المبسوط
المبسوط · الجزء الأول
page 162 · printed p. 79
قَالَ ( وَلَا يَنْقُضُ النَّوْمُ الْوُضُوءَ مَا دَامَ قَائِمًا ، أَوْ رَاكِعًا ، أَوْ سَاجِدًا ، أَوْ قَاعِدًا ، وَيَنْقُضُهُ مُضْطَجِعًا ، أَوْ مُتَّكِئًا ، أَوْ عَلَى إحْدَى أَلْيَتَيْهِ ) أَمَّا نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ بِالسُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهِ ; لِأَنَّ كَوْنَهُ طَاهِرًا ثَابِتٌ بِيَقِينٍ ، وَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ ، وَخُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ ، وَالثَّانِي ، وَهُوَ : أَنَّ الْحَدَثَ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ عَادَةً فَيُجْعَلَ كَالْمَوْجُودِ حُكْمًا فَإِنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ يَسْتَحِكُمْ فَتَسْتَرْخِي مَفَاصِلُهُ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ { ۝ الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ } .
وَهُوَ ثَابِتٌ عَادَةً كَالْمُتَيَقِّنِ بِهِ ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ : لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا حَتَّى يَعْلَمَ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَكَانَ إذَا نَامَ أَجْلَسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ فَإِذَا انْتَبَهَ سَأَلَهُ فَإِنْ أُخْبِرَ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ ، وَالْمُتَّكِئُ كَالْمُضْطَجِعِ ; لِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فَأَمَّا الْقَاعِدُ إذَا نَامَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ طَالَ النَّوْمُ قَاعِدًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ، وَحُجَّتُنَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ { ۝ نِمْتُ قَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى وَقَعَ ذَقَنِي عَلَى صَدْرِي فَوَجَدْت بَرْدَ كَفٍّ عَلَى ظَهْرِي فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت أَعَلَيَّ فِي هَذَا وُضُوءٌ ؟ فَقَالَ : لَا حَتَّى تَضْطَجِعَ } ، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُطِلْ نَوْمَهُ . فَأَمَّا إذَا نَامَ قَائِمًا ، أَوْ رَاكِعًا ، أَوْ سَاجِدًا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ قَالَ { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَلَيَالِيهَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ بَوْلٍ ، أَوْ غَائِطٍ ، أَوْ نَوْمٍ } فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ إلَّا أَنَّا خَصَّصَنَا نَوْمَ الْقَاعِدِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا سِوَاهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ ، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فِي حَالِ نَوْمِهِ فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ .
( وَلَنَا ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا ، أَوْ رَاكِعًا ، أَوْ سَاجِدًا إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ 79 مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } ، وَهُوَ الْمَعْنَى فَإِنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ مَعَ النَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ ، وَبَقَاءُ الِاسْتِمْسَاكِ يُؤَمِّنُهُ مَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ كَالْقَاعِدِ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ إذَا تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ ، وَإِنْ غَلَبْته عَيْنَاهُ لَمْ يُنْتَقَضْ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَوْمِ السَّاجِدِ أَنَّهُ حَدَثٌ كَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَادُ النَّوْمَ عَلَى وَجْهِهِ . تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِلْبَلْوَى فِيهِ لِلْمُجْتَهِدِينَ ، وَهَذَا إذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ لَا إذَا تَعَمَّدَ ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ إذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ يُبَاهِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي ، وَجَسَدُهُ فِي طَاعَتِي } ، وَإِنَّمَا يَكُونُ جَسَدُهُ فِي الطَّاعَةِ إذَا بَقِيَ وُضُوءُهُ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ فَإِنَّهُ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نَوْمَ الْقَائِمِ ، وَالرَّاكِعِ ، وَالسَّاجِدِ إنَّمَا لَا يَكُونُ حَدَثًا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ يَكُونُ حَدَثًا ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِبَقَاءِ الِاسْتِمْسَاكِ فَإِنْ كَانَ الْقَاعِدُ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ فَنَامَ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ أُزِيلَ سَنَدُهُ عَنْهُ يَسْقُطُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ . فَإِنْ نَامَ قَاعِدًا فَسَقَطَ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَنْبُهُ إلَى الْأَرْضِ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ النَّوْمِ ، وَهُوَ الْحَدَثُ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ بِالنَّوْمِ حِينَ سَقَطَ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يُزَايِلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ ، وَإِنْ زَايَلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith