المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الحادي عشر
الصفحة 2250 · ص. المطبوع 330
2157 - مَسْأَلَةٌ : فِي الدِّمَاءِ مُشْكِلٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ بَهْرَامُ الدِّينَوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ نا عَمِّي - هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - نا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ { ۝ مُطِيعٍ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ - وَكَانَ اسْمُهُ الْعَاصِ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ 330 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطِيعًا - قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ يَقُولُ : لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا ، وَلَا يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ صَبْرًا أَبَدًا } .
نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ : قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا } .
نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ نا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ { ۝ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ : لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } قَالَ عَلِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْأَوَّلِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَالْآخَرُ إنْ صَحَّ سَمَاعُ الشَّعْبِيِّ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ فَهُمَا صَحِيحَانِ - وَالْحَارِثُ هَذَا : هُوَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَوْنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَوَجْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيِّنٌ ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَخْبَرَ بِهَذَا عَنْ نَفْسِهِ : أَنَّهُ لَا يَغْزُو مَكَّةَ بَعْدَهَا أَبَدًا ، وَأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ بَعْدَهَا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ صَبْرًا أَبَدًا ، وَكَانَ هَذَا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَمَا قَتَلَ بَعْدَهَا قُرَشِيًّا .
بُرْهَانُ هَذَا : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَنْذَرَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنْذَرَ بِغَزْوِ الْكَعْبَةِ - وَهُوَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ { ۝ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تَكُونُ قَالَ : فَذَهَبْتُ فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ ، وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَبْرًا ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ : نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَالَ حَرْمَلَةُ : نا ابْنُ وَهْبٍ 331 أَخْبَرَنِي يُونُسُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - ثُمَّ اتَّفَقَ زِيَادٌ ، وَيُونُسُ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ } قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَصَحَّ أَنَّ قَوْمًا مِنْ قُرَيْشٍ سَيُقْتَلُونَ صَبْرًا .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ قُرَشِيًّا لَوْ قَتَلَ لَقُتِلَ ، وَلَوْ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ لَرُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ - وَهَكَذَا نَقُولُ فِيهِ : لَوْ ارْتَدَّ ، أَوْ حَارَبَ أَوْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثًا ثُمَّ شَرِبَ الرَّابِعَةَ - وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ مَكَّةَ - أَعَزَّهَا اللَّهُ وَحَرَسَهَا - لَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ ، أَوْ الْمُحَارِبُونَ ، أَوْ الْبُغَاةُ ، فَمَنَعُوا فِيهَا مِنْ إظْهَارِ الْحَقِّ - أَنَّ فَرْضًا عَلَى الْأُمَّةِ غَزْوُهُمْ لَا غَزْوُ مَكَّةَ ، فَإِنْ انْقَادُوا ، أَوْ خَرَجُوا فَذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا وَلَا خَرَجُوا : أَنَّهُمْ يُخْرَجُونَ مِنْهَا ، فَإِنْ هُمْ امْتَنَعُوا وَقَاتَلُوا ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ فِيهَا وَعِنْدَ الْكَعْبَةِ - فَكَانَتْ هَذِهِ الْإِجْمَاعَاتُ ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ وَإِنْذَارُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَدْمِ ذِي السُّوَيْقَتَيْنِ لِلْكَعْبَةِ .
وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ إلَّا بَعْدَ غَزْوٍ مِنْهُ - وَقَدْ غَزَاهَا الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَيَّانِيُّ - لَعَنَهُمْ اللَّهُ أَجْمَعِينَ - وَأَلْحَدُوا فِيهَا وَهَتَكُوا حُرْمَةَ الْبَيْتِ ، فَمِنْ رَامٍ لِلْكَعْبَةِ بِالْمَنْجَنِيقِ - وَهُوَ الْفَاسِقُ الْحَجَّاجُ - وَقَتَلَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، وَمِنْ قَالِعٍ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، وَسَالِبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَقْتُولِينَ حَوْلَهَا - وَهُوَ الْكَافِرُ الْمَلْعُونُ - سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْقُرْمُطِيُّ ، فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ مُبَيِّنًا إخْبَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَخْبَرَ فِي حَدِيث مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَالْحَارِثِ بْنِ الْبَرْصَاءِ ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ - وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا يَغْزُوهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَقْتُلُ أَبَدًا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ صَبْرًا ، فَكَانَ كَذَلِكَ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ دُونَ بَعْضٍ ، فَهَذَا تَحَكُّمٌ فَاسِدٌ ، بَلْ تُضَمُّ أَقْوَالُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كُلُّهَا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ، فَكُلُّهَا حَقٌّ .
332 وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ } عَلَى الْأَمْرِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْقُرَشِيِّ قَوَدًا أَوْ رَجْمًا فِي الزِّنَى - وَهُوَ مُحْصَنٌ - عَلَى وُجُوبِ غَزْوِ مَنْ لَاذَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْحِرَابَةِ وَالْبَغْيِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا مَنَعَ بِذَلِكَ مِنْ غَزْوِهَا ظُلْمًا ، وَمِنْ قَتْلِ قُرَشِيٍّ صَبْرًا ظُلْمًا ؟ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ : هَذِهِ أَحْكَامٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا حُكْمُ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا ، وَلَا حُكْمُ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ ، فَلَا يَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ : أَنْ تُغْزَى بَلَدٌ مِنْ الْبِلَادِ ظُلْمًا ، وَلَا أَنْ يُقْتَلَ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ ظُلْمًا ، وَكَأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ عَارِيًّا مِنْ الْفَائِدَةِ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث