حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير · الجزء الأول
( قَوْلُهُ : عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ ) قِيلَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَى جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّنَاءُ لِأَجْلِ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ فَلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَةِ الْجِنَانِ لِلِّسَانِ عَلَى الثَّنَاءِ ، أَمَّا إذَا أَثْنَى بِلِسَانِهِ ، وَقَلْبُهُ مُعْتَقِدٌ خِلَافَهُ فَلَا يَكُونُ حَمْدًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ ( قَوْلُهُ : كَانَ ) أَيْ الْجَمِيلُ أَيْ الِاخْتِيَارِيُّ نِعْمَةً كَالْعَطَايَا أَوْ لَا كَالْعِبَادَاتِ وَحُسْنِ الْخَطِّ مَثَلًا فَهُوَ تَعْمِيمٌ فِي الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ
( قَوْلُهُ : فِعْلٌ ) أَيْ مِنْ الْحَامِدِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ مَا قَابَلَ الِانْفِعَالَ فَيَشْمَلُ الْكَيْفَ كَالِاعْتِقَادَاتِ ( قَوْلُهُ : يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ ) أَيْ يَدُلُّ مَنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ الَّذِي هُوَ الْمَحْمُودُ فَدَخَلَ الِاعْتِقَادُ فَلَا يُقَالُ : الْإِنْبَاءُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَلَا يَظْهَرُ فِي الِاعْتِقَادِ إذْ لَا اطِّلَاعَ لِغَيْرِ الْحَامِدِ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ عَلَى غَيْرِ الْحَامِدِ ) أَيْ ، وَلَوْ كَانَ إنْعَامُهُ عَلَى غَيْرِ الْحَامِدِ ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ : إنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ التَّعْظِيمُ بِالْمُشْتَقِّ وَهُوَ الْمُنْعِمُ ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ ( قَوْلُهُ : مَنْصُوبٌ ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ 11 مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ( قَوْلُهُ : كَذَا قِيلَ ) قَائِلُهُ الْعَلَّامَةُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْمُصَنِّفِ
( قَوْلُهُ : وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ) أَيْ الْخَبَرَ وَهُوَ لِلَّهِ وَقَوْلُهُ : أَجْنَبِيٌّ أَيْ مِنْ الْحَمْدِ ( قَوْلُهُ : مِنْ جِهَةِ الْمَصْدَرِيَّةِ ) أَيْ مَصْدَرِيَّةِ الْحَمْدِ ( قَوْلُهُ : لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ ) أَيْ الْحَمْدِ مُبْتَدَأً أَيْ ; لِأَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ مَعْمُولٌ لِلْمُبْتَدَإِ ( قَوْلُهُ : يَعْنِي إلَخْ ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَمْدَ لَهُ جِهَتَانِ جِهَةُ كَوْنِهِ مَصْدَرًا وَجِهَةُ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَهُوَ بِهَذِهِ الْجِهَةِ يُغَايِرُ نَفْسَهُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، وَقَدْ عَمِلَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً فِي لِلَّهِ فَلَوْ عَمِلَ فِي حَمْدًا لَكَانَ بِالْجِهَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ جِهَةُ الْمَصْدَرِيَّةِ فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ الذَّاتِيِّ مُنِعَ عَمَلُهُ فِي حَمْدًا لِوُجُودِ الْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ الذَّاتِيِّ صَحَّ عَمَلُهُ فِيهِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ فَصْلٌ بِأَجْنَبِيٍّ حَقِيقَةً وَالْأَوَّلُ مَلْحَظُ النَّاصِرِ وَالثَّانِي مَلْحَظُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْحَقُّ ( قَوْلُهُ : يُوَافِي مَا تَزَايَدَ إلَخْ ) أَيْ يُقَابِلُ مَا تَزَايَدَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَيَأْتِي عَلَيْهَا وَلَمَّا كَانَتْ النِّعَمُ لَا تُحْصَى وَلَا تَتَنَاهَى لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَمْدَ لَا يُحْصَى وَلَا يُعَدُّ ; لِأَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى لَا يُقَابِلُهُ إلَّا مِثْلُهُ
إنْ قُلْتَ حَمْدُ الْمُصَنِّفِ جُزْئِيٌّ فَكَيْفَ لَا يَتَنَاهَى ؟ قُلْتُ : الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَنَاهَى بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِهِ وَهُوَ الْمَحْمُودُ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الْكَمَالِيَّةِ وَهِيَ لَا تَتَنَاهَى أَوْ يُقَالُ جَعَلَهُ غَيْرَ مُتَنَاهٍ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ لَكِنْ تَخْيِيلًا لَا تَحْقِيقًا ( قَوْلُهُ : أَيْ زَادَ ) هُوَ بِمَعْنَى كَثُرَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا ; لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ الْحَمْدَ يَفِي بِالنِّعَمِ لَا الْعَكْسُ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذَلِكَ إلَى صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَفَاءِ بِسَبَبِ مَا فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فَكَأَنَّ الْحَامِدَ يُرِيدُ أَنْ يَغْلِبَ النِّعَمَ وَيَزِيدَ عَلَيْهَا ( قَوْلُهُ : بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ مُنْعَمٍ بِهِ ) حَاصِلُهُ أَنَّ النِّعَمَ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَلَمَّا كَانَتْ النِّعْمَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْإِنْعَامِ الَّذِي هُوَ إيصَالُ الْمُنْعَمِ بِهِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ وَهُوَ هُنَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ الْمُنْعَمِ بِهِ نَبَّهَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ مُنْعَمٍ بِهِ عَلَى جَوَازِ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ أَمْكَنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى الْمُنْعَمِ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَأَمَّا عَلَى الْمُنْعَمِ بِهِ فَبِوَاسِطَةِ أَنَّهُ أَثَرُ الْإِنْعَامِ وَمَا كَانَ بِلَا وَاسِطَةٍ أَقْوَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُنْعَمَ بِهِ لَا يَكُونُ نِعْمَةً حَقِيقَةً إلَّا إذَا كَانَتْ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ كَذَا قَالَتْ الْأَشَاعِرَةُ فَمِنْ ثَمَّ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ بَلْ مَا أَلَذَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَهُوَ اسْتِدْرَاجٌ لَهُ حَيْثُ يُلِذُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ إلَى الْمَوْتِ ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ : إنَّهَا نِعْمَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الشُّكْرُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَلَاذَّ الْوَاصِلَةَ إلَيْهِمْ نِقَمٌ فِي صُورَةِ نِعَمٍ فَسَمَّاهَا الْأَشَاعِرَةُ نِقَمًا نَظَرًا لِحَقِيقَتِهَا وَالْمُعْتَزِلَةُ سَمَّتْهَا نِعَمًا 12 نَظَرًا لِصُورَتِهَا ( قَوْلُهُ : هُوَ لُغَةً الْحَمْدُ عُرْفًا ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالشُّكْرُ لُغَةً فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الشَّاكِرِ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ قَوْلًا بِاللِّسَانِ أَوْ اعْتِقَادًا بِالْجِنَانِ أَوْ عَمَلًا بِالْأَرْكَانِ ( قَوْلُهُ : صَرْفُ الْعَبْدِ إلَخْ ) الْمُرَاد بِصَرْفِ تِلْكَ النِّعَمِ فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ أَنْ لَا يَصْرِفَهَا أَصْلًا فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ اسْتِعْمَالَهَا دَائِمًا وَأَبَدًا فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ وَإِلَّا لَخَرَجَ مِثْلُ الْأَنْبِيَاءِ إذْ كَانُوا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَشْتَغِلُونَ بِنَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ حَدِيثٍ مَعَ النَّاسِ مَعَ أَنَّهُمْ قَطْعًا شَاكِرُونَ
( قَوْلُهُ : وَغَيْرِهِ ) أَيْ الْقُوَى الْخَمْسِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ وَالْأَعْضَاءِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ( قَوْلُهُ : إيَّاهُ ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَذَفَ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لِأَوْلَى ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ نَا فِي أَوْلَانَا ( قَوْلُهُ : النِّعَمُ الْوَاصِلَةُ لَهُ إلَخْ ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ مِمَّا بِهِ كَمَالُ الذَّاتِ مِنْ ذُكُورَةٍ وَسَلَامَةِ أَعْضَاءٍ وَصِحَّةِ بَدَنٍ أَوْ كَانَتْ مِمَّا بِهِ كَمَالُ الصِّفَاتِ مِنْ الْإِيمَانِ وَتَوَابِعِهِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالطَّاعَاتِ ( قَوْلُهُ : إذْ الْكَرَمُ إلَخْ ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ : وَالْمُرَادُ بِهِمَا النِّعَمُ الْوَاصِلَةُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ إلَخْ ( قَوْلُهُ : يُوهِمُ ) أَيْ يُوقِعُ فِي وَهْمِ السَّامِعِ وَفِي ذِهْنِهِ ، وَقَوْلُهُ : إنَّهُ أَحْصَى أَيْ ضَبَطَ وَعَدَّ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ تَفْصِيلًا أَيْ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى ; لِأَنَّ نِعَمَهُ تَعَالَى لَا تُحْصَى فَلَا يَتَأَتَّى إحْصَاءُ الثَّنَاءِ عَلَيْهَا تَفْصِيلًا
( قَوْلُهُ : دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ لَا أُحْصِي إلَخْ ) أَيْ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : أَنَا وَإِنْ أَشَرْت فِي حَمْدِي إلَى أَنَّهُ مُحْصًى مُتَنَاهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّسَاهُلِ إذْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَعُدَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَوْلَى مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ ( قَوْلُهُ : أَيْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى عَدِّ ذَلِكَ تَفْصِيلًا ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى سَلْبِ الْعُمُوم أَيْ لَا أَقْدِرُ عَلَى عَدِّ الثَّنَاءَاتِ عَلَيْهِ تَفْصِيلًا ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ السَّلْبِ فَاللَّفْظُ لَمْ يُطَابِقْ الْمُرَادَ مِنْهُ بَلْ يُضَادُّهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَأْنَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ 13 النَّفْيِ تُفِيدُ عُمُومَ السَّلْبِ أَيْ تَسَلُّطَ النَّفْيِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ هُنَا ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَدُّ أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَفْرَادِ الثَّنَاءِ فَضْلًا عَنْ ثَنَاءٍ وَاحِدٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ سَلْبُ الْعُمُومِ وَهُوَ تَسَلُّطُ النَّفْيِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَفْرَادِ أَيْ لَا أَعُدُّ كُلَّ ثَنَاءٍ عَلَيْك تَفْصِيلًا ; لِأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَيْك أَفْرَادُهُ لَا تَتَنَاهَى فَاللَّفْظُ لَا يُوَافِقُ الْمُرَادَ مِنْهُ بَلْ يُنَاقِضُهُ ; لِأَنَّ سَلْبَ الْعُمُومِ يَتَضَمَّنُ إثْبَاتًا جُزْئِيًّا وَعُمُومُ السَّلْبِ يَتَضَمَّنُ سَلْبًا كُلِّيًّا .
( قَوْلُهُ : فَكَيْفَ يُحْصَى إلَخْ ) اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ بِمَعْنَى النَّفْيِ أَنْ لَا يُمْكِنَ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ : هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ فِي عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلَّهِ كَضَمِيرِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ صِفَةٌ لِثَنَاءٍ أَيْ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ مِثْلَ ثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَدَمِ التَّنَاهِي ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ مَا سَلَكَهُ الشَّارِحُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الثَّنَاءِ ، فَإِنْ رَجَعَ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ خَبَرُهُ وَالْكَافُ فِيهِ زَائِدَةٌ ، وَمَا إمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالتَّقْدِيرُ : اللَّهُ الَّذِي أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ اللَّهُ مُثْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلثَّنَاءِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كَمَا أَيْضًا أَيْ الثَّنَاءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُ الثَّنَاءِ الَّذِي أَثْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مِثْلُ ثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ
( قَوْلُهُ : فَإِنَّهُ فِي قُدْرَتِهِ تَفْصِيلًا ) الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ أَيْ كَثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَدَمِ التَّنَاهِي ، وَإِنْ كَانَ فِي قُدْرَتِهِ عَدُّ ذَلِكَ تَفْصِيلًا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ إلَخْ ) يَجْرِي فِي الْحَدِيثِ مَا جَرَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِعْرَابِ مَا عَدَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ ( قَوْلُهُ : كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك ) أَيْ كَثَنَائِك عَلَى نَفْسِك فِي عَدَمِ التَّنَاهِي ، وَإِنْ كَانَ فِي قُدْرَتِك أَنْ تُحْصِيَهُ ( قَوْلُهُ : : وَنَسْأَلُهُ اللُّطْفَ إلَخْ ) أَسْنَدَ الْمُصَنِّفُ الْفِعْلَ مِنْ لَا أُحْصِي إلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ وَمِنْ وَنَسْأَلُهُ إلَى ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ ، وَالشَّأْنُ أَنَّهُ إنَّمَا يُثْبِتُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَالثَّانِي دُعَاءٌ وَالْمَطْلُوبُ فِيهِ مُشَارَكَةُ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ كَذَا قِيلَ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ضَمِيرَ وَنَسْأَلُهُ لِلْمُصَنِّفِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ إنَّمَا هِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي الْمَطْلُوبِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ لَهُ عَامًّا لَا فِي الطَّلَبِ بِحَيْثُ يَكُونُ الدَّاعِي جَمَاعَةً وَفِي سُؤَالِهِ اللُّطْفَ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَقْلِيًّا لَمْ يَسْأَلْهُ كَمَا لَا يُسْأَلُ الْمَوْتُ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَادِيٌّ ثُمَّ إنَّ الْوَاوَ فِي وَنَسْأَلُهُ لِلِاسْتِئْنَافِ إنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ الْحَمْدِ خَبَرِيَّةً وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهَا حِينَئِذٍ عَاطِفَةً لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَأَمَّا لَوْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ الْحَمْدِ إنْشَائِيَّةً كَانَتْ الْوَاوُ عَاطِفَةً لِجُمْلَةٍ إنْشَائِيَّةٍ عَلَى مِثْلِهَا ( قَوْلُهُ : الدِّقَّةُ ) أَيْ قِلَّةُ الْأَجْزَاءِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا ( قَوْلُهُ : وَالْإِعَانَةَ ) هِيَ وَالْعَوْنُ وَالْمَعُونَةُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِقْدَارُ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ إلَخْ وَعَطْفُهَا عَلَى اللُّطْفِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ اللُّطْفِ ( قَوْلُهُ : الْإِقْدَارَ ) أَيْ خَلْقَ الْقُدْرَةِ ( قَوْلُهُ : وَالْمُلِمَّاتِ ) أَيْ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ النَّازِلَةِ بِالْعَبْدِ الَّتِي لَا تُلَائِمُهُ ، مِنْ أَلَمَّ إذَا نَزَلَ جَمْعُ مُلِمَّةٍ ( قَوْلُهُ : فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ) جَمْعُ حَالٍ قَالَ النَّاصِرُ وَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ الْأَوْقَاتُ وَقَالَ ح : الْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ صِفَاتُ الشَّخْصِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْمُتَّصِلَاتِ أَوْ مِنْ الْإِضَافِيَّاتِ وَالْمُرَادُ بِالْمُتَّصِلَاتِ الصِّفَاتُ الَّتِي لَهَا قِيَامٌ بِالشَّخْصِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهَا لَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ كَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِضَافِيَّاتِ الصِّفَاتُ الَّتِي لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا فِي الشَّخْصِ بِذَاتِهَا بَلْ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ كَالِاسْتِقْرَارِ فِي الزَّمَانِ الْفُلَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ ( قَوْلُهُ : يَعْنِي نَفْسَهُ ) هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ نَسْأَلُهُ لِلْمُصَنِّفِ وَحْدَهُ وَقَوْلُهُ : : وَيَحْتَمِلُ وَغَيْرُهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى جَعْلِ ضَمِيرِ نَسْأَلُهُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَوْلُهُ : الْإِنْسَانُ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ وَالْأَصْلُ وَحَالَ حُلُولِي أَوْ حُلُولِنَا ( قَوْلُهُ : فِي رَمْسِهِ ) 14 اعْلَمْ أَنَّ الرَّمْسَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ رَمَسَتْ الرِّيحُ الْأَرْضَ بِالتُّرَابِ إذَا سَتَرَتْهُ بِهِ فَهُوَ سَتْرُ الْأَرْضِ بِالتُّرَابِ ثُمَّ نُقِلَ لِتُرَابِ الْقَبْرِ ثُمَّ لِلْقَبْرِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ رَمْسًا ; لِأَنَّهُ يُرْمَسُ فِيهِ الْمَيِّتُ أَيْ يُغَيَّبُ فِيهِ
( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا خَصَّ إلَخْ ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةٍ وَمَا النُّكْتَةُ هُنَا ( قَوْلُهُ : لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِ لِلُّطْفِ وَالْإِعَانَةِ فِيهَا ) أَيْ لِشِدَّةِ احْتِيَاجِ الْإِنْسَانِ لِلرِّفْقِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ الْمُلِمَّاتِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَالَةِ حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ ( قَوْلُهُ : هُوَ الْوَاسِطَةَ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ وَصَلَتْ إلَيْنَا مِنْ اللَّهِ ) أَيْ حَتَّى الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ أَيْ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ النِّعَمِ فَهِيَ إنَّمَا حَصَلَتْ لَنَا بِبَرَكَتِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ ( قَوْلُهُ : وَلَا سِيَّمَا عِلْمَ الشَّرَائِعِ ) أَيْ خُصُوصًا عِلْمَ الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ وُصُولَهُ إلَيْنَا مِنْ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى يَدَيْهِ وَبِوَاسِطَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ . وَأَصْلُ سِيَّ سِيْوَ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسَبَقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ وَسِيُّ الشَّيْءِ مِثْلُهُ فَمَعْنَى لَا سِيَّمَا زَيْدٌ لَا مِثْلَ زَيْدٍ فَإِذَا قِيلَ أُحِبُّ الْعُلَمَاءَ لَا سِيَّمَا زَيْدٌ فَمَعْنَاهُ لَا مِثْلَ زَيْدٍ بَلْ مَحَبَّةُ زَيْدٍ أَكْثَرُ مِنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَزِمَتْهَا لَا النَّافِيَةُ وَالْوَاوُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهَا فَاسْتِعْمَالُهَا بِدُونِ لَا أَوْ بِدُونِ وَاوٍ قَلِيلٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا بَعْدَهَا إنْ كَانَ مَعْرِفَةً كَمَا هُنَا جَازَ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ هُوَ صَدْرُ الصِّلَةِ وَفَتْحَةُ سِيَّ فَتْحَةُ إعْرَابٍ لِإِضَافَتِهَا لِمَا الْمَوْصُولَةِ ، وَجَازَ فِيهِ الْجَرُّ عَلَى أَنَّ مَا زَائِدَةٌ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ ، وَجَازَ فِيهِ النَّصْبُ عَلَى أَنَّ مَا بِمَعْنَى شَيْءٌ وَالْمَعْرِفَةُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ لَا تَمْيِيزَ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ فَمَنَعَ النَّصْبَ ; لِأَنَّ التَّمْيِيزَ وَاجِبُ التَّنْكِيرِ ، وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا نَكِرَةٌ كَمَا فِي وَلَا سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جَلْجَلَ جَازَ فِي النَّكِرَةِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ لَكِنَّ النَّصْبَ عَلَى التَّمْيِيزِ ( قَوْلُهُ : وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ) أَيْ تَأَكَّدَ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَيَبْعُدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَّرَهَا لِزَمَنِ التَّأْلِيفِ وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ تَجِبُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ يَعْقُبُهُ سَلَامٌ وَقَالَ قَوْمٌ : إنَّهَا تَجِبُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَبِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ
( قَوْلُهُ : وَالتَّبْجِيلِ ) مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ ( قَوْلُهُ : : فَهِيَ ) أَيْ الصَّلَاةُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الرَّحْمَةِ أَيْ أَقَلُّ إفْرَادًا مِنْهَا وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِتَعْظِيمٍ أَوْ لَا ، وَعَلَى هَذَا فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ( قَوْلُهُ : وَلِذَا ) أَيْ لِأَجْلِ كَوْنِهَا أَخَصَّ ( قَوْلُهُ : لَا تُطْلَبُ ) أَيْ مِنْ اللَّهِ ( قَوْلُهُ : إلَّا تَبَعًا ) أَيْ لِطَلَبِهَا لِلْمَعْصُومِ وَطَلَبِهَا لِغَيْرِ الْمَعْصُومِ اسْتِقْلَالًا قِيلَ حَرَامٌ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا ( قَوْلُهُ : وَمِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ إنْسًا أَوْ جِنًّا أَوْ مَلَكًا ( قَوْلُهُ : وَالدُّعَاءُ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقَوْلُهُ : بِاسْتِغْفَارٍ أَيْ كَانَ الدُّعَاءُ بِاسْتِغْفَارٍ أَوْ غَيْرِهِ ( قَوْلُهُ : أَيْ التَّحِيَّةُ ) 15 أَيْ مِنْ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْجَنَّةِ بِتَحِيَّةٍ لَائِقَةٍ بِهِ كَمَا يُحَيِّي بَعْضُنَا بَعْضًا بِقَوْلِنَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ( قَوْلُهُ : أَوْ الْأَمَانُ ) أَيْ مِنْ الْمَخَاوِفِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بَشَرًا يَلْحَقُهُ الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا ; لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ وَلِذَا قَالَ : أَنَا أَخْوَفُكُمْ مِنْ اللَّهِ ( قَوْلُهُ : عَلَى مُحَمَّدٍ ) خَبَرٌ عَنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَيْ كَائِنَانِ عَلَى مُحَمَّدٍ أَيْ لَهُ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى فَقَدْ طَلَبَ الْمُصَنِّفُ مِنْ اللَّهِ صَلَاتَهُ أَيْ نِعْمَتَهُ الْمَقْرُونَةَ بِالتَّعْظِيمِ وَسَلَامَهُ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ( قَوْلُهُ : عَلَمٌ ) أَيْ شَخْصِيٌّ عَلَى الذَّاتِ الشَّرِيفَةِ ( قَوْلُهُ : مَنْقُولٌ ) أَيْ لَا مُرْتَجَلٌ ثُمَّ إنَّ نَقْلَ الْأَعْلَامِ تَارَةً يَكُونُ مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ كَحَارِثٍ وَحَامِدٍ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ الْمَصْدَرِ كَزَيْدٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ زَادَ الْمَالُ يَزِيدُ زَيْدًا وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ كَحَسَنٍ وَسَعِيدٍ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ اسْمِ الْجِنْسِ كَأَسَدٍ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ الْفِعْلِ كَيَزِيدَ وَيَشْكُرَ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ اسْمِ الْمَفْعُولِ كَمُحَمَّدٍ وَلِذَا قَالَ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ لَا مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ وَلَا مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُ ( قَوْلُهُ : الْمُضَعَّفِ ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفِ أَيْ الْفِعْلُ الْمُضَعَّفُ ( قَوْلُهُ : أَيْ الْمُكَرَّرُ الْعَيْنُ ) أَيْ وَهُوَ حَمَّدَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَقَوْلُهُ : أَيْ الْمُكَرَّرُ إلَخْ أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُضَعَّفِ مَا كَانَتْ لَامُهُ وَعَيْنُهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَمَسَّ وَظَلَّ لِعَدَمِ صِحَّةِ إرَادَةِ ذَلِكَ هُنَا ( قَوْلُهُ : سُمِّيَ بِهِ ) أَيْ بِذَلِكَ الْعَلَمِ الْمَنْقُولِ نَبِيُّنَا إلَخْ وَاَلَّذِي سَمَّاهُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا ( قَوْلُهُ : : رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ إلَخْ ) أَيْ لِأَجْلِ رَجَاءِ ذَلِكَ وَالْمُتَرَجِّي لِذَلِكَ هُوَ جَدُّهُ الْمُسَمِّي لَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ ( قَوْلُهُ : وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ ذَلِكَ ) أَيْ الْأَمْرَ الْمَرْجُوَّ لِجَدِّهِ ( قَوْلُهُ : الْكَامِلِ ) أَيْ فِي الشَّرَفِ ( قَوْلُهُ : الشَّامِلِ ) أَيْ لِكُلِّ الْأُمُورِ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى التَّقِيِّ ) أَيْ الْمُمْتَثِلِ لِلْأَوَامِرِ وَالْمُجْتَنِبِ لِلنَّوَاهِي وَقَوْلُهُ : الْفَاضِلِ أَيْ الَّذِي عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ بِعِلْمٍ أَوْ طَاعَةٍ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى الْحَلِيمِ ) أَيْ الَّذِي عِنْدَهُ صَفْحٌ عَنْ الزَّلَّاتِ وَقَوْلُهُ : الْكَرِيمُ أَيْ الَّذِي عِنْدَهُ كَرَمٌ وَسَخَاوَةٌ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى الْفَقِيهِ الْعَالِمِ ) الْفَقِيهِ مَنْ عِنْدَهُ دِرَايَةٌ بِالْفِقْهِ وَالْعَالِمُ مَنْ عِنْدَهُ دِرَايَةٌ بِالْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَ فِقْهًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْعُلُومِ فَالْوَصْفُ بِالْعَالِمِ أَبْلَغُ مِنْ الْوَصْفِ بِالْفَقِيهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي ، وَالْمُرَادُ أَنَّ السَّيِّدَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دِرَايَةٌ فِي الْفِقْهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ .
( قَوْلُهُ : مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ سَجِيَّةً ) أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا سُكَّانَ بَادِيَةٍ أَوْ حَاضِرَةٍ أَيْ وَأَمَّا الْأَعْرَابُ فَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ بِقَيْدِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَقِيلَ مُطْلَقًا ، وَلَوْ تَكَلَّمُوا بِالْعَجَمِيَّةِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ وَعَلَيْهِ فَبَيْنَ الْعَرَبِ وَالْأَعْرَابِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي سُكَّانِ الْبَادِيَةِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ سَجِيَّةً ، وَانْفِرَادُ الْعَرَبِ فِيمَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ سَجِيَّةً وَهُمْ سُكَّانُ الْحَاضِرَةِ ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ وَالنِّسْبَةُ إلَى الْعَرَبِ عَرَبِيٌّ وَإِلَى الْأَعْرَابِ أَعْرَابِيٌّ
( قَوْلُهُ : فِعْلٌ ) أَيْ مِنْ الْحَامِدِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ مَا قَابَلَ الِانْفِعَالَ فَيَشْمَلُ الْكَيْفَ كَالِاعْتِقَادَاتِ ( قَوْلُهُ : يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ ) أَيْ يَدُلُّ مَنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ الَّذِي هُوَ الْمَحْمُودُ فَدَخَلَ الِاعْتِقَادُ فَلَا يُقَالُ : الْإِنْبَاءُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَلَا يَظْهَرُ فِي الِاعْتِقَادِ إذْ لَا اطِّلَاعَ لِغَيْرِ الْحَامِدِ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ عَلَى غَيْرِ الْحَامِدِ ) أَيْ ، وَلَوْ كَانَ إنْعَامُهُ عَلَى غَيْرِ الْحَامِدِ ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ : إنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ التَّعْظِيمُ بِالْمُشْتَقِّ وَهُوَ الْمُنْعِمُ ; لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ ( قَوْلُهُ : مَنْصُوبٌ ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ 11 مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ( قَوْلُهُ : كَذَا قِيلَ ) قَائِلُهُ الْعَلَّامَةُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْمُصَنِّفِ
( قَوْلُهُ : وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ) أَيْ الْخَبَرَ وَهُوَ لِلَّهِ وَقَوْلُهُ : أَجْنَبِيٌّ أَيْ مِنْ الْحَمْدِ ( قَوْلُهُ : مِنْ جِهَةِ الْمَصْدَرِيَّةِ ) أَيْ مَصْدَرِيَّةِ الْحَمْدِ ( قَوْلُهُ : لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ ) أَيْ الْحَمْدِ مُبْتَدَأً أَيْ ; لِأَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ مَعْمُولٌ لِلْمُبْتَدَإِ ( قَوْلُهُ : يَعْنِي إلَخْ ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَمْدَ لَهُ جِهَتَانِ جِهَةُ كَوْنِهِ مَصْدَرًا وَجِهَةُ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَهُوَ بِهَذِهِ الْجِهَةِ يُغَايِرُ نَفْسَهُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، وَقَدْ عَمِلَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً فِي لِلَّهِ فَلَوْ عَمِلَ فِي حَمْدًا لَكَانَ بِالْجِهَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ جِهَةُ الْمَصْدَرِيَّةِ فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ الذَّاتِيِّ مُنِعَ عَمَلُهُ فِي حَمْدًا لِوُجُودِ الْفَصْلِ بِالْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ الذَّاتِيِّ صَحَّ عَمَلُهُ فِيهِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ فَصْلٌ بِأَجْنَبِيٍّ حَقِيقَةً وَالْأَوَّلُ مَلْحَظُ النَّاصِرِ وَالثَّانِي مَلْحَظُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْحَقُّ ( قَوْلُهُ : يُوَافِي مَا تَزَايَدَ إلَخْ ) أَيْ يُقَابِلُ مَا تَزَايَدَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَيَأْتِي عَلَيْهَا وَلَمَّا كَانَتْ النِّعَمُ لَا تُحْصَى وَلَا تَتَنَاهَى لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَمْدَ لَا يُحْصَى وَلَا يُعَدُّ ; لِأَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى لَا يُقَابِلُهُ إلَّا مِثْلُهُ
إنْ قُلْتَ حَمْدُ الْمُصَنِّفِ جُزْئِيٌّ فَكَيْفَ لَا يَتَنَاهَى ؟ قُلْتُ : الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَنَاهَى بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِهِ وَهُوَ الْمَحْمُودُ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الْكَمَالِيَّةِ وَهِيَ لَا تَتَنَاهَى أَوْ يُقَالُ جَعَلَهُ غَيْرَ مُتَنَاهٍ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ لَكِنْ تَخْيِيلًا لَا تَحْقِيقًا ( قَوْلُهُ : أَيْ زَادَ ) هُوَ بِمَعْنَى كَثُرَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا ; لِأَنَّ الْقَصْدَ أَنَّ الْحَمْدَ يَفِي بِالنِّعَمِ لَا الْعَكْسُ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذَلِكَ إلَى صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَفَاءِ بِسَبَبِ مَا فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فَكَأَنَّ الْحَامِدَ يُرِيدُ أَنْ يَغْلِبَ النِّعَمَ وَيَزِيدَ عَلَيْهَا ( قَوْلُهُ : بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ مُنْعَمٍ بِهِ ) حَاصِلُهُ أَنَّ النِّعَمَ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَلَمَّا كَانَتْ النِّعْمَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْإِنْعَامِ الَّذِي هُوَ إيصَالُ الْمُنْعَمِ بِهِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ وَهُوَ هُنَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ الْمُنْعَمِ بِهِ نَبَّهَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى إنْعَامٍ أَوْ مُنْعَمٍ بِهِ عَلَى جَوَازِ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ أَمْكَنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى الْمُنْعَمِ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَأَمَّا عَلَى الْمُنْعَمِ بِهِ فَبِوَاسِطَةِ أَنَّهُ أَثَرُ الْإِنْعَامِ وَمَا كَانَ بِلَا وَاسِطَةٍ أَقْوَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُنْعَمَ بِهِ لَا يَكُونُ نِعْمَةً حَقِيقَةً إلَّا إذَا كَانَتْ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ كَذَا قَالَتْ الْأَشَاعِرَةُ فَمِنْ ثَمَّ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ بَلْ مَا أَلَذَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَهُوَ اسْتِدْرَاجٌ لَهُ حَيْثُ يُلِذُّهُ مَعَ عِلْمِهِ بِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ إلَى الْمَوْتِ ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ : إنَّهَا نِعْمَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الشُّكْرُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَلَاذَّ الْوَاصِلَةَ إلَيْهِمْ نِقَمٌ فِي صُورَةِ نِعَمٍ فَسَمَّاهَا الْأَشَاعِرَةُ نِقَمًا نَظَرًا لِحَقِيقَتِهَا وَالْمُعْتَزِلَةُ سَمَّتْهَا نِعَمًا 12 نَظَرًا لِصُورَتِهَا ( قَوْلُهُ : هُوَ لُغَةً الْحَمْدُ عُرْفًا ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالشُّكْرُ لُغَةً فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الشَّاكِرِ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ قَوْلًا بِاللِّسَانِ أَوْ اعْتِقَادًا بِالْجِنَانِ أَوْ عَمَلًا بِالْأَرْكَانِ ( قَوْلُهُ : صَرْفُ الْعَبْدِ إلَخْ ) الْمُرَاد بِصَرْفِ تِلْكَ النِّعَمِ فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ أَنْ لَا يَصْرِفَهَا أَصْلًا فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ اسْتِعْمَالَهَا دَائِمًا وَأَبَدًا فِيمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ وَإِلَّا لَخَرَجَ مِثْلُ الْأَنْبِيَاءِ إذْ كَانُوا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَشْتَغِلُونَ بِنَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ حَدِيثٍ مَعَ النَّاسِ مَعَ أَنَّهُمْ قَطْعًا شَاكِرُونَ
( قَوْلُهُ : وَغَيْرِهِ ) أَيْ الْقُوَى الْخَمْسِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ وَالْأَعْضَاءِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ( قَوْلُهُ : إيَّاهُ ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَذَفَ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لِأَوْلَى ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ نَا فِي أَوْلَانَا ( قَوْلُهُ : النِّعَمُ الْوَاصِلَةُ لَهُ إلَخْ ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ مِمَّا بِهِ كَمَالُ الذَّاتِ مِنْ ذُكُورَةٍ وَسَلَامَةِ أَعْضَاءٍ وَصِحَّةِ بَدَنٍ أَوْ كَانَتْ مِمَّا بِهِ كَمَالُ الصِّفَاتِ مِنْ الْإِيمَانِ وَتَوَابِعِهِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالطَّاعَاتِ ( قَوْلُهُ : إذْ الْكَرَمُ إلَخْ ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ : وَالْمُرَادُ بِهِمَا النِّعَمُ الْوَاصِلَةُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ إلَخْ ( قَوْلُهُ : يُوهِمُ ) أَيْ يُوقِعُ فِي وَهْمِ السَّامِعِ وَفِي ذِهْنِهِ ، وَقَوْلُهُ : إنَّهُ أَحْصَى أَيْ ضَبَطَ وَعَدَّ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ تَفْصِيلًا أَيْ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى ; لِأَنَّ نِعَمَهُ تَعَالَى لَا تُحْصَى فَلَا يَتَأَتَّى إحْصَاءُ الثَّنَاءِ عَلَيْهَا تَفْصِيلًا
( قَوْلُهُ : دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ لَا أُحْصِي إلَخْ ) أَيْ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : أَنَا وَإِنْ أَشَرْت فِي حَمْدِي إلَى أَنَّهُ مُحْصًى مُتَنَاهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّسَاهُلِ إذْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِي أَنْ أَعُدَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَوْلَى مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ ( قَوْلُهُ : أَيْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى عَدِّ ذَلِكَ تَفْصِيلًا ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى سَلْبِ الْعُمُوم أَيْ لَا أَقْدِرُ عَلَى عَدِّ الثَّنَاءَاتِ عَلَيْهِ تَفْصِيلًا ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ السَّلْبِ فَاللَّفْظُ لَمْ يُطَابِقْ الْمُرَادَ مِنْهُ بَلْ يُضَادُّهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَأْنَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ 13 النَّفْيِ تُفِيدُ عُمُومَ السَّلْبِ أَيْ تَسَلُّطَ النَّفْيِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ هُنَا ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَدُّ أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَفْرَادِ الثَّنَاءِ فَضْلًا عَنْ ثَنَاءٍ وَاحِدٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ سَلْبُ الْعُمُومِ وَهُوَ تَسَلُّطُ النَّفْيِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَفْرَادِ أَيْ لَا أَعُدُّ كُلَّ ثَنَاءٍ عَلَيْك تَفْصِيلًا ; لِأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَيْك أَفْرَادُهُ لَا تَتَنَاهَى فَاللَّفْظُ لَا يُوَافِقُ الْمُرَادَ مِنْهُ بَلْ يُنَاقِضُهُ ; لِأَنَّ سَلْبَ الْعُمُومِ يَتَضَمَّنُ إثْبَاتًا جُزْئِيًّا وَعُمُومُ السَّلْبِ يَتَضَمَّنُ سَلْبًا كُلِّيًّا .
( قَوْلُهُ : فَكَيْفَ يُحْصَى إلَخْ ) اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ بِمَعْنَى النَّفْيِ أَنْ لَا يُمْكِنَ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ : هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ فِي عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلَّهِ كَضَمِيرِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ صِفَةٌ لِثَنَاءٍ أَيْ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ مِثْلَ ثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَدَمِ التَّنَاهِي ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ مَا سَلَكَهُ الشَّارِحُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الثَّنَاءِ ، فَإِنْ رَجَعَ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ خَبَرُهُ وَالْكَافُ فِيهِ زَائِدَةٌ ، وَمَا إمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالتَّقْدِيرُ : اللَّهُ الَّذِي أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ اللَّهُ مُثْنٍ عَلَى نَفْسِهِ وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلثَّنَاءِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كَمَا أَيْضًا أَيْ الثَّنَاءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُ الثَّنَاءِ الَّذِي أَثْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مِثْلُ ثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ
( قَوْلُهُ : فَإِنَّهُ فِي قُدْرَتِهِ تَفْصِيلًا ) الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ أَيْ كَثَنَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَدَمِ التَّنَاهِي ، وَإِنْ كَانَ فِي قُدْرَتِهِ عَدُّ ذَلِكَ تَفْصِيلًا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ إلَخْ ) يَجْرِي فِي الْحَدِيثِ مَا جَرَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِعْرَابِ مَا عَدَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ ( قَوْلُهُ : كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك ) أَيْ كَثَنَائِك عَلَى نَفْسِك فِي عَدَمِ التَّنَاهِي ، وَإِنْ كَانَ فِي قُدْرَتِك أَنْ تُحْصِيَهُ ( قَوْلُهُ : : وَنَسْأَلُهُ اللُّطْفَ إلَخْ ) أَسْنَدَ الْمُصَنِّفُ الْفِعْلَ مِنْ لَا أُحْصِي إلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ وَمِنْ وَنَسْأَلُهُ إلَى ضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ ، وَالشَّأْنُ أَنَّهُ إنَّمَا يُثْبِتُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَالثَّانِي دُعَاءٌ وَالْمَطْلُوبُ فِيهِ مُشَارَكَةُ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ كَذَا قِيلَ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ضَمِيرَ وَنَسْأَلُهُ لِلْمُصَنِّفِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ إنَّمَا هِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي الْمَطْلُوبِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ لَهُ عَامًّا لَا فِي الطَّلَبِ بِحَيْثُ يَكُونُ الدَّاعِي جَمَاعَةً وَفِي سُؤَالِهِ اللُّطْفَ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَقْلِيًّا لَمْ يَسْأَلْهُ كَمَا لَا يُسْأَلُ الْمَوْتُ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَادِيٌّ ثُمَّ إنَّ الْوَاوَ فِي وَنَسْأَلُهُ لِلِاسْتِئْنَافِ إنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ الْحَمْدِ خَبَرِيَّةً وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهَا حِينَئِذٍ عَاطِفَةً لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَأَمَّا لَوْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ الْحَمْدِ إنْشَائِيَّةً كَانَتْ الْوَاوُ عَاطِفَةً لِجُمْلَةٍ إنْشَائِيَّةٍ عَلَى مِثْلِهَا ( قَوْلُهُ : الدِّقَّةُ ) أَيْ قِلَّةُ الْأَجْزَاءِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا ( قَوْلُهُ : وَالْإِعَانَةَ ) هِيَ وَالْعَوْنُ وَالْمَعُونَةُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِقْدَارُ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ إلَخْ وَعَطْفُهَا عَلَى اللُّطْفِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ اللُّطْفِ ( قَوْلُهُ : الْإِقْدَارَ ) أَيْ خَلْقَ الْقُدْرَةِ ( قَوْلُهُ : وَالْمُلِمَّاتِ ) أَيْ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ النَّازِلَةِ بِالْعَبْدِ الَّتِي لَا تُلَائِمُهُ ، مِنْ أَلَمَّ إذَا نَزَلَ جَمْعُ مُلِمَّةٍ ( قَوْلُهُ : فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ) جَمْعُ حَالٍ قَالَ النَّاصِرُ وَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ الْأَوْقَاتُ وَقَالَ ح : الْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ صِفَاتُ الشَّخْصِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْمُتَّصِلَاتِ أَوْ مِنْ الْإِضَافِيَّاتِ وَالْمُرَادُ بِالْمُتَّصِلَاتِ الصِّفَاتُ الَّتِي لَهَا قِيَامٌ بِالشَّخْصِ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهَا لَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ كَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِضَافِيَّاتِ الصِّفَاتُ الَّتِي لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا فِي الشَّخْصِ بِذَاتِهَا بَلْ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ كَالِاسْتِقْرَارِ فِي الزَّمَانِ الْفُلَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ ( قَوْلُهُ : يَعْنِي نَفْسَهُ ) هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ نَسْأَلُهُ لِلْمُصَنِّفِ وَحْدَهُ وَقَوْلُهُ : : وَيَحْتَمِلُ وَغَيْرُهُ أَيْ بِنَاءً عَلَى جَعْلِ ضَمِيرِ نَسْأَلُهُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَوْلُهُ : الْإِنْسَانُ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ وَالْأَصْلُ وَحَالَ حُلُولِي أَوْ حُلُولِنَا ( قَوْلُهُ : فِي رَمْسِهِ ) 14 اعْلَمْ أَنَّ الرَّمْسَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ رَمَسَتْ الرِّيحُ الْأَرْضَ بِالتُّرَابِ إذَا سَتَرَتْهُ بِهِ فَهُوَ سَتْرُ الْأَرْضِ بِالتُّرَابِ ثُمَّ نُقِلَ لِتُرَابِ الْقَبْرِ ثُمَّ لِلْقَبْرِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ رَمْسًا ; لِأَنَّهُ يُرْمَسُ فِيهِ الْمَيِّتُ أَيْ يُغَيَّبُ فِيهِ
( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا خَصَّ إلَخْ ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةٍ وَمَا النُّكْتَةُ هُنَا ( قَوْلُهُ : لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِ لِلُّطْفِ وَالْإِعَانَةِ فِيهَا ) أَيْ لِشِدَّةِ احْتِيَاجِ الْإِنْسَانِ لِلرِّفْقِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ الْمُلِمَّاتِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَالَةِ حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ ( قَوْلُهُ : هُوَ الْوَاسِطَةَ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ وَصَلَتْ إلَيْنَا مِنْ اللَّهِ ) أَيْ حَتَّى الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ أَيْ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ النِّعَمِ فَهِيَ إنَّمَا حَصَلَتْ لَنَا بِبَرَكَتِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ ( قَوْلُهُ : وَلَا سِيَّمَا عِلْمَ الشَّرَائِعِ ) أَيْ خُصُوصًا عِلْمَ الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ وُصُولَهُ إلَيْنَا مِنْ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى يَدَيْهِ وَبِوَاسِطَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ . وَأَصْلُ سِيَّ سِيْوَ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسَبَقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ وَسِيُّ الشَّيْءِ مِثْلُهُ فَمَعْنَى لَا سِيَّمَا زَيْدٌ لَا مِثْلَ زَيْدٍ فَإِذَا قِيلَ أُحِبُّ الْعُلَمَاءَ لَا سِيَّمَا زَيْدٌ فَمَعْنَاهُ لَا مِثْلَ زَيْدٍ بَلْ مَحَبَّةُ زَيْدٍ أَكْثَرُ مِنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَزِمَتْهَا لَا النَّافِيَةُ وَالْوَاوُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهَا فَاسْتِعْمَالُهَا بِدُونِ لَا أَوْ بِدُونِ وَاوٍ قَلِيلٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا بَعْدَهَا إنْ كَانَ مَعْرِفَةً كَمَا هُنَا جَازَ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ هُوَ صَدْرُ الصِّلَةِ وَفَتْحَةُ سِيَّ فَتْحَةُ إعْرَابٍ لِإِضَافَتِهَا لِمَا الْمَوْصُولَةِ ، وَجَازَ فِيهِ الْجَرُّ عَلَى أَنَّ مَا زَائِدَةٌ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ ، وَجَازَ فِيهِ النَّصْبُ عَلَى أَنَّ مَا بِمَعْنَى شَيْءٌ وَالْمَعْرِفَةُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ لَا تَمْيِيزَ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ فَمَنَعَ النَّصْبَ ; لِأَنَّ التَّمْيِيزَ وَاجِبُ التَّنْكِيرِ ، وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا نَكِرَةٌ كَمَا فِي وَلَا سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جَلْجَلَ جَازَ فِي النَّكِرَةِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ لَكِنَّ النَّصْبَ عَلَى التَّمْيِيزِ ( قَوْلُهُ : وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ) أَيْ تَأَكَّدَ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَيَبْعُدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَّرَهَا لِزَمَنِ التَّأْلِيفِ وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ تَجِبُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ يَعْقُبُهُ سَلَامٌ وَقَالَ قَوْمٌ : إنَّهَا تَجِبُ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَبِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ
( قَوْلُهُ : وَالتَّبْجِيلِ ) مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ ( قَوْلُهُ : : فَهِيَ ) أَيْ الصَّلَاةُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الرَّحْمَةِ أَيْ أَقَلُّ إفْرَادًا مِنْهَا وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِتَعْظِيمٍ أَوْ لَا ، وَعَلَى هَذَا فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ ( قَوْلُهُ : وَلِذَا ) أَيْ لِأَجْلِ كَوْنِهَا أَخَصَّ ( قَوْلُهُ : لَا تُطْلَبُ ) أَيْ مِنْ اللَّهِ ( قَوْلُهُ : إلَّا تَبَعًا ) أَيْ لِطَلَبِهَا لِلْمَعْصُومِ وَطَلَبِهَا لِغَيْرِ الْمَعْصُومِ اسْتِقْلَالًا قِيلَ حَرَامٌ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا ( قَوْلُهُ : وَمِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ إنْسًا أَوْ جِنًّا أَوْ مَلَكًا ( قَوْلُهُ : وَالدُّعَاءُ ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقَوْلُهُ : بِاسْتِغْفَارٍ أَيْ كَانَ الدُّعَاءُ بِاسْتِغْفَارٍ أَوْ غَيْرِهِ ( قَوْلُهُ : أَيْ التَّحِيَّةُ ) 15 أَيْ مِنْ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْجَنَّةِ بِتَحِيَّةٍ لَائِقَةٍ بِهِ كَمَا يُحَيِّي بَعْضُنَا بَعْضًا بِقَوْلِنَا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ( قَوْلُهُ : أَوْ الْأَمَانُ ) أَيْ مِنْ الْمَخَاوِفِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بَشَرًا يَلْحَقُهُ الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا ; لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ وَلِذَا قَالَ : أَنَا أَخْوَفُكُمْ مِنْ اللَّهِ ( قَوْلُهُ : عَلَى مُحَمَّدٍ ) خَبَرٌ عَنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَيْ كَائِنَانِ عَلَى مُحَمَّدٍ أَيْ لَهُ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى فَقَدْ طَلَبَ الْمُصَنِّفُ مِنْ اللَّهِ صَلَاتَهُ أَيْ نِعْمَتَهُ الْمَقْرُونَةَ بِالتَّعْظِيمِ وَسَلَامَهُ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ( قَوْلُهُ : عَلَمٌ ) أَيْ شَخْصِيٌّ عَلَى الذَّاتِ الشَّرِيفَةِ ( قَوْلُهُ : مَنْقُولٌ ) أَيْ لَا مُرْتَجَلٌ ثُمَّ إنَّ نَقْلَ الْأَعْلَامِ تَارَةً يَكُونُ مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ كَحَارِثٍ وَحَامِدٍ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ الْمَصْدَرِ كَزَيْدٍ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ زَادَ الْمَالُ يَزِيدُ زَيْدًا وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ كَحَسَنٍ وَسَعِيدٍ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ اسْمِ الْجِنْسِ كَأَسَدٍ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ الْفِعْلِ كَيَزِيدَ وَيَشْكُرَ وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ اسْمِ الْمَفْعُولِ كَمُحَمَّدٍ وَلِذَا قَالَ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ لَا مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ وَلَا مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُ ( قَوْلُهُ : الْمُضَعَّفِ ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفِ أَيْ الْفِعْلُ الْمُضَعَّفُ ( قَوْلُهُ : أَيْ الْمُكَرَّرُ الْعَيْنُ ) أَيْ وَهُوَ حَمَّدَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَقَوْلُهُ : أَيْ الْمُكَرَّرُ إلَخْ أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُضَعَّفِ مَا كَانَتْ لَامُهُ وَعَيْنُهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَمَسَّ وَظَلَّ لِعَدَمِ صِحَّةِ إرَادَةِ ذَلِكَ هُنَا ( قَوْلُهُ : سُمِّيَ بِهِ ) أَيْ بِذَلِكَ الْعَلَمِ الْمَنْقُولِ نَبِيُّنَا إلَخْ وَاَلَّذِي سَمَّاهُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا ( قَوْلُهُ : : رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ إلَخْ ) أَيْ لِأَجْلِ رَجَاءِ ذَلِكَ وَالْمُتَرَجِّي لِذَلِكَ هُوَ جَدُّهُ الْمُسَمِّي لَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ ( قَوْلُهُ : وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ ذَلِكَ ) أَيْ الْأَمْرَ الْمَرْجُوَّ لِجَدِّهِ ( قَوْلُهُ : الْكَامِلِ ) أَيْ فِي الشَّرَفِ ( قَوْلُهُ : الشَّامِلِ ) أَيْ لِكُلِّ الْأُمُورِ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى التَّقِيِّ ) أَيْ الْمُمْتَثِلِ لِلْأَوَامِرِ وَالْمُجْتَنِبِ لِلنَّوَاهِي وَقَوْلُهُ : الْفَاضِلِ أَيْ الَّذِي عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ بِعِلْمٍ أَوْ طَاعَةٍ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى الْحَلِيمِ ) أَيْ الَّذِي عِنْدَهُ صَفْحٌ عَنْ الزَّلَّاتِ وَقَوْلُهُ : الْكَرِيمُ أَيْ الَّذِي عِنْدَهُ كَرَمٌ وَسَخَاوَةٌ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى الْفَقِيهِ الْعَالِمِ ) الْفَقِيهِ مَنْ عِنْدَهُ دِرَايَةٌ بِالْفِقْهِ وَالْعَالِمُ مَنْ عِنْدَهُ دِرَايَةٌ بِالْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَ فِقْهًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْعُلُومِ فَالْوَصْفُ بِالْعَالِمِ أَبْلَغُ مِنْ الْوَصْفِ بِالْفَقِيهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي ، وَالْمُرَادُ أَنَّ السَّيِّدَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دِرَايَةٌ فِي الْفِقْهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ .
( قَوْلُهُ : مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ سَجِيَّةً ) أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا سُكَّانَ بَادِيَةٍ أَوْ حَاضِرَةٍ أَيْ وَأَمَّا الْأَعْرَابُ فَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ بِقَيْدِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَقِيلَ مُطْلَقًا ، وَلَوْ تَكَلَّمُوا بِالْعَجَمِيَّةِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ وَعَلَيْهِ فَبَيْنَ الْعَرَبِ وَالْأَعْرَابِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي سُكَّانِ الْبَادِيَةِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ سَجِيَّةً ، وَانْفِرَادُ الْعَرَبِ فِيمَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ سَجِيَّةً وَهُمْ سُكَّانُ الْحَاضِرَةِ ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ وَالنِّسْبَةُ إلَى الْعَرَبِ عَرَبِيٌّ وَإِلَى الْأَعْرَابِ أَعْرَابِيٌّ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith