المغني
المغني · الجزء الأول
page 28 · printed p. 36
( 27 ) فَصْلٌ فِي الْمَاءِ الْجَارِي : نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاءِ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ : قَدْ قِيلَ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي . وَقَالَ فِي الْبِئْرِ يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ : هُوَ وَاقِفٌ لَا يَجْرِي ، لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي .
فَعَلَى هَذَا لَا يَتَنَجَّسُ الْجَارِي إلَّا بِتَغَيُّرِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي تَنْجِيسِهِ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ ; وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { ۝ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } ، وَقَوْلِهِ : " الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ " . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَنْجِيسِ قَلِيلِهِ ; بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { ۝ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } .
قُلْنَا : هَذَا حُجَّةٌ عَلَى طَهَارَتِهِ ; لِأَنَّ مَاءَ السَّاقِيَةِ بِمَجْمُوعِهِ قَدْ بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَلَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ ، وَتَخْصِيصُ الْجِرْيَةِ مِنْهُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ الْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجَارِي عَلَيْهِ ، لِقُوَّتِهِ بِجَرَيَانِهِ وَاتِّصَالِهِ بِمَادَّتِهِ ، ثُمَّ الْخَبَرُ إنَّمَا يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى نَفْيِ النَّجَاسَةِ عَمَّا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ هَاهُنَا بِمَفْهُومِهِ ، وَقَضَاءُ حَقِّ الْمَفْهُومِ يَحْصُلُ بِمُخَالَفَةِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لِمَا بَلَغَهُمَا ، وَقَدْ حَصَلْت الْمُخَالَفَةُ بِكَوْنِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَفْتَرِقُ فِيهِ الْمَاءُ الْجَارِي وَالرَّاكِدُ فِي التَّنْجِيسِ ، وَمَا بَلَغَهُمَا لَا يَخْتَلِفُ ، وَهَذَا كَافٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُهُ : كُلُّ جِرْيَةٍ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي مُعْتَبَرَةٌ بِنَفْسِهَا ، فَإِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَارِيَةً مَعَ الْمَاءِ ، فَمَا أَمَامَهَا طَاهِرٌ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ ، وَمَا خَلْفَهَا طَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا ، وَالْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ إنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ ، إلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ وَاقِفَةً فِي جَانِبِ النَّهْرِ ، أَوْ قَرَارِهِ ، أَوْ فِي وَهْدَةٍ مِنْهُ ، فَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ ، وَإِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ ، إلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ .
وَالْجِرْيَةُ : هِيَ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ النَّجَاسَةُ ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا ، مِمَّا الْعَادَةُ انْتِشَارُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَنْتَشِرُ ، مَعَ مَا يُحَاذِي ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا بَيْنَ طَرَفَيْ النَّهْرِ .
فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُمْتَدَّةً فَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مِثْلُ تِلْكَ الْجِرْيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ ، وَلَا يُجْعَلُ جَمِيعُ مَا يُحَاذِيهَا جِرْيَةً وَاحِدَةً ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ ، وَنَفْيِ التَّنْجِيسِ عَنْ الْكَثِيرِ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ ، فَإِنَّ الْمُحَاذِيَ لِلْكَثِيرَةِ كَثِيرٌ فَلَا يَتَنَجَّسُ ، وَالْمُحَاذِي 36 لِلْقَلِيلَةِ قَلِيلٌ فَيَتَنَجَّسُ ، فَإِنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا كَلْبًا فِي جَانِبِ نَهْرٍ ، وَشَعْرَةٌ مِنْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ ، لَكَانَ الْمُحَاذِي لِلشَّعْرَةِ لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ ; لِقِلَّةِ مَا يُحَاذِيهَا ، وَالْمُحَاذِي لِلْكَلْبِ يَبْلُغُ قِلَالًا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّ الْجِرْيَةَ الْمُحَاذِيَةَ لِلنَّجَاسَةِ فِيمَا بَيْنَ طَرَفَيْ النَّهْرِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْقَلِيلَةِ ، قُلْنَا : الشَّرْعُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، وَهُوَ أَصْلٌ ، فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَارِي ، الَّذِي هُوَ فَرْعٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith