المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
1635 - مَسْأَلَةٌ : وَهِبَةُ جُزْءٍ مُسَمًّى مَنْسُوبٍ مِنْ الْجَمِيعِ كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُشَاعِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ جَائِزَةٌ حَسَنَةٌ لِلشَّرِيكِ وَلِغَيْرِ الشَّرِيكِ ، وَلِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَفِيمَا لَا يَنْقَسِمُ ، كَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ .
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَمَعْمَرِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ; وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا يَنْقَسِمُ ، وَلَا الصَّدَقَةُ بِهِ - لَا لِلشَّرِيكِ وَلَا لِغَيْرِهِ ، لَا عَلَى فَقِيرٍ وَلَا عَلَى غَنِيٍّ - وَتَجُوزُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ بِمُشَاعٍ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَلِلشَّرِيكِ وَلِغَيْرِهِ .
وَاَلَّذِي يَنْقَسِمُ عِنْدَهُ : الدُّورُ ، وَالْأَرَضُونَ ، وَالْمَكِيلَاتُ ، وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْمَعْدُودَاتُ ، وَالْمَذْرُوعَاتُ - وَاَلَّذِي لَا يَنْقَسِمُ عِنْدَهُ الرَّأْسُ الْوَاحِدُ مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَالْحَمَامُ ، وَالسَّيْفُ ، وَاللُّؤْلُؤَةُ ، وَالثَّوْبُ ، وَالطَّرِيقُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .
قَالَ : وَالْإِجَارَةُ بِمُشَاعٍ مِمَّا يَنْقَسِمُ وَمِمَّا لَا يَنْقَسِمُ لَا تَجُوزُ أَلْبَتَّةَ ، إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ وَحْدَهُ - قَالَ : وَرَهْنُ الْمُشَاعِ الَّذِي يَنْقَسِمُ وَاَلَّذِي لَا يَنْقَسِمُ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ ، لَا مِنْ الشَّرِيكِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ .
قَالَ : وَبَيْعُ الْمُشَاعِ وَإِصْدَاقِهِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ - مِمَّا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ
- : جَائِزٌ مِنْ الشَّرِيكِ وَغَيْرِ الشَّرِيكِ ، وَكَذَلِكَ عِتْقُ الْمُشَاعِ فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ التَّقَاسِيمِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ ، وَلَا لَهَا فِي الدَّيَّانَةِ أَصْلٌ بِالْمَنْعِ خَاصَّةً فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ مِمَّا يَنْقَسِمُ : كَمِائَةِ دِينَارٍ ، أَوْ كَدَارٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ ضَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ كُرِّ طَعَامٍ ، أَوْ قِنْطَارِ حَدِيدٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لِغَنِيَّيْنِ لَا يَجُوزُ - وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الصَّدَقَةِ بِذَلِكَ عَلَى فَقِيرَيْنِ ، أَوْ هِبَةِ ذَلِكَ لِفَقِيرَيْنِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْهِبَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : أَنَّهَا تَجُوزُ لِلْفَقِيرَيْنِ - وَفِي الْأَصْلِ : أَنَّهَا لَا تَجُوزُ ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفَقِيرَيْنِ كَذَلِكَ ، أَنَّهَا تَجُوزُ ، إلَّا فِي رِوَايَةٍ مُبْهَمَةٍ غَيْرِ مُبَيِّنَةٍ أَجْمَلَ فِيهَا الْمَنْعَ فَقَطْ . 107 وَقَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ وَهَبَ دَارًا لِاثْنَيْنِ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ جَازَ ذَلِكَ ، فَإِنْ وَهَبَ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَ ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ فَدَفَعَهَا إلَيْهِمَا مَعًا - : جَازَ ذَلِكَ ، فَإِنْ دَفَعَ إلَى الْوَاحِدِ ثُمَّ إلَى الْآخَرِ - : لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .
وَمَنَعَ سُفْيَانُ مِنْ هِبَةِ الْمُشَاعِ ، إلَّا أَنَّهُ أَجَازَ هِبَةَ وَاحِدٍ دَارًا لِاثْنَيْنِ ، وَهِبَةَ الِاثْنَيْنِ دَارًا لِوَاحِدٍ - وَمَنَعَ ابْنُ شُبْرُمَةَ مِنْ هِبَةِ الْمُشَاعِ ، وَمِنْ هِبَةِ وَاحِدٍ دَارًا لِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ، وَأَجَازَ هِبَةَ اثْنَيْنِ دَارًا لِوَاحِدٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَغَبًا مَوَّهُوا بِهِ إلَّا إنْ قَالُوا : قَبْضُ الْمُشَاعَ لَا يُمْكِنُ . فَقُلْنَا لَهُمْ : كَذَبْتُمْ ، بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ ، وَهَبْكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ أَجَزْتُمْ بَيْعَهُ ، وَالْبَيْعُ عِنْدَكُمْ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقَبْضِ ، وَلِمَ أَجَزْتُمْ إصْدَاقَهُ ، وَالصَّدَاقُ وَاجِبٌ فِيهِ الْإِقْبَاضُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } : وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } وَلِمَ أَجَزْتُمْ الْوَصِيَّةَ بِهِ ؟ وَلِمَ أَجَزْتُمْ إجَارَةَ الْمُشَاعِ مِنْ الشَّرِيكِ ، وَمَنَعْتُمْ الرَّهْنَ فِيهِ مِنْ الشَّرِيكِ ، وَمَنَعْتُمْ الْهِبَةَ مِنْ الشَّرِيكِ - وَأَقْرَبُ ذَلِكَ لِمَ أَجَزْتُمْ هِبَةَ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَالْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ . فَهَلْ فِي التَّلَاعُبِ وَالسَّخَافَةِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ؟ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِالرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِ الْغَابَةِ فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ لَكَانَ لَك ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ هِبَةِ الْمُشَاعِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا عَظِيمٌ جِدًّا ، وَفَاحِشُ الْقُبْحِ لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَثَانِيهَا - أَنَّهُ كَمْ قَوْلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ خَالَفْتُمُوهُمَا فِيهَا كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الزَّكَاةِ إنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتَ مَخَاضٍ فَابْنَ لَبُونٍ ذَكَرٍ ، وَكَتَرْكِهِ التَّضْحِيَةَ وَهُوَ غَنِيٌّ ، وَكَصِيَامِ عَائِشَةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَقَوْلِهَا : لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ مِنْ اللَّيْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا .
وَثَالِثُهَا - أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ قَدْ أَوْرَدْنَاهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الْقِصَّةِ .
وَرَابِعُهَا - أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ جِهَارًا بَلْ فِيهِ إجَازَةُ هِبَةِ جُزْءٍ 108 مِنْ الْمُشَاعِ لِغَنِيَّةٍ ; لِأَنَّهُ نَحَلَهَا جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ .
وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ - : إمَّا أَنْ يَكُونَ نَحَلَهَا مِنْ تِلْكَ النَّخْلِ مَا تَجِدُّ مِنْهَا عِشْرِينَ وَسْقًا ، أَوْ نَحَلَهَا عِشْرِينَ وَسْقًا مَجْدُودَةً ، فَهِيَ إمَّا عِدَةٌ بِأَنْ يَنْحَلَهَا ذَلِكَ - وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ; وَإِمَّا أَنَّهُ نَحَلَهَا وَأَمْضَى لَهَا ذَلِكَ الْمِقْدَارَ ، وَهُوَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَالْعَدَدِ وَالْعَيْنِ فِي مُشَاعٍ ، فَرَأَيَاهُ مَعًا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ جَائِزًا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْهُمْ ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ أَبُو بَكْرٍ لِذَلِكَ .
فَكَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ صُرَاحًا ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَهُ أَبُو بَكْرٍ بِنَصِّ قَوْلِهِ " لِأَنَّهَا لَمْ تَحُزْهُ " فَقَطْ ، وَلَوْ جَدَدْته وَحَازَتْهُ لَكَانَ نَافِذًا ، فَعَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ } .
فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَعُدْنَا إلَى قَوْلِنَا فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَضَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ ، وَالْفَضْلِ ، وَكَانَتْ الْهِبَةُ فِعْلَ خَيْرٍ ، وَقَدْ عَلِمَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ فِي أَمْوَالِ الْمَحْضُوضِينَ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مُشَاعًا وَغَيْرَ مُشَاعٍ ، فَلَوْ كَانَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ لَهُمْ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ فِي الْمُشَاعِ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ ، وَلَمَا كَتَمَهُ عَنْهُمْ ، وَمَنْ حَرَّمَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ أَوْجَبَ مَا لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَإِيجَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَأْمُورِ بِالتَّبْلِيغِ ، وَالْبَيَانِ - : فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَافْتَرَى عَلَيْهِ ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا .
فَصَحَّ يَقِينًا : أَنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ وَالصَّدَقَةَ بِهِ ، وَإِجَارَتَهُ وَرَهْنَهُ - : جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ - فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ - لِلشَّرِيكِ وَلِغَيْرِهِ ، وَلِلْغَنِيِّ وَلِلْفَقِيرِ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ نا شَرِيكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ " قَالَ : { أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُبَّةِ شَعْرٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَبْهَا لِي ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نُعَالِجُ الشَّعْرَ . فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : نَصِيبِي مِنْهَا لَكَ } وَهُمْ 109 يَحْتَجُّونَ بِالْمُرْسَلِ ، وَبِرِوَايَةِ شَرِيكٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ فَمَا صَرَفَهُمْ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ ؟ وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ : إنِّي وَرِثْت عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ مَالًا بِالْغَابَةِ ، وَقَدْ أَعْطَانِي مُعَاوِيَةُ بِهَا مِائَةَ أَلْفٍ ، فَهُوَ لَكُمَا ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَرِثَا مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا إنَّمَا وَرِثَا أَسْمَاءَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - فَهَذِهِ هِبَةٌ لِغَنِيَّيْنِ مُكْثِرَيْنِ مُشَاعَةً ، وَفِعْلُ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهَا مِنْهُمْ مُخَالِفٌ ، وَصَدَقَاتُ الصَّحَابَةِ عَلَى بَنِيهِمْ وَبَنِي بَنِيهِمْ بِغَلَّةِ أَوْقَافِهِمْ أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ صَدَقَةً أَوْ هِبَةً لِأَغْنِيَاءَ بِمُشَاعٍ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَ قِصَّةَ حُنَيْنٍ وَطَلَبَ هَوَازِنَ عِيَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ { فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ : وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
فَهَذِهِ هِبَةُ مُشَاعٍ وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ إذَا وَافَقَتْ تَقْلِيدَهُمْ .
وَالْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : { بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ فَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ ، لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً } فَهَذِهِ عَطِيَّةُ تَمْرٍ مُشَاعَةٍ .
وَالْحُجَّةُ تَقُومُ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ { أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى } وَذَكَرَ الْخَبَرَ - فَهَذِهِ هِبَةُ مُشَاعٍ لَمْ يَنْقَسِمْ .
110 وَأَمَّا مِنْ النَّظَرِ : فَلَيْسَ إلَّا مِلْكٌ صَحِيحٌ ، ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيمَا صَحَّ الْمِلْكُ فِيهِ وَلَا مَزِيدَ ، فَتَمَلُّكُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ بِالْجُزْءِ الْمُشَاعِ كَمَا مَلَكَهُ الْوَاهِبُ وَالْمُتَصَدِّقُ ، وَلَا فَرْقَ أَلْبَتَّةَ - وَيَتَصَرَّفُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ، وَالْمُتَصَدِّقُ ; وَالْمُكْتَرِي ، كَمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْوَاهِبُ ، وَالْمُتَصَدِّقُ ، وَالْمُكْتَرِي ، وَوُكَلَاؤُهُمْ وَلَا فَرْقَ ، وَتَكُونُ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ كَمَا هِيَ عَلَيْهِ يَدُ الرَّاهِنِ وَوَكِيلُهُ وَلَا فَرْقَ - وَهَذَا لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ، وَمَعْمَرِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ; وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا يَنْقَسِمُ ، وَلَا الصَّدَقَةُ بِهِ - لَا لِلشَّرِيكِ وَلَا لِغَيْرِهِ ، لَا عَلَى فَقِيرٍ وَلَا عَلَى غَنِيٍّ - وَتَجُوزُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ بِمُشَاعٍ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ وَلِلشَّرِيكِ وَلِغَيْرِهِ .
وَاَلَّذِي يَنْقَسِمُ عِنْدَهُ : الدُّورُ ، وَالْأَرَضُونَ ، وَالْمَكِيلَاتُ ، وَالْمَوْزُونَاتُ وَالْمَعْدُودَاتُ ، وَالْمَذْرُوعَاتُ - وَاَلَّذِي لَا يَنْقَسِمُ عِنْدَهُ الرَّأْسُ الْوَاحِدُ مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَالْحَمَامُ ، وَالسَّيْفُ ، وَاللُّؤْلُؤَةُ ، وَالثَّوْبُ ، وَالطَّرِيقُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .
قَالَ : وَالْإِجَارَةُ بِمُشَاعٍ مِمَّا يَنْقَسِمُ وَمِمَّا لَا يَنْقَسِمُ لَا تَجُوزُ أَلْبَتَّةَ ، إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ وَحْدَهُ - قَالَ : وَرَهْنُ الْمُشَاعِ الَّذِي يَنْقَسِمُ وَاَلَّذِي لَا يَنْقَسِمُ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ ، لَا مِنْ الشَّرِيكِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ .
قَالَ : وَبَيْعُ الْمُشَاعِ وَإِصْدَاقِهِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ - مِمَّا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ
- : جَائِزٌ مِنْ الشَّرِيكِ وَغَيْرِ الشَّرِيكِ ، وَكَذَلِكَ عِتْقُ الْمُشَاعِ فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ التَّقَاسِيمِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ ، وَلَا لَهَا فِي الدَّيَّانَةِ أَصْلٌ بِالْمَنْعِ خَاصَّةً فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ مِمَّا يَنْقَسِمُ : كَمِائَةِ دِينَارٍ ، أَوْ كَدَارٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ ضَيْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ كُرِّ طَعَامٍ ، أَوْ قِنْطَارِ حَدِيدٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لِغَنِيَّيْنِ لَا يَجُوزُ - وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الصَّدَقَةِ بِذَلِكَ عَلَى فَقِيرَيْنِ ، أَوْ هِبَةِ ذَلِكَ لِفَقِيرَيْنِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْهِبَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : أَنَّهَا تَجُوزُ لِلْفَقِيرَيْنِ - وَفِي الْأَصْلِ : أَنَّهَا لَا تَجُوزُ ، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفَقِيرَيْنِ كَذَلِكَ ، أَنَّهَا تَجُوزُ ، إلَّا فِي رِوَايَةٍ مُبْهَمَةٍ غَيْرِ مُبَيِّنَةٍ أَجْمَلَ فِيهَا الْمَنْعَ فَقَطْ . 107 وَقَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ وَهَبَ دَارًا لِاثْنَيْنِ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ جَازَ ذَلِكَ ، فَإِنْ وَهَبَ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثَ ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ فَدَفَعَهَا إلَيْهِمَا مَعًا - : جَازَ ذَلِكَ ، فَإِنْ دَفَعَ إلَى الْوَاحِدِ ثُمَّ إلَى الْآخَرِ - : لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .
وَمَنَعَ سُفْيَانُ مِنْ هِبَةِ الْمُشَاعِ ، إلَّا أَنَّهُ أَجَازَ هِبَةَ وَاحِدٍ دَارًا لِاثْنَيْنِ ، وَهِبَةَ الِاثْنَيْنِ دَارًا لِوَاحِدٍ - وَمَنَعَ ابْنُ شُبْرُمَةَ مِنْ هِبَةِ الْمُشَاعِ ، وَمِنْ هِبَةِ وَاحِدٍ دَارًا لِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ، وَأَجَازَ هِبَةَ اثْنَيْنِ دَارًا لِوَاحِدٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَغَبًا مَوَّهُوا بِهِ إلَّا إنْ قَالُوا : قَبْضُ الْمُشَاعَ لَا يُمْكِنُ . فَقُلْنَا لَهُمْ : كَذَبْتُمْ ، بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ ، وَهَبْكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ أَجَزْتُمْ بَيْعَهُ ، وَالْبَيْعُ عِنْدَكُمْ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقَبْضِ ، وَلِمَ أَجَزْتُمْ إصْدَاقَهُ ، وَالصَّدَاقُ وَاجِبٌ فِيهِ الْإِقْبَاضُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } : وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } وَلِمَ أَجَزْتُمْ الْوَصِيَّةَ بِهِ ؟ وَلِمَ أَجَزْتُمْ إجَارَةَ الْمُشَاعِ مِنْ الشَّرِيكِ ، وَمَنَعْتُمْ الرَّهْنَ فِيهِ مِنْ الشَّرِيكِ ، وَمَنَعْتُمْ الْهِبَةَ مِنْ الشَّرِيكِ - وَأَقْرَبُ ذَلِكَ لِمَ أَجَزْتُمْ هِبَةَ الْمُشَاعِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَالْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ . فَهَلْ فِي التَّلَاعُبِ وَالسَّخَافَةِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ؟ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِالرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِ الْغَابَةِ فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ لَكَانَ لَك ، هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ هِبَةِ الْمُشَاعِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا عَظِيمٌ جِدًّا ، وَفَاحِشُ الْقُبْحِ لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَثَانِيهَا - أَنَّهُ كَمْ قَوْلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ خَالَفْتُمُوهُمَا فِيهَا كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الزَّكَاةِ إنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتَ مَخَاضٍ فَابْنَ لَبُونٍ ذَكَرٍ ، وَكَتَرْكِهِ التَّضْحِيَةَ وَهُوَ غَنِيٌّ ، وَكَصِيَامِ عَائِشَةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَقَوْلِهَا : لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ مِنْ اللَّيْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا .
وَثَالِثُهَا - أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ قَدْ أَوْرَدْنَاهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الْقِصَّةِ .
وَرَابِعُهَا - أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ جِهَارًا بَلْ فِيهِ إجَازَةُ هِبَةِ جُزْءٍ 108 مِنْ الْمُشَاعِ لِغَنِيَّةٍ ; لِأَنَّهُ نَحَلَهَا جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ .
وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ - : إمَّا أَنْ يَكُونَ نَحَلَهَا مِنْ تِلْكَ النَّخْلِ مَا تَجِدُّ مِنْهَا عِشْرِينَ وَسْقًا ، أَوْ نَحَلَهَا عِشْرِينَ وَسْقًا مَجْدُودَةً ، فَهِيَ إمَّا عِدَةٌ بِأَنْ يَنْحَلَهَا ذَلِكَ - وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ; وَإِمَّا أَنَّهُ نَحَلَهَا وَأَمْضَى لَهَا ذَلِكَ الْمِقْدَارَ ، وَهُوَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَالْعَدَدِ وَالْعَيْنِ فِي مُشَاعٍ ، فَرَأَيَاهُ مَعًا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ جَائِزًا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْهُمْ ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ أَبُو بَكْرٍ لِذَلِكَ .
فَكَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ صُرَاحًا ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَهُ أَبُو بَكْرٍ بِنَصِّ قَوْلِهِ " لِأَنَّهَا لَمْ تَحُزْهُ " فَقَطْ ، وَلَوْ جَدَدْته وَحَازَتْهُ لَكَانَ نَافِذًا ، فَعَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ } .
فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَعُدْنَا إلَى قَوْلِنَا فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَضَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ ، وَالْفَضْلِ ، وَكَانَتْ الْهِبَةُ فِعْلَ خَيْرٍ ، وَقَدْ عَلِمَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ فِي أَمْوَالِ الْمَحْضُوضِينَ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مُشَاعًا وَغَيْرَ مُشَاعٍ ، فَلَوْ كَانَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ لَهُمْ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ فِي الْمُشَاعِ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ ، وَلَمَا كَتَمَهُ عَنْهُمْ ، وَمَنْ حَرَّمَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ أَوْجَبَ مَا لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَإِيجَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَأْمُورِ بِالتَّبْلِيغِ ، وَالْبَيَانِ - : فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَافْتَرَى عَلَيْهِ ، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا .
فَصَحَّ يَقِينًا : أَنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ وَالصَّدَقَةَ بِهِ ، وَإِجَارَتَهُ وَرَهْنَهُ - : جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ - فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ - لِلشَّرِيكِ وَلِغَيْرِهِ ، وَلِلْغَنِيِّ وَلِلْفَقِيرِ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ نا شَرِيكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ " قَالَ : { أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُبَّةِ شَعْرٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَبْهَا لِي ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نُعَالِجُ الشَّعْرَ . فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : نَصِيبِي مِنْهَا لَكَ } وَهُمْ 109 يَحْتَجُّونَ بِالْمُرْسَلِ ، وَبِرِوَايَةِ شَرِيكٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ فَمَا صَرَفَهُمْ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ ؟ وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ : إنِّي وَرِثْت عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ مَالًا بِالْغَابَةِ ، وَقَدْ أَعْطَانِي مُعَاوِيَةُ بِهَا مِائَةَ أَلْفٍ ، فَهُوَ لَكُمَا ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يَرِثَا مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا إنَّمَا وَرِثَا أَسْمَاءَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - فَهَذِهِ هِبَةٌ لِغَنِيَّيْنِ مُكْثِرَيْنِ مُشَاعَةً ، وَفِعْلُ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهَا مِنْهُمْ مُخَالِفٌ ، وَصَدَقَاتُ الصَّحَابَةِ عَلَى بَنِيهِمْ وَبَنِي بَنِيهِمْ بِغَلَّةِ أَوْقَافِهِمْ أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ صَدَقَةً أَوْ هِبَةً لِأَغْنِيَاءَ بِمُشَاعٍ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَ قِصَّةَ حُنَيْنٍ وَطَلَبَ هَوَازِنَ عِيَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ { فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ : وَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
فَهَذِهِ هِبَةُ مُشَاعٍ وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ إذَا وَافَقَتْ تَقْلِيدَهُمْ .
وَالْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : { بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ فَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ ، لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً } فَهَذِهِ عَطِيَّةُ تَمْرٍ مُشَاعَةٍ .
وَالْحُجَّةُ تَقُومُ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ { أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى } وَذَكَرَ الْخَبَرَ - فَهَذِهِ هِبَةُ مُشَاعٍ لَمْ يَنْقَسِمْ .
110 وَأَمَّا مِنْ النَّظَرِ : فَلَيْسَ إلَّا مِلْكٌ صَحِيحٌ ، ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيمَا صَحَّ الْمِلْكُ فِيهِ وَلَا مَزِيدَ ، فَتَمَلُّكُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ بِالْجُزْءِ الْمُشَاعِ كَمَا مَلَكَهُ الْوَاهِبُ وَالْمُتَصَدِّقُ ، وَلَا فَرْقَ أَلْبَتَّةَ - وَيَتَصَرَّفُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ، وَالْمُتَصَدِّقُ ; وَالْمُكْتَرِي ، كَمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْوَاهِبُ ، وَالْمُتَصَدِّقُ ، وَالْمُكْتَرِي ، وَوُكَلَاؤُهُمْ وَلَا فَرْقَ ، وَتَكُونُ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ كَمَا هِيَ عَلَيْهِ يَدُ الرَّاهِنِ وَوَكِيلُهُ وَلَا فَرْقَ - وَهَذَا لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث