المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الحادي عشر
page 2124 · printed p. 43
2034 - مَسْأَلَةٌ : مَنْ أَمْسَكَ آخَرَ حَتَّى فُقِئَتْ عَيْنُهُ ، أَوْ قُطِعَ عُضْوُهُ ، أَوْ ضُرِبَ قَالَ عَلِيٌّ : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونَ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّهْطِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الرَّجُلِ فَيُمْسِكُونَهُ فَيَفْقَأُ أَحَدُهُمْ عَيْنَهُ ، أَوْ يَكْسِرُ رِجْلَيْهِ ، أَوْ يَدَيْهِ ، أَوْ أَسْنَانَهُ ، أَوْ نَحْوَ هَذَا : أَنَّهُ يُقَادُ مِنْ الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ مِنْهُ 43 وَأَمَّا الْآخَرُونَ الَّذِينَ أَمْسَكُوهُ فَيُعَاقَبُونَ عُقُوبَةً مُوجِعَةً مُنَكِّلَةً ، فَإِنْ اسْتَحَبَّ الْمُصَابُ الدِّيَةَ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ يَغْرَمُونَهَا جَمِيعًا سَوَاءٌ .
قَالَ يُونُسُ : وَقَالَ رَبِيعَةُ إنْ أَحَبَّ الَّذِي فُقِئَتْ عَيْنَاهُ الدِّيَةَ فَلَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي عَيْنَيْهِ - فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَمْسَكُوهُ إنَّمَا أَمْسَكُوهُ لِيَفْقَأَ عَيْنَيْهِ فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ جَمِيعًا - وَإِنْ كَانُوا أَمْسَكُوهُ لِيَصُكَّهُ ، أَوْ لِيَضْرِبَهُ ، لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فَقْءَ عَيْنَيْهِ ، فَالدِّيَةُ عَلَى الَّذِي فَقَأَ عَيْنَيْهِ دُونَ أَصْحَابِهِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ ابْنُ سَمْعَانَ : قَالَ رَبِيعَةُ : إنْ أَرَادَ الْقَوَدَ أُقِيدَ مِنْهُمْ جَمِيعًا ، مِمَّنْ بَاشَرَ ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ أَمْسَكَهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا إيجَابُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْقَوَدِ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ : فَخَطَأٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ ، وَتَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ فَقَأَهُ أَوْ لَمْ يَفْقَأْهُ كُلُّهُمْ ، لَكِنْ مَنْ بَاشَرَهُ خَاصَّةً ، لَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ - فَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ فَالْقَوَدُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ، كَمَا الدِّيَةُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وَلَا فَرْقَ - وَإِنْ كَانُوا لَيْسَ كُلُّهُمْ فَقَأَهُ ، لَكِنَّ الْمُبَاشِرَ خَاصَّةً ، فَإِلْزَامُ الدِّيَةِ فِي ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْقَأْ وَلَا كَسَرَ وَلَا قَطَعَ خَطَأٌ - وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُ رَبِيعَةَ فِي إيجَابِ الْقَوَدِ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، أَوْ الدِّيَةِ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، فَلَمْ يَتَنَاقَضْ وَلَكِنَّهُ خَطَأٌ ، لِأَنَّ الْمُمْسِكَ آخَرَ لِيَفْقَأ عَيْنَيْهِ ، أَوْ لِيَقْطَعَ يَدَهُ ، أَوْ لِيَخْصِيَ ، أَوْ لِيَجْنِيَ عَلَيْهِ ، أَوْ لِيَضْرِبَ ، لَا يَقَعُ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ فِي اللُّغَةِ ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ اسْمُ " فَاقِئٍ " وَلَا اسْمُ " قَاطِعٍ " وَلَا اسْمُ " كَاسِرٍ " وَلَا اسْمُ " ضَارِبٍ " وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا قَالَ { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا شَكٍّ .
وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ مَالِكٌ شَيْخَيْهِ : رَبِيعَةَ ، وَالزُّهْرِيَّ ، لِأَنَّهُمَا جَعَلَا فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ فِي الْعَيْنِ الْخِيَارَ بَيْنَ الْقَوَدِ ، أَوْ الدِّيَةِ - وَهُوَ لَا يَرَى فِيهَا إلَّا الْقَوَدَ فَقَطْ - وَهُمَا كَبْشَا الْمَدِينَةِ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَالْحُكْمُ فِي هَذَا هُوَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ الْفَاقِئِ ، وَالْكَاسِرِ ، وَالْقَاطِعِ 44 وَالضَّارِبِ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ ، وَيُعَزَّرُ الْمُمْسِكُ ، وَيُسْجَنُ ، عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ } .
وَلِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّعْزِيرِ فِي كُلِّ مَا دُونَ الْحَدِّ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَأَقَلَّ ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي " بَابِ التَّعْزِيرِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ " كِتَابِ الْحُدُودِ " .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّكُمْ تَقُولُونَ فِيمَنْ أَمْسَكَ آخَرَ لِلْقَتْلِ فَقُتِلَ : إنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ ، فَهَذَا خِلَافٌ لِمَا قُلْتُمْ هَاهُنَا أَمْ لَا ؟
فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - : إنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِشَيْءٍ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا يُوصَفُ بِهِ - وَكَانَ بِهِ مُتَعَدِّيًا - فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُتَعَدَّى عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَالْمُمْسِكُ آخَرَ حَتَّى قُتِلَ ، مُمْسَكٌ لَهُ ، وَحَابِسٌ حَتَّى مَاتَ ، وَلَيْسَ قَاتِلًا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَمُوتَ ، فَهُوَ مِثْلُ مَا اعْتَدَى بِهِ ، وَلَا نُبَالِي بِطُولِ الْمُدَّةِ مِنْ قِصَرِهَا إذْ لَمْ يَأْتِ بِمُرَاعَاةِ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith