِّيهِمْ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَلَمْ يَكُنْ يَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْجُمُعَةَ وَلَا يَأْتِي أَحَدًا يُعَزِّيهِ وَلَا يَقْضِي لَهُ حَقًّا فَاحْتَمَلَ النَّاسُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ رُبَّمَا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ : لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِعُذْرِهِ . وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمَدَارِكِ ثُمَّ تَرَكَ عِيَادَةَ الْمَرْضَى وَشُهُودَ الْجَنَائِزِ وَكَانَ أَصْحَابُهَا يَأْتُونَ إلَيْهِ فَيُعَزِّيهِمْ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ : فَاحْتَمَلَ النَّاسُ لَهُ كُلَّ ذَلِكَ وَكَانُوا أَرْغَبَ فِيهِ وَأَشَدَّ تَعْظِيمًا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ سُئِلَ عَنْ تَخَلُّفِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ سَبْعَ سِنِينَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الدُّنْيَا وَأَوَّلِهِ مِنْ الْآخِرَةِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِي سَلَسُ بَوْلٍ فَكَرِهْت أَنْ آتِيَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ عِلَّتِي فَأَشْكُوَ رَبِّي وَقِيلَ : كَانَ اعْتَرَاهُ فَتْقٌ مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي ضَرَبَهُ فَكَانَتْ الرِّيحُ تَخْرُجُ مِنْهُ ، فَقَالَ : إنِّي أُوذِيَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسَ ( وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ ضَرَبَهُ وَفِي سَبَبِ ضَرْبِهِ ) فَالْأَشْهَرُ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ فِي وِلَايَتِهِ الْأُولَى بِالْمَدِينَةِ .
وَأَمَّا سَبَبُهُ فَقِيلَ : إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ نَهَاهُ عَنْ حَدِيثِ { لَيْسَ عَلَى مُسْتَكْرَهٍ طَلَاقٌ } ثُمَّ دَسَّ إلَيْهِ مَنْ سَأَلَهُ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ ، وَقِيلَ : إنَّ الَّذِي نَهَاهُ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَقِيلَ : إنَّهُ سَعَى بِهِ إلَى جَعْفَرٍ وَقِيلَ لَهُ : إنَّهُ لَا يَرَى أَيْمَانَ بَيْعَتِكُمْ بِشَيْءٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ أَفْتَى عِنْدَ قِيَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ بِأَنَّ بَيْعَةَ أَبِي جَعْفَرٍ لَا تَلْزَمُ لِأَنَّهَا عَلَى الْإِكْرَاهِ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ إنَّمَا ضُرِبَ فِي تَقْدِيمِهِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ فَقِيلَ لِابْنِ بُكَيْرٍ : خَالَفْت أَصْحَابَك ، فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ مِنْ أَصْحَابِي ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَقِيلَ : فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ ضَرْبِهِ مِنْ ثَلَاثِينَ إلَى مِائَةٍ وَمُدَّتْ يَدَاهُ حَتَّى انْخَلَعَتْ كَتِفُهُ وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُطَالَ الْيَدَيْنِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا وَلَا أَنْ يُسَوِّيَ رِدَاءَهُ وَلَمَّا حَجَّ الْمَنْصُورُ أَقَادَهُ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَأَرْسَلَهُ لِيَقْتَصَّ مِنْهُ فَقَالَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ ، وَاَللَّهِ مَا اُرْتُفِعَ مِنْهَا 29 سَوْطٌ عَنْ جِسْمِي إلَّا وَأَنَا أَجْعَلُهُ فِي حِلٍّ مِنْ ذَاكَ الْوَقْتِ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقِيلَ : حُمِلَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، قَالَ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَعَلْت ضَارِبِي فِي حِلٍّ ثُمَّ قَالَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَدْ تَخَوَّفْت أَنْ أَمُوتَ أَمْسِ فَأَلْقَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْتَحِي مِنْهُ بِأَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ آلِهِ النَّارَ بِسَبَبِي فَمَا كَانَ إلَّا مُدَّةٌ حَتَّى غَضِبَ الْمَنْصُورُ عَلَى ضَارِبِهِ فَضَرَبَهُ وَنِيلَ مِنْهُ أَمْرٌ شَدِيدٌ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ حِينَ ضُرِبَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَكَانَ ضَرَبَهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ .
قَالَ مَالِكٌ : مَا كَانَ عَلَيَّ أَشَدَّ يَوْمَ ضُرِبْت مِنْ شَعْرٍ كَانَ فِي صَدْرِي وَكَانَ فِي إزَارِي خَرْقٌ ظَهَرَتْ مِنْهُ فَخِذِي فَجَعَلْت بِيَدَيَّ أَسْتَجْدِي الْإِزَارَ وَلَا أَتْرُكُ عَلَيَّ شَعْرًا وَكَانَ يَقُولُ : ضُرِبْت فِيمَا ضُرِبَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَيَذْكُرُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا أَغْبِطُ أَحَدًا لَمْ يُصِبْهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَذًى قَالَ الْإِبْيَانِيُّ : مَا زَالَ مَالِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ فِي رِفْعَةٍ مِنْ النَّاسِ وَإِعْظَامٍ حَتَّى كَأَنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْوَاطُ إلَّا حُلِيًّا حُلِّيَ بِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَةِ الْمُوَطَّإِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ إلَى مَالِكٍ يَحُضُّهُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَالْعَمَلِ وَتَرْكِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ : إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الْأَعْمَالَ كَمَا قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ فَرُبَّ رَجُلٍ فَتَحَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّوْمِ وَآخَرَ فَتَحَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّوْمِ وَآخَرَ فَتَحَ لَهُ فِي الْجِهَادِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَنَشْرُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَقَدْ رَضِيت بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لِي مِنْ ذَلِكَ وَمَا أَظُنُّ مَا أَنَا فِيهِ بِدُونِ مَا أَنْتَ فِيهِ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ كُلُّنَا عَلَى خَيْرٍ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَالسَّلَامُ ا هـ .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ طَوِيلًا جَسِيمًا عَظِيمَ الْهَامَةِ أَصْلَعَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ أَبْيَضَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ إلَى الصُّفْرَةِ حَسَنَ الصُّورَةِ أَشَمَّ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ تَامَّهَا تَبْلُغُ صَدْرَهُ ذَاتَ سَعَةٍ وَطُولٍ وَكَانَ يَأْخُذُ آطَارَ شَارِبِهِ وَلَا يَحْلِقُهُ وَيَرَى حَلْقَهُ مُثْلَةً وَكَانَ يَتْرُكُ لَهُ سِبَالَيْنِ طَوِيلَيْنِ وَيَحْتَجُّ بِفَتْلِ عُمَرَ لِشَارِبِهِ إذَا أَهَمَّهُ أَمْرٌ وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ : كَانَ مَالِكٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْلَاهُمْ عَيْنًا وَأَنْقَاهُمْ بَيَاضًا وَأَتَمَّهُمْ طُولًا فِي جُودَةِ بَدَنٍ .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَيَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَالْجَنَائِزَ وَيَعُودُ الْمَرْضَى وَيَقْضِي الْحُقُوقَ وَيُجِيبُ الدَّعْوَةَ ثُمَّ تَرَكَ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ يُصَلِّي وَيَنْصَرِفُ ثُمَّ تَرَكَ عِيَادَةَ الْمَرْضَى وَشُهُودَ الْجَنَائِزِ فَكَانَ يَأْتِي أَصْحَابَهَا فَيُعَزِّيهِمْ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَلَمْ يَكُنْ يَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْجُمُعَةَ وَلَا يَأْتِي أَحَدًا يُعَزِّيهِ وَلَا يَقْضِي لَهُ حَقًّا فَاحْتَمَلَ النَّاسُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ رُبَّمَا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ : لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِعُذْرِهِ . وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمَدَارِكِ ثُمَّ تَرَكَ عِيَادَةَ الْمَرْضَى وَشُهُودَ الْجَنَائِزِ وَكَانَ أَصْحَابُهَا يَأْتُونَ إلَيْهِ فَيُعَزِّيهِمْ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ : فَاحْتَمَلَ النَّاسُ لَهُ كُلَّ ذَلِكَ وَكَانُوا أَرْغَبَ فِيهِ وَأَشَدَّ تَعْظِيمًا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ سُئِلَ عَنْ تَخَلُّفِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَكَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ سَبْعَ سِنِينَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الدُّنْيَا وَأَوَّلِهِ مِنْ الْآخِرَةِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِي سَلَسُ بَوْلٍ فَكَرِهْت أَنْ آتِيَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ عِلَّتِي فَأَشْكُوَ رَبِّي وَقِيلَ : كَانَ اعْتَرَاهُ فَتْقٌ مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي ضَرَبَهُ فَكَانَتْ الرِّيحُ تَخْرُجُ مِنْهُ ، فَقَالَ : إنِّي أُوذِيَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسَ ( وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ ضَرَبَهُ وَفِي سَبَبِ ضَرْبِهِ ) فَالْأَشْهَرُ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ فِي وِلَايَتِهِ الْأُولَى بِالْمَدِينَةِ .
وَأَمَّا سَبَبُهُ فَقِيلَ : إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ نَهَاهُ عَنْ حَدِيثِ { لَيْسَ عَلَى مُسْتَكْرَهٍ طَلَاقٌ } ثُمَّ دَسَّ إلَيْهِ مَنْ سَأَلَهُ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ ، وَقِيلَ : إنَّ الَّذِي نَهَاهُ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَقِيلَ : إنَّهُ سَعَى بِهِ إلَى جَعْفَرٍ وَقِيلَ لَهُ : إنَّهُ لَا يَرَى أَيْمَانَ بَيْعَتِكُمْ بِشَيْءٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ أَفْتَى عِنْدَ قِيَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ بِأَنَّ بَيْعَةَ أَبِي جَعْفَرٍ لَا تَلْزَمُ لِأَنَّهَا عَلَى الْإِكْرَاهِ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ إنَّمَا ضُرِبَ فِي تَقْدِيمِهِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ فَقِيلَ لِابْنِ بُكَيْرٍ : خَالَفْت أَصْحَابَك ، فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ مِنْ أَصْحَابِي ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَقِيلَ : فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ ضَرْبِهِ مِنْ ثَلَاثِينَ إلَى مِائَةٍ وَمُدَّتْ يَدَاهُ حَتَّى انْخَلَعَتْ كَتِفُهُ وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُطَالَ الْيَدَيْنِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا وَلَا أَنْ يُسَوِّيَ رِدَاءَهُ وَلَمَّا حَجَّ الْمَنْصُورُ أَقَادَهُ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَأَرْسَلَهُ لِيَقْتَصَّ مِنْهُ فَقَالَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ ، وَاَللَّهِ مَا اُرْتُفِعَ مِنْهَا 29 سَوْطٌ عَنْ جِسْمِي إلَّا وَأَنَا أَجْعَلُهُ فِي حِلٍّ مِنْ ذَاكَ الْوَقْتِ لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقِيلَ : حُمِلَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، قَالَ : أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَعَلْت ضَارِبِي فِي حِلٍّ ثُمَّ قَالَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَدْ تَخَوَّفْت أَنْ أَمُوتَ أَمْسِ فَأَلْقَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْتَحِي مِنْهُ بِأَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ آلِهِ النَّارَ بِسَبَبِي فَمَا كَانَ إلَّا مُدَّةٌ حَتَّى غَضِبَ الْمَنْصُورُ عَلَى ضَارِبِهِ فَضَرَبَهُ وَنِيلَ مِنْهُ أَمْرٌ شَدِيدٌ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ حِينَ ضُرِبَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَكَانَ ضَرَبَهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ .
قَالَ مَالِكٌ : مَا كَانَ عَلَيَّ أَشَدَّ يَوْمَ ضُرِبْت مِنْ شَعْرٍ كَانَ فِي صَدْرِي وَكَانَ فِي إزَارِي خَرْقٌ ظَهَرَتْ مِنْهُ فَخِذِي فَجَعَلْت بِيَدَيَّ أَسْتَجْدِي الْإِزَارَ وَلَا أَتْرُكُ عَلَيَّ شَعْرًا وَكَانَ يَقُولُ : ضُرِبْت فِيمَا ضُرِبَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَرَبِيعَةُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَيَذْكُرُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا أَغْبِطُ أَحَدًا لَمْ يُصِبْهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَذًى قَالَ الْإِبْيَانِيُّ : مَا زَالَ مَالِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ فِي رِفْعَةٍ مِنْ النَّاسِ وَإِعْظَامٍ حَتَّى كَأَنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْوَاطُ إلَّا حُلِيًّا حُلِّيَ بِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَةِ الْمُوَطَّإِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ إلَى مَالِكٍ يَحُضُّهُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَالْعَمَلِ وَتَرْكِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ : إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ الْأَعْمَالَ كَمَا قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ فَرُبَّ رَجُلٍ فَتَحَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّوْمِ وَآخَرَ فَتَحَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّوْمِ وَآخَرَ فَتَحَ لَهُ فِي الْجِهَادِ وَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَنَشْرُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَقَدْ رَضِيت بِمَا فَتَحَ اللَّهُ لِي مِنْ ذَلِكَ وَمَا أَظُنُّ مَا أَنَا فِيهِ بِدُونِ مَا أَنْتَ فِيهِ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ كُلُّنَا عَلَى خَيْرٍ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَالسَّلَامُ ا هـ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith