المبسوط
المبسوط · الجزء الرابع والعشرون
الصفحة 8720 · ص. المطبوع 23
قُلْت : فَالْخَمْرُ يُطْرَحُ فِيهَا السَّمَكُ ، وَالْمِلْحُ ، فَيُصْنَعُ مُرَبَّى قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا تَحَوَّلَتْ عَنْ حَالِ الْخَمْرِ ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَخْلِيلَ الْخَمْرِ بِالْعِلَاجِ جَائِزٌ عِنْدَنَا ، وَيَحِلُّ تَنَاوُلُ الْخَلِّ بَعْدَ التَّخْلِيلِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ التَّخْلِيلُ حَرَامٌ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِي الْخَمْرِ مِنْ مِلْحٍ ، أَوْ خَلٍّ ، وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ الْخَلُّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالتَّخْلِيلُ مِنْ غَيْرِ إلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ بِالنَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ ، أَوْ إيقَادِ النَّارِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ لَا يَحِلُّ عِنْدَهُ أَيْضًا ، وَلَكِنْ إذَا تَخَلَّلَ ، فَلَهُ قَوْلَانِ فِي إبَاحَةِ تَنَاوُلِ ذَلِكَ الْخَلِّ ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { ۝ نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ الْخَمْرُ خَلًّا } ، وَفِي { ۝ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ خُمُورٌ لِيَتَامَى ، فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ مَاذَا أَصْنَعُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَرْقِهَا قَالَ : أَفَلَا أُخَلِّلُهَا قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا } ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْإِرَاقَةِ .
وَلَوْ كَانَ التَّخَلُّلُ جَائِزًا لَأَرْشَدَهُ إلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ فِي حَقِّ الْيَتَامَى ، فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ التَّخَلُّلِ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُرَخِّصَ فِيهِ فِي خُمُورِ الْيَتَامَى ، وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ التَّخْلِيلَ حَرَامٌ ، فَالْفِعْلُ الْمُحَرَّمُ شَرْعًا لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْحِلِّ كَذَبْحِ الشَّاةِ فِي غَيْرِ مَذْبَحِهَا ; وَلِأَنَّ الْخَمْرَ عَيْنٌ مُحَرَّمُ الِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَالتَّخْلِيلُ تَصَرُّفٌ فِيهَا عَلَى قَصْدِ التَّمَوُّلِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا كَالْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ ، وَكَمَا لَوْ أَلْقَى فِي الْخَمْرِ شَيْئًا حُلْوًا كَالسُّكَّرِ ، وَالْفَانِيذِ حَتَّى صَارَ حُلْوًا ، وَهَذَا ; لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْعَيْنِ تُوجِبُ الِاجْتِنَابَ ، وَفِي التَّخْلِيلِ اقْتِرَابٌ مِنْهُ ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْمَأْمُورِ بِهِ نَصًّا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { ، فَاجْتَنِبُوهُ } بِخِلَافِ الْخَمْرِ لِلْإِرَاقَةِ ، فَإِنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِنَابِ عَنْهُ ، ثُمَّ مَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ نَجِسٌ بِمُلَاقَاةِ الْخَمْرِ إيَّاهُ ، وَمَا يَكُونُ نَجِسًا فِي نَفْسِهِ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِي غَيْرِهِ ، وَعَلَى هَذَا الْحَرْفِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ مَا إذَا أُلْقِيَ فِيهِ شَيْءٌ ، وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُجْعَلْ فِيهِ شَيْءٌ ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ تَنْجِيسُ شَيْءٍ بِإِلْقَائِهِ فِيهِ ، وَلَا مُبَاشَرَةُ فِعْلٍ حَرَامٍ فِي الْخَمْرِ ، فَهُوَ نَظِيرُ الصَّيْدِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ بِنَفْسِهِ حَلَّ اصْطِيَادُهُ .
وَلَوْ أَخْرَجَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَحِلَّ ، وَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحَرَمِ وَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ بِمُبَاشَرَتِهِ فِعْلًا حَرَامًا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ بِنَفْسِهِ ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، فَإِذَا تَخَلَّلَتْ ، فَقَدْ تَحَوَّلَتْ بِطَبْعِهَا ، وَصَارَتْ فِي حُكْمِ شَيْءٍ آخَرَ ، فَأَمَّا التَّخْلِيلُ ، فَلَيْسَ بِتَقْلِيبٍ لِلْعَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعِبَادِ تَقْلِيبُ الطِّبَاعِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي إلَيْهِمْ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ، فَيَكُونُ هَذَا تَنْجِيسًا لِمَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ لَا تَقْلِيبًا لِطَبْعِ الْخَمْرِ ، وَهُوَ نَظِيرُ الشَّابِّ يَصِيرُ شَيْخًا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، وَبِتَكْلِيفِهِ لَا يَصِيرُ شَيْخًا ، فَإِذَا لَمْ يَتَبَدَّلْ طَبْعُهُ 23 بِهَذَا التَّخْلِيلِ بَقِيَ صِفَةُ الْخَمْرِيَّةِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطْهُرْ كَمَا إذَا أُلْقِيَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ ، فَإِنَّ نَجَاسَةَ الْجِلْدِ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الدُّسُومَاتِ النَّجِسَةِ ، وَالدَّبْغُ إزَالَةٌ لِتِلْكَ الدُّسُومَةِ ، وَإِلَى الْعِبَادِ الْفَصْلُ ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ ، فَكَانَ فِعْلُهُ إصْلَاحًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُمَيَّزُ بِهِ الطَّاهِرُ مِنْ النَّجِسِ ، فَأَمَّا نَجَاسَةُ الْخَمْرِ ، فَلِعَيْنِهَا لَا لِغَيْرٍ اتَّصَلَ بِهَا ، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ هَذِهِ الصِّفَةُ بِتَحَوُّلِهَا بِطَبْعِهَا ، وَلَا أَثَرَ لِلتَّخْلِيلِ فِي ذَلِكَ .
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { ۝ : أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ ، فَقَدْ طَهُرَ كَالْخَمْرِ يُخَلَّلُ ، فَيَحِلُّ } ، وَلَا يُقَالُ : قَدْ رُوِيَ كَالْخَمْرِ تُخَلَّلُ ، فَحَلَّ ; لِأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْخَبَرَيْنِ ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا ، ثُمَّ مَا رَوَيْنَاهُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَ دَبْغَ الْجِلْدِ بِهِ ، وَالدَّبْغُ يَكُونُ بِصُنْعِ الْعِبَادِ لَا بِطَبْعِهِ ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّخْلِيلُ الَّذِي يَكُونُ بِصُنْعِ الْعِبَادِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ : أَنَّ هَذَا صَلَاحٌ لِجَوْهَرٍ فَاسِدٍ ، فَيَكُونُ مِنْ الْحِكْمَةِ ، وَالشَّرْعِ أَنْ لَا يَنْهَى عَمَّا هُوَ حِكْمَةٌ ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْخَمْرَ جَوْهَرٌ ، فَاسِدٌ ، فَإِصْلَاحُهُ بِإِزَالَةِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ عَنْهُ ، وَالتَّخْلِيلُ إزَالَةٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إصْلَاحٌ لَهُ ، وَهُوَ كَدَبْغِ الْجِلْدِ ، فَإِنَّ عَيْنَ الْجِلْدِ نَجِسٌ ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .
وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الدُّسُومَاتِ لَجُوِّزَ بَيْعَهُ كَالدُّسُومَاتِ النَّجِسَةِ ، وَلَكِنَّ الدَّبْغَ إصْلَاحٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَعْصِمُهُ عَنْ النَّتْنِ ، وَالْفَسَادِ ، فَكَانَ جَائِزًا شَرْعًا ، وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ إنَّ هَذَا إفْسَادٌ فِي الْحَالِ لِمَا يُلْقَى فِيهِ ; لِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي دَبْغِ الْجِلْدِ ، فَإِنَّهُ إفْسَادٌ لِمَا يُجْعَلُ فِيهِ مِنْ الشَّبِّ ، وَالْقَرَظِ ، وَهَذَا إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَآلِ لَا لِلْحَالِ ، فَإِنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ إتْلَافًا لِلْبَذْرِ فِي الْحَالِ ، وَلَكِنَّهُ إصْلَاحٌ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّخْلِيلَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْخَمْرِ عَلَى قَصْدِ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ بَلْ هُوَ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ ، وَبَيْنَ تَمَوُّلِ الْخَمْرِ ، وَإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ مُنَافَاةٌ ، فَمَا كَانَ الِاقْتِرَابُ مِنْ الْعَيْنِ لِإِتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ إلَّا نَظِيرَ الِاقْتِرَابِ مِنْهَا لِإِرَاقَةِ الْعَيْنِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ شَرْعًا ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْلِيبَ الطِّبَاعِ لَيْسَ إلَى الْعِبَادِ ، وَإِنَّمَا إلَيْهِمْ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ ، وَلَكِنَّ إحْدَاثَ الْمُجَاوَرَةِ بَيْنَ الْخَلِّ وَالْخَمْرِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَقْوَى عَلَى إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ بِتَحَوُّلِهَا إلَى طَبْعِ الْحِلِّ فِي أَسْرَعِ الْأَوْقَاتِ ، فَكَانَ هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْجَوَازِ مِنْ الْإِمْسَاكِ ، وَإِذَا جَازَ الْإِمْسَاكُ إلَى أَنْ يَتَخَلَّلَ ، فَالتَّخْلِيلُ ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ ، وَأَمَّا إذَا أَلْقَى فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْحَلَاوَةِ ، فَذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ حُلْوًا ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى الشِّدَّةِ ، وَالْمَرَارَةِ قَائِمٌ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لِغَلَبَةِ الْحَلَاوَةِ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا مِنْ طَبْعِ الْخَمْرِ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا ، فَيَكُونُ التَّخْلِيلُ إتْلَافًا لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ مِنْ وَجْهٍ ، فَعَلَيْهِ إحْدَاثُ الْمُجَاوَرَةِ ، وَمِنْ وَجْهٍ إتْلَافٌ لِصِفَةِ 24 الْخَمْرِيَّةِ كَمَا قُلْنَا ، فَيُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَيْهِمَا ، فَيَقُولُ لِاعْتِبَارِ جَانِبِ إحْدَاثِ الْمُجَاوَرَةِ لَا يَحِلُّ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْحَلَاوَاتِ فِيهِ ، وَلِاعْتِبَارِ جَانِبِ إتْلَافِ صِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ .
فَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّخْلِيلِ ، فَالْمُرَادُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْخَمْرُ اسْتِعْمَالَ الْخَلِّ بِأَنْ يُؤْتَدَمَ بِهِ ، وَيُصْطَبَغَ بِهِ ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ ، وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ ، وَأَنْ تُتَّخَذَ الدَّوَابُّ كَرَاسِيَّ } ، وَالْمُرَادُ الِاسْتِعْمَالُ { ۝ ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا عَبَدْنَاهُمْ قَطُّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَيْسَ كَانُوا يَأْمُرُونَ ، وَيَنْهَوْنَ ، فَيُطِيعُونَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هُوَ ذَاكَ } قَدْ فَسَّرَ الِاتِّخَاذَ بِالِاسْتِعْمَالِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ ، { ۝ أَفَلَا أُخَلِّلُهَا ؟ قَالَ نَعَمْ } ، وَإِنْ صَحَّ مَا رُوِيَ ، فَإِنَّمَا نَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ فِي الِابْتِدَاءِ لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ ، فَقَدْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الِانْزِجَارُ عَنْ الْعَادَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِرَاقَةِ الْخُمُورِ ، وَنَهَى عَنْ التَّخْلِيلِ لِذَلِكَ كَمَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعِفُّوا فِي خُمُورِ الْيَتَامَى إذْ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْخَمْرِ ، فَأَمَرَ فِي خُمُورِ الْيَتَامَى أَيْضًا بِالْإِرَاقَةِ لِلزَّجْرِ ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ الْمَنْعُ مِنْ إفْسَادِ مَالِ الْيَتِيمِ لَا إصْلَاحُ مَا فَسَدَ مِنْهُ .
( أَلَا تَرَى ) أَنْ شَاةَ الْيَتِيمِ إذَا مَاتَتْ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ دَبْغُ جِلْدِهَا ، وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ جَازَ ، فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّخْلِيلُ ، وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَهُ كَانَ جَائِزًا إذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّخْلِيلِ ، فَكَذَلِكَ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمُرَبَّى مِنْ الْخَمْرِ بِإِلْقَاءِ الْمِلْحِ ، وَالسَّمَكِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِصِفَةِ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا فِي التَّخْلِيلِ ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ ، ثُمَّ تَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُ مَا بَيَّنَّا مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ السِّيَاسَةِ لِلزَّجْرِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ الْخَمْرِ ، وَلَا أَكْلُ ثَمَنِهَا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا رِجْسًا ، فَيَقْضِي ذَلِكَ بِنَجَاسَةِ الْعَيْنِ ، وَفَسَادِ الْمَالِيَّةِ ، وَالتَّقْوِيمِ كَمَا فِي الْمَيْتَةِ ، وَالدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَقَدْ أَمَرَ بِالِاجْتِنَابِ عَنْهَا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْمُسْلِمِ الِاقْتِرَابُ مِنْهَا عَلَى جِهَةِ التَّمَوُّلِ بِحَالٍ ، وَفِي الْحَدِيثِ { ۝ أَنَّ أَبَا عَامِرٍ كَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةً مِنْ خَمْرٍ كُلَّ عَامٍ ، فَأَهْدَى لَهُ فِي الْعَامِ الَّتِي حُرِّمَتْ فِيهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْخَمْرَ ، فَلَا حَاجَةَ لِي فِي خَمْرِك قَالَ : خُذْهَا ، وَبِعْهَا ، وَانْتَفِعْ بِثَمَنِهَا فِي حَاجَتِك ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَا أَبَا عَامِرٍ إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا ، وَأَكْلَ ثَمَنِهَا . } { ۝ ، وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ ، وَأَكْلِ ثَمَنِهَا ، فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ 25 حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ ، فَجَمَلُوهَا ، وَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا ، وَإِنَّ الَّذِي حَرَّمَ الشُّرْبَ حَرَّمَ بَيْعَهَا ، وَأَكْلَ ثَمَنِهَا ، وَمِمَّنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ بَائِعُهَا ، وَمُشْتَرِيهَا . } .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث