المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
672 - مَسْأَلَةٌ :
وَمَا صَغُرَ عَنْ أَنْ يُسَمَّى : شَاةً ، لَكِنْ يُسَمَّى خَرُوفًا ، أَوْ جَدْيًا ، أَوْ سَخْلَةً : لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَا أَنْ يُعَدَّ فِيمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ ، إلَّا أَنْ يُتِمَّ سَنَةً ; فَإِذَا أَتَمَّهَا عُدَّ ، وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْهُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ .
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُضَمُّ الْفَوَائِدُ كُلُّهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْمَوَاشِي ، إلَى مَا عِنْدَ صَاحِبِ الْمَالِ فَتُزَكَّى مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَفِدْهَا إلَّا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ .
هَذَا إذَا كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ تَجِبُ فِي مِقْدَارِ مَا مَعَهُ الزَّكَاةُ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصَابٌ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ ، وَلَا يُبَالِي أَنَقَصَ فِي دَاخِلِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ أَمْ لَا ؟ قَالَ : فَإِنْ مَاتَتْ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ كُلَّهَا وَبَقِيَ مِنْ عَدَدِ الْخِرْفَانِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ : فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ عِجْلًا فَصَاعِدًا ، أَوْ خَمْسًا مِنْ الْفُصْلَانِ فَصَاعِدًا ، عَامًا كَامِلًا دُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمَا فَوْقَهَا - : فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا ؟ 83 وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تُضَمُّ فَوَائِدُ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، إلَى مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِ مِنْهَا ; بَلْ يُزَكَّى كُلُّ مَالٍ بِحَوْلِهِ ، حَاشَا رِبْحَ الْمَالِ وَفَوَائِدَ الْمَوَاشِي كُلِّهَا ; فَإِنَّهَا تُضَمُّ إلَى مَا عِنْدَهُ وَيُزَكَّى الْجَمِيعُ بِحَوْلِ مَا كَانَ عِنْدَهُ ، وَلَوْ لَمْ يُفِدْهَا إلَّا قَبْلَ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ ، إلَّا أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ فَائِدَةِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْمَاشِيَةِ ، مِنْ غَيْرِ الْوِلَادَةِ ، فَلَمْ يَرَ أَنْ يُضَمَّ إلَى مَا عِنْدَ الْمَرْءِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا إذَا كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْهَا مِقْدَارًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا .
وَرَأَى أَنْ تُضَمَّ وِلَادَةُ الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْهَا تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُضَمُّ فَائِدَةٌ أَصْلًا إلَى مَا عِنْدَهُ ، إلَّا أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ فَقَطْ ، فَإِنَّهَا تُعَدُّ مَعَ أُمَّهَاتِهَا ، وَلَوْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِهَا إلَّا قَبْلَ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ ، هَذَا إذَا كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا ، فَإِنْ نَقَصَتْ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ : فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا تَنَاقُضُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَتَقْسِيمِهِمَا فَلَا خَفَاءَ بِهِ ، لِأَنَّهُمَا قَسَّمَا تَقْسِيمًا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَهُ هَاهُنَا أَيْضًا تَنَاقُضٌ أَشْنَعُ مِنْ تَنَاقُضِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ أَنَّهُ رَأَى أَنْ يُرَاعَى أَوَّلُ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ دُونَ وَسَطٍ ، وَرَأَى أَنْ تُعَدَّ أَوْلَادُ الْمَاشِيَةِ مَعَ أُمَّهَاتِهَا وَلَوْ لَمْ تَضَعْهَا إلَّا قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِسَاعَةٍ ، ثُمَّ رَأَى فِي أَرْبَعِينَ خَرُوفًا صِغَارًا وَمَعَهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ مُسِنَّةٌ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ ، وَهِيَ تِلْكَ الْمُسِنَّةُ فَقَطْ ; فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُسِنَّةٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ مِائَةُ خَرُوفٍ وَعِشْرُونَ خَرُوفًا صِغَارًا كُلَّهَا وَمَعَهَا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ .
قَالَ : إنْ كَانَ فِيهَا مُسِنَّتَانِ فَصَدَقَتُهَا تَانِكَ الْمُسِنَّتَانِ مَعًا ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مَعَهُمَا إلَّا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا تِلْكَ الْمُسِنَّةِ وَحْدَهَا فَقَطْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُسِنَّةٌ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا .
وَهَكَذَا قَالَ فِي الْعَجَاجِيلِ وَالْفُصْلَانِ أَيْضًا ، وَلَوْ مَلَكَهَا سَنَةً فَأَكْثَرَ 84 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ شَرِيعَةُ إبْلِيسَ لَا شَرِيعَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعْنِي قَوْلَهُ : إنْ كَانَ مَعَ الْمِائَةِ خَرُوفٌ وَالْعِشْرُونَ خَرُوفًا : مُسِنَّتَانِ زَائِدَتَانِ أُخِذَتَا عَنْ زَكَاةِ الْخِرْفَانِ كِلْتَاهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا إلَّا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ : أُخِذَتْ وَحْدُهَا عَنْ زَكَاةِ الْخِرْفَانِ وَلَا مَزِيدَ وَمَا جَاءَ بِهَذَا قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ ، وَلَا أَحَدُ نَعْلَمُهُ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً فِي أَرْبَعِينَ خَرُوفًا : يُؤْخَذُ عَنْ زَكَاتِهَا شَاةٌ مُسِنَّةٌ ، وَبِهِ يَأْخُذُ زُفَرُ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ : بَلْ يُؤْخَذُ عَنْ زَكَاتِهَا خَرُوفٌ مِنْهَا ; وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو يُوسُفَ ; ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ : لَا زَكَاةَ فِيهَا ; وَبِهِ يَأْخُذُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ زُفَرَ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجَّ مَنْ رَأَى أَنْ تُعَدَّ الْخِرْفَانُ مَعَ أُمَّهَاتِهَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا فِي مَخَالِيفِ الطَّائِفِ ، فَشَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الْمَاشِيَةِ تَصْدِيقَ الْغِذَاءِ ، وَقَالُوا : إنْ كُنْت مُعْتَدًّا بِالْغِذَاءِ فَخُذْ مِنْهُ صَدَقَتَهُ . قَالَ عُمَرُ : فَقُلْ لَهُمْ : إنَّا نَعْتَدُّ بِالْغِذَاءِ كُلِّهَا حَتَّى السَّخْلَةُ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ ; وَقُلْ لَهُمْ : إنِّي لَا آخُذُ الشَّاةَ الْأَكُولَةَ ; وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ ، وَلَا الرُّبَى ، وَلَا الْمَاخِضَ ; وَلَكِنِّي آخُذُ الْعَنَاقُ ، وَالْجَذَعَةَ ، وَالثَّنِيَّةَ : وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ ، وَخِيَارِهِ .
وَرُوِّينَا هَذَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سُفْيَانَ .
مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا ؟ 85 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ :
أَوَّلُهَا - أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَهُ .
وَالثَّانِي -
أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ لَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ زَكَاةٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ - : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : لَا يُزَكَّى حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ : تَعْنِي الْمَالَ الْمُسْتَفَادَ - : وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .
وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .
فَهَذَا عُمُومٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لَمْ يَخُصُّوا فَائِدَةَ مَاشِيَةٍ بِوِلَادَةٍ مِنْ سَائِرِ مَا يُسْتَفَادُ ; وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ إلَّا كَانَ كَاذِبًا عَلَيْهِمْ ، وَقَائِلًا بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يَقُولُوهُ قَطُّ ؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ الَّذِينَ حَكَى عَنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَعُدَّ عَلَيْهِمْ أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ مَعَ أُمَّهَاتِهَا - : قَدْ كَانَ فِيهِمْ بِلَا شَكٍّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ سُفْيَانَ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَيَّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ ، وَبَقِيَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَكَانُوا بِالطَّائِفِ ، وَأَهْلُ الطَّائِفِ أَسْلَمُوا قَبْلَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ عَامٍ وَنِصْفٍ وَرَأَوْهُ عَلَيْهِ 86 فَقَدْ صَحَّ الْخِلَافُ فِي هَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِلَا شَكٍّ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ ; وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } .
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا عَنْ عُمَرَ مِنْ طَرِيقٍ مُتَّصِلَةٍ إلَّا مِنْ طَرِيقَيْنِ :
إحْدَاهُمَا : مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَوْ مِنْ طَرِيقِ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ لَمْ يُسَمَّ .
وَالثَّانِيَةُ -
مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَالرَّابِعُ -
أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ : خَالَفُوا قَوْلَ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ، فَقَالُوا : لَا يُعْتَدُّ بِمَا وَلَدَتْ الْمَاشِيَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ - دُونَ الْأَوْلَادِ - عَدَدًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا تُعَدُّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَادُ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ .
وَالْخَامِسُ - أَنَّهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ مَا قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَصَحِّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ ، أَشْيَاءَ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِيهَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، إذَا خَالَفَ رَأْيَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ - : كَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ قَوْلَ عُمَرَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ .
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ : أَخْذَ عُمَرَ الزَّكَاةَ مِنْ الرَّقِيقِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ ، وَصِفَةِ أَخْذِهِ الزَّكَاةَ مِنْ الْخَيْلِ .
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ إيجَابَ عُمَرَ الزَّكَاةَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ ، وَلَا يَصِحُّ خِلَافُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ : أَمْرَ عُمَرَ الْخَارِصَ بِأَنْ يَتْرُكَ لِأَصْحَابِ النَّخْلِ مَا 87 يَأْكُلُونَهُ لَا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ ، وَغَيْرِ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ؟ فَقَدْ وَضَحَ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِعُمَرَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ وَافَقَ شَهَوَاتِهِمْ لَا حَيْثُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَهَذَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ جِدًّا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ الْقُرْآنُ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ فَصَاعِدًا كَمَا وَصَفْنَا ، وَأَوْجَبَ فِيهَا شَاةً أَوْ شَاتَيْنِ أَوْ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةً ، وَأَسْقَطَهَا عَمَّا عَدَا ذَلِكَ .
وَوَجَدْنَا الْخِرْفَانَ وَالْجِدْيَانَ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ شَاةٍ وَلَا اسْمُ شَاءٍ فِي اللُّغَةِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِهَا دِينَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَخَرَجَتْ الْخِرْفَانُ ، وَالْجِدْيَانُ عَنْ أَنْ تَجِبَ فِيهَا زَكَاةٌ .
وَأَيْضًا - فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ خَرُوفٌ وَلَا جَدْيٌ فِي الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ الشَّاءِ فَأَقَرُّوا بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَاةً وَلَا لَهُ حُكْمُ الشَّاءِ ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا زَكَاةٌ ، فَلَا تَجُوزُ هِيَ فِي الزَّكَاةِ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ .
وَأَيْضًا - فَإِنَّ زَكَاةَ مَاشِيَةٍ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا إجْمَاعٌ ؟ وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ خِرْفَانًا أَوْ عُجُولًا أَوْ فُصْلَانًا سَنَةً كَامِلَةً فَالزَّكَاةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ تَمَامِ الْعَامِ ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى غَنَمًا ، وَبَقَرًا وَإِبِلًا .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ { أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسْتُ إلَيْهِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إنَّ فِي عَهْدِي أَنْ لَا نَأْخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ } . 88
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ هُوَ فِي الزَّكَاةِ لَقَالَ " أَنْ لَا نَأْخُذَ رَاضِعَ لَبَنٍ " لَكِنْ لَمَّا مُنِعَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ - وَرَاضِعُ لَبَنٍ اسْمٌ لِلْجِنْسِ - صَحَّ بِذَلِكَ أَنْ لَا تُعَدَّ الرَّوَاضِعُ فِيمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ .
وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَابَ هِلَالَ بْنَ خَبَّابٍ ، إلَّا أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ : لَقِيته وَقَدْ تَغَيَّرَ ، وَهَذَا لَيْسَ جُرْحَةٌ ، لِأَنَّ هُشَيْمًا أَسَنُّ مِنْ يَحْيَى بِنَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً ، فَكَانَ لِقَاءُ هُشَيْمٍ لِهِلَالٍ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ بِلَا شَكٍّ .
وَأَمَّا سُوَيْدٌ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَى إلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَحْوِ خَمْسِ لَيَالٍ ، وَأَفْتَى أَيَّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ فَطَرَدَا قَوْلَهُمَا ، إذْ أَوْجَبَا أَخْذَ خَرُوفٍ صَغِيرٍ فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَرْبَعِينَ خَرُوفًا فَصَاعِدًا ، وُلِدَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا ؟ وَأَخْذُ مِثْلِ هَذَا فِي الزَّكَاةِ عَجَبٌ جِدًّا وَأَمَّا إذَا أَتَمَّتْ سَنَةً فَاسْمُ شَاةٍ يَقَعُ عَلَيْهَا فَهِيَ مَعْدُودَةٌ وَمَأْخُوذَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَحَصَلُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَلَّدُوا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ، فَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ أَنْ تُعَدَّ الْأَوْلَادُ مَعَ الْأُمَّهَاتِ إلَّا إذَا كَانَتْ 89 الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا ; وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ كَذَلِكَ ؟ وَحَصَلَ مَالِكٌ عَلَى قِيَاسٍ فَاسِدٍ مُتَنَاقِضٍ ; لِأَنَّهُ قَاسَ فَائِدَةَ الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً - دُونَ سَائِرِ الْفَوَائِدِ - عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ مِنْ عَدِّ أَوْلَادِهَا مَعَهَا ، ثُمَّ نَقَضَ قِيَاسَهُ فَرَأَى أَنْ لَا تُضَمَّ فَائِدَةُ الْمَاشِيَةِ بِهِبَةٍ ، أَوْ مِيرَاثٍ ، أَوْ شِرَاءِ إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا إلَّا إنْ كَانَ مَا عِنْدَهُ نِصَابًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا - وَرَأَى أَنْ تُضَمَّ أَوْلَادُهَا إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ ؟ وَهَذِهِ تَقَاسِيمَ لَا يُعْرَفُ أَحَدُ قَالَ بِهَا قَبْلَهُمْ ، وَلَا هُمْ اتَّبَعُوا عُمَرَ ، وَلَا طَرَدُوا الْقِيَاسَ ، وَلَا اتَّبَعُوا نَصَّ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ .
وَمَا صَغُرَ عَنْ أَنْ يُسَمَّى : شَاةً ، لَكِنْ يُسَمَّى خَرُوفًا ، أَوْ جَدْيًا ، أَوْ سَخْلَةً : لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَا أَنْ يُعَدَّ فِيمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ ، إلَّا أَنْ يُتِمَّ سَنَةً ; فَإِذَا أَتَمَّهَا عُدَّ ، وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْهُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ .
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُضَمُّ الْفَوَائِدُ كُلُّهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْمَوَاشِي ، إلَى مَا عِنْدَ صَاحِبِ الْمَالِ فَتُزَكَّى مَعَ مَا كَانَ عِنْدَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَفِدْهَا إلَّا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ .
هَذَا إذَا كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ تَجِبُ فِي مِقْدَارِ مَا مَعَهُ الزَّكَاةُ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصَابٌ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ ، وَلَا يُبَالِي أَنَقَصَ فِي دَاخِلِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ أَمْ لَا ؟ قَالَ : فَإِنْ مَاتَتْ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ كُلَّهَا وَبَقِيَ مِنْ عَدَدِ الْخِرْفَانِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ : فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ عِجْلًا فَصَاعِدًا ، أَوْ خَمْسًا مِنْ الْفُصْلَانِ فَصَاعِدًا ، عَامًا كَامِلًا دُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمَا فَوْقَهَا - : فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا ؟ 83 وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تُضَمُّ فَوَائِدُ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، إلَى مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِ مِنْهَا ; بَلْ يُزَكَّى كُلُّ مَالٍ بِحَوْلِهِ ، حَاشَا رِبْحَ الْمَالِ وَفَوَائِدَ الْمَوَاشِي كُلِّهَا ; فَإِنَّهَا تُضَمُّ إلَى مَا عِنْدَهُ وَيُزَكَّى الْجَمِيعُ بِحَوْلِ مَا كَانَ عِنْدَهُ ، وَلَوْ لَمْ يُفِدْهَا إلَّا قَبْلَ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ ، إلَّا أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ فَائِدَةِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْمَاشِيَةِ ، مِنْ غَيْرِ الْوِلَادَةِ ، فَلَمْ يَرَ أَنْ يُضَمَّ إلَى مَا عِنْدَ الْمَرْءِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا إذَا كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْهَا مِقْدَارًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا .
وَرَأَى أَنْ تُضَمَّ وِلَادَةُ الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْهَا تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ فِي مِقْدَارِهِ الزَّكَاةُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُضَمُّ فَائِدَةٌ أَصْلًا إلَى مَا عِنْدَهُ ، إلَّا أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ فَقَطْ ، فَإِنَّهَا تُعَدُّ مَعَ أُمَّهَاتِهَا ، وَلَوْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِهَا إلَّا قَبْلَ الْحَوْلِ بِسَاعَةٍ ، هَذَا إذَا كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا ، فَإِنْ نَقَصَتْ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ : فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا تَنَاقُضُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَتَقْسِيمِهِمَا فَلَا خَفَاءَ بِهِ ، لِأَنَّهُمَا قَسَّمَا تَقْسِيمًا لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَهُ هَاهُنَا أَيْضًا تَنَاقُضٌ أَشْنَعُ مِنْ تَنَاقُضِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ أَنَّهُ رَأَى أَنْ يُرَاعَى أَوَّلُ الْحَوْلِ وَآخِرِهِ دُونَ وَسَطٍ ، وَرَأَى أَنْ تُعَدَّ أَوْلَادُ الْمَاشِيَةِ مَعَ أُمَّهَاتِهَا وَلَوْ لَمْ تَضَعْهَا إلَّا قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي بِسَاعَةٍ ، ثُمَّ رَأَى فِي أَرْبَعِينَ خَرُوفًا صِغَارًا وَمَعَهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ مُسِنَّةٌ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ ، وَهِيَ تِلْكَ الْمُسِنَّةُ فَقَطْ ; فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُسِنَّةٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ مِائَةُ خَرُوفٍ وَعِشْرُونَ خَرُوفًا صِغَارًا كُلَّهَا وَمَعَهَا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ .
قَالَ : إنْ كَانَ فِيهَا مُسِنَّتَانِ فَصَدَقَتُهَا تَانِكَ الْمُسِنَّتَانِ مَعًا ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مَعَهُمَا إلَّا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا تِلْكَ الْمُسِنَّةِ وَحْدَهَا فَقَطْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مُسِنَّةٌ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا .
وَهَكَذَا قَالَ فِي الْعَجَاجِيلِ وَالْفُصْلَانِ أَيْضًا ، وَلَوْ مَلَكَهَا سَنَةً فَأَكْثَرَ 84 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ شَرِيعَةُ إبْلِيسَ لَا شَرِيعَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعْنِي قَوْلَهُ : إنْ كَانَ مَعَ الْمِائَةِ خَرُوفٌ وَالْعِشْرُونَ خَرُوفًا : مُسِنَّتَانِ زَائِدَتَانِ أُخِذَتَا عَنْ زَكَاةِ الْخِرْفَانِ كِلْتَاهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا إلَّا مُسِنَّةٌ وَاحِدَةٌ : أُخِذَتْ وَحْدُهَا عَنْ زَكَاةِ الْخِرْفَانِ وَلَا مَزِيدَ وَمَا جَاءَ بِهَذَا قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ ، وَلَا أَحَدُ نَعْلَمُهُ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَا قِيَاسٌ وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً فِي أَرْبَعِينَ خَرُوفًا : يُؤْخَذُ عَنْ زَكَاتِهَا شَاةٌ مُسِنَّةٌ ، وَبِهِ يَأْخُذُ زُفَرُ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ : بَلْ يُؤْخَذُ عَنْ زَكَاتِهَا خَرُوفٌ مِنْهَا ; وَبِهِ يَأْخُذُ أَبُو يُوسُفَ ; ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ : لَا زَكَاةَ فِيهَا ; وَبِهِ يَأْخُذُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ زُفَرَ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجَّ مَنْ رَأَى أَنْ تُعَدَّ الْخِرْفَانُ مَعَ أُمَّهَاتِهَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَنَّهُ كَانَ مُصَدِّقًا فِي مَخَالِيفِ الطَّائِفِ ، فَشَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الْمَاشِيَةِ تَصْدِيقَ الْغِذَاءِ ، وَقَالُوا : إنْ كُنْت مُعْتَدًّا بِالْغِذَاءِ فَخُذْ مِنْهُ صَدَقَتَهُ . قَالَ عُمَرُ : فَقُلْ لَهُمْ : إنَّا نَعْتَدُّ بِالْغِذَاءِ كُلِّهَا حَتَّى السَّخْلَةُ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدِهِ ; وَقُلْ لَهُمْ : إنِّي لَا آخُذُ الشَّاةَ الْأَكُولَةَ ; وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ ، وَلَا الرُّبَى ، وَلَا الْمَاخِضَ ; وَلَكِنِّي آخُذُ الْعَنَاقُ ، وَالْجَذَعَةَ ، وَالثَّنِيَّةَ : وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْمَالِ ، وَخِيَارِهِ .
وَرُوِّينَا هَذَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سُفْيَانَ .
مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا ؟ 85 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ :
أَوَّلُهَا - أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَهُ .
وَالثَّانِي -
أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ لَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ زَكَاةٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ - : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : لَا يُزَكَّى حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ : تَعْنِي الْمَالَ الْمُسْتَفَادَ - : وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .
وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .
فَهَذَا عُمُومٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لَمْ يَخُصُّوا فَائِدَةَ مَاشِيَةٍ بِوِلَادَةٍ مِنْ سَائِرِ مَا يُسْتَفَادُ ; وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ إلَّا كَانَ كَاذِبًا عَلَيْهِمْ ، وَقَائِلًا بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يَقُولُوهُ قَطُّ ؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ الَّذِينَ حَكَى عَنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَعُدَّ عَلَيْهِمْ أَوْلَادَ الْمَاشِيَةِ مَعَ أُمَّهَاتِهَا - : قَدْ كَانَ فِيهِمْ بِلَا شَكٍّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ سُفْيَانَ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَيَّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ ، وَبَقِيَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَكَانُوا بِالطَّائِفِ ، وَأَهْلُ الطَّائِفِ أَسْلَمُوا قَبْلَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ عَامٍ وَنِصْفٍ وَرَأَوْهُ عَلَيْهِ 86 فَقَدْ صَحَّ الْخِلَافُ فِي هَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِلَا شَكٍّ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ ; وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } .
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ هَذَا عَنْ عُمَرَ مِنْ طَرِيقٍ مُتَّصِلَةٍ إلَّا مِنْ طَرِيقَيْنِ :
إحْدَاهُمَا : مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَوْ مِنْ طَرِيقِ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ لَمْ يُسَمَّ .
وَالثَّانِيَةُ -
مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَالرَّابِعُ -
أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ : خَالَفُوا قَوْلَ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ، فَقَالُوا : لَا يُعْتَدُّ بِمَا وَلَدَتْ الْمَاشِيَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ - دُونَ الْأَوْلَادِ - عَدَدًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا تُعَدُّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَادُ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ .
وَالْخَامِسُ - أَنَّهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ مَا قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَصَحِّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ ، أَشْيَاءَ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِيهَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، إذَا خَالَفَ رَأْيَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ - : كَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ قَوْلَ عُمَرَ : الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ .
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ : أَخْذَ عُمَرَ الزَّكَاةَ مِنْ الرَّقِيقِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ ، وَصِفَةِ أَخْذِهِ الزَّكَاةَ مِنْ الْخَيْلِ .
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ إيجَابَ عُمَرَ الزَّكَاةَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ ، وَلَا يَصِحُّ خِلَافُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَتَرْكِ الْحَنَفِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ : أَمْرَ عُمَرَ الْخَارِصَ بِأَنْ يَتْرُكَ لِأَصْحَابِ النَّخْلِ مَا 87 يَأْكُلُونَهُ لَا يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ ، وَغَيْرِ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا ؟ فَقَدْ وَضَحَ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِعُمَرَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ وَافَقَ شَهَوَاتِهِمْ لَا حَيْثُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَهَذَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ جِدًّا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ الْقُرْآنُ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ فَصَاعِدًا كَمَا وَصَفْنَا ، وَأَوْجَبَ فِيهَا شَاةً أَوْ شَاتَيْنِ أَوْ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةً ، وَأَسْقَطَهَا عَمَّا عَدَا ذَلِكَ .
وَوَجَدْنَا الْخِرْفَانَ وَالْجِدْيَانَ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ شَاةٍ وَلَا اسْمُ شَاءٍ فِي اللُّغَةِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِهَا دِينَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَخَرَجَتْ الْخِرْفَانُ ، وَالْجِدْيَانُ عَنْ أَنْ تَجِبَ فِيهَا زَكَاةٌ .
وَأَيْضًا - فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ خَرُوفٌ وَلَا جَدْيٌ فِي الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ الشَّاءِ فَأَقَرُّوا بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَاةً وَلَا لَهُ حُكْمُ الشَّاءِ ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا زَكَاةٌ ، فَلَا تَجُوزُ هِيَ فِي الزَّكَاةِ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ .
وَأَيْضًا - فَإِنَّ زَكَاةَ مَاشِيَةٍ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهَا حَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا إجْمَاعٌ ؟ وَأَمَّا مَنْ مَلَكَ خِرْفَانًا أَوْ عُجُولًا أَوْ فُصْلَانًا سَنَةً كَامِلَةً فَالزَّكَاةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ تَمَامِ الْعَامِ ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى غَنَمًا ، وَبَقَرًا وَإِبِلًا .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ { أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسْتُ إلَيْهِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إنَّ فِي عَهْدِي أَنْ لَا نَأْخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ } . 88
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ هُوَ فِي الزَّكَاةِ لَقَالَ " أَنْ لَا نَأْخُذَ رَاضِعَ لَبَنٍ " لَكِنْ لَمَّا مُنِعَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ - وَرَاضِعُ لَبَنٍ اسْمٌ لِلْجِنْسِ - صَحَّ بِذَلِكَ أَنْ لَا تُعَدَّ الرَّوَاضِعُ فِيمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ .
وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَابَ هِلَالَ بْنَ خَبَّابٍ ، إلَّا أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ : لَقِيته وَقَدْ تَغَيَّرَ ، وَهَذَا لَيْسَ جُرْحَةٌ ، لِأَنَّ هُشَيْمًا أَسَنُّ مِنْ يَحْيَى بِنَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً ، فَكَانَ لِقَاءُ هُشَيْمٍ لِهِلَالٍ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ بِلَا شَكٍّ .
وَأَمَّا سُوَيْدٌ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَى إلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَحْوِ خَمْسِ لَيَالٍ ، وَأَفْتَى أَيَّامَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ فَطَرَدَا قَوْلَهُمَا ، إذْ أَوْجَبَا أَخْذَ خَرُوفٍ صَغِيرٍ فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَرْبَعِينَ خَرُوفًا فَصَاعِدًا ، وُلِدَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا ؟ وَأَخْذُ مِثْلِ هَذَا فِي الزَّكَاةِ عَجَبٌ جِدًّا وَأَمَّا إذَا أَتَمَّتْ سَنَةً فَاسْمُ شَاةٍ يَقَعُ عَلَيْهَا فَهِيَ مَعْدُودَةٌ وَمَأْخُوذَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَحَصَلُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَلَّدُوا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ، فَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ أَنْ تُعَدَّ الْأَوْلَادُ مَعَ الْأُمَّهَاتِ إلَّا إذَا كَانَتْ 89 الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا ; وَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ كَذَلِكَ ؟ وَحَصَلَ مَالِكٌ عَلَى قِيَاسٍ فَاسِدٍ مُتَنَاقِضٍ ; لِأَنَّهُ قَاسَ فَائِدَةَ الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً - دُونَ سَائِرِ الْفَوَائِدِ - عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ مِنْ عَدِّ أَوْلَادِهَا مَعَهَا ، ثُمَّ نَقَضَ قِيَاسَهُ فَرَأَى أَنْ لَا تُضَمَّ فَائِدَةُ الْمَاشِيَةِ بِهِبَةٍ ، أَوْ مِيرَاثٍ ، أَوْ شِرَاءِ إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا إلَّا إنْ كَانَ مَا عِنْدَهُ نِصَابًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا - وَرَأَى أَنْ تُضَمَّ أَوْلَادُهَا إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ ؟ وَهَذِهِ تَقَاسِيمَ لَا يُعْرَفُ أَحَدُ قَالَ بِهَا قَبْلَهُمْ ، وَلَا هُمْ اتَّبَعُوا عُمَرَ ، وَلَا طَرَدُوا الْقِيَاسَ ، وَلَا اتَّبَعُوا نَصَّ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith