حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير · الجزء الرابع
page 5739 · printed p. 299 · commentary
[ دَرْسٌ ] . ( بَابٌ ذَكَرَ فِيهِ الْبَغْيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ) ، وَهُوَ لُغَةً التَّعَدِّي وَبَغَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ اسْتَطَالَ عَلَيْهِ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوُّلًا ا هـ وَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِطَاعَةٍ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ طَاعَتِهِ فِي مَكْرُوهٍ يَكُونُ بَاغِيًا وَقِيلَ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَكْرُوهِ أَيْ الْمُجْمَعِ عَلَى كَرَاهَتِهِ ، فَالْمُمْتَنِعُ لَا يَكُونُ بَاغِيًا ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَهُوَ رَدٌّ فَإِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الصُّبْحِ لَمْ يُتْبَعْ وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ تَعْرِيفِهِ شَرْعًا بِتَعْرِيفِ الْبَاغِيَةِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَعْرِيفَهُ فَقَالَ ( الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ ) أَيْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ( خَالَفَتْ الْإِمَامَ ) الَّذِي ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ لَمْ تَثْبُتْ إمَامَتُهُ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ لَمْ يُسَلِّمُوا لَهُ الْإِمَامَةَ لِظُلْمِهِ وَنَائِبُ الْإِمَامِ مِثْلُهُ .
( لِمَنْعِ حَقٍّ ) لِلَّهِ ، أَوْ لِآدَمِيٍّ وَجَبَ عَلَيْهَا كَزَكَاةٍ وَكَأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ 299 مِمَّا جَبَوْهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ( أَوْ لِخَلْعِهِ ) أَيْ ، أَوْ خَالَفَتْهُ لِإِرَادَتِهَا خَلْعَهُ أَيْ عَزْلَهُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ جَارٍ ; إذْ لَا يُعْزَلُ السُّلْطَانُ بِالظُّلْمِ ، وَالْفِسْقِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ بَعْدَ انْعِقَادِ إمَامَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ وَعْظُهُ وَقَوْلُهُ فِرْقَةٌ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ ، وَإِلَّا ، فَالْوَاحِدُ قَدْ يَكُونُ بَاغِيًا وَقَوْلُهُ خَالَفَتْ الْإِمَامَ يُفِيدُ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْمُغَالَبَةِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهِ فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ كَاللُّصُوصِ لَا يَكُونُ بَاغِيًا ( فَلِلْعَدْلِ قِتَالُهُمْ ، وَإِنْ تَأَوَّلُوا ) الْخُرُوجَ عَلَيْهِ لِشُبْهَةٍ قَامَتْ عِنْدَهُمْ وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ مُعَاوَنَتُهُ عَلَيْهِمْ وَأَمَّا غَيْرُ الْعَدْلِ فَلَا تَجِبُ مُعَاوَنَتُهُ قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْهُ وَمَا يُرَادُ مِنْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ الظَّالِمِ بِظَالِمٍ ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ عَلَيْهِ لِفِسْقِهِ وَجَوْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ .
( كَالْكُفَّارِ ) أَيْ كَقِتَالِ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَدْعُوَهُمْ أَوَّلًا لِلدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَتِهِ مَا لَمْ يُعَاجِلُوهُ بِالْقِتَالِ وَيُقَاتِلُهُمْ بِالسَّيْفِ ، وَالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ ، وَالْمَنْجَنِيقِ ، وَالتَّغْرِيقِ ، وَالتَّحْرِيقِ وَقَطْعِ الْمِيرَةِ ، وَالْمَاءِ عَنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ نِسْوَةٌ ، أَوْ ذَرَارِيُّ فَلَا نَرْمِيهِمْ بِالنَّارِ ، لَكِنْ لَا نُسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ وَلَا أَمْوَالَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ( وَلَا يُسْتَرَقُّوا وَلَا يُحَرَّقُ شَجَرُهُمْ ) وَلَا غَيْرُهُ ، فَالْمُرَادُ وَلَا يُتْلَفُ مَالُهُمْ ( وَلَا تُرْفَعُ رُءُوسُهُمْ ) إذَا قُتِلُوا ( بِأَرْمَاحٍ ) أَيْ يَحْرُمُ ; لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ بِالْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِمَحَلِّهِمْ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ ( وَلَا يَدَعُوهُمْ ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ لَا يَتْرُكُوهُمْ الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ وَلَوْ أَفْرَدَ لِلضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى الْإِمَامِ لَكَانَ أَنْسَبَ أَيْ لَا يَتْرُكُهُمْ ( بِمَالٍ ) يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَالْجِزْيَةِ أَيْ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ بَلْ إنْ تَرَكَهُمْ يَتْرُكُهُمْ مَجَّانًا إنْ كَفُّوا عَنْ بَغْيِهِمْ وَأَمِنَ مِنْهُمْ ( وَاسْتُعِينَ 300 مَا لَهُمْ ) مِنْ سِلَاحٍ وَكُرَاعٍ بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ خَيْلٍ ( عَلَيْهِمْ ) أَيْ يَجُوزُ ذَلِكَ ( إنْ اُحْتِيجَ لَهُ ) أَيْ لِمَالِهِمْ أَيْ لِلِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَيْهِمْ ( ثُمَّ ) بَعْدَ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ ( رُدَّ ) إلَيْهِمْ ( كَغَيْرِهِ ) أَيْ كَمَا يُرَدُّ غَيْرُ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ مِنْ أَمْوَالٍ كَغَنَمٍ وَنَحْوِهَا أَيْ عَلَى فَرْضٍ لَوْ حِيزَ عَنْهُمْ ، أَوْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِمْ بِمَنْزِلَةِ حِيَازَتِهِ فَلِذَا عَبَّرَ بِالرَّدِّ .
( وَإِنْ أُمِنُوا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مُخَفَّفَةً أَيْ حَصَلَ الْأَمَانُ لِلْإِمَامِ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِمْ ( لَمْ يُتْبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ وَلَمْ يُذَفَّفْ ) بِإِعْجَامِ الدَّالِ ، وَإِهْمَالِهَا أَيْ لَمْ يُجَهَّزْ ( عَلَى جَرِيحِهِمْ ) وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ خِيفَ مِنْهُمْ أُتْبِعَ مُنْهَزِمُهُمْ وَذُفِّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ ( وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ و ) إنْ قَتَلَهُ ( وَرِثَهُ ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا ; لِأَنَّهُ ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا ، لَكِنَّهُ غَيْرُ عُدْوَانٍ وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُ جَدِّهِ ، أَوْ أَخِيهِ ، أَوْ ابْنِهِ ( وَلَمْ يَضْمَنْ ) بَاغٍ ( مُتَأَوِّلٌ ) فِي خُرُوجِهِ عَلَى الْإِمَامِ ( أَتْلَفَ نَفْسًا ، أَوْ مَالًا ) حَالَ خُرُوجِهِ لِعُذْرِهِ بِالتَّأْوِيلِ بِخِلَافِ الْبَاغِي غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِ ( وَمَضَى حُكْمُ قَاضِيهِ ) فَلَا يُنْقَضُ وَيَرْتَفِعُ بِهِ الْخِلَافُ ( و ) مَضَى ( حَدٌّ أَقَامَهُ ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ نَصَّ عَلَيْهِ لِعِظَمِ شَأْنِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ فَلَا يُعَادُ عَلَى الْمَحْدُودِ إنْ كَانَ غَيْرَ قَتْلٍ وَلَا دِيَةَ عَلَى الْقَاضِي إنْ كَانَ قَتْلًا وَنَحْوَهُ .
( وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ ) أَيْ مَعَ الْبَاغِي الْمُتَأَوِّلِ ( لِذِمَّتِهِ ) فَلَا يَغْرَمُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ ، أَوْ مَالٍ وَلَا يُعَدُّ خُرُوجُهُ مَعَهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ ( وَضَمِنَ ) الْبَاغِي ( الْمُعَانِدُ ) ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ ( النَّفْسَ ) ، وَالطَّرَفَ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ ( وَالْمَالَ ) لِعَدَمِ عُذْرِهِ ( وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ ) لِلْعَهْدِ يَكُونُ هُوَ وَمَالُهُ فَيْئًا ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ وَأَمَّا غَيْرُهُ ، فَالْخَارِجُ عَلَيْهِ عِنَادًا كَالْمُتَأَوِّلِ ( وَالْمَرْأَةِ الْمُقَاتِلَةِ ) بِالسِّلَاحِ ( كَالرَّجُلِ ) يَجُوزُ قَتْلُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَاتَلَتْ بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَلَا تُقْتَلُ مَا لَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا ، هَذَا فِي حَالِ الْقِتَالِ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً فَلَا تَضْمَنُ شَيْئًا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَأَوِّلَةٍ ضَمِنَتْ وَرُقَّتْ إنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً لِنَقْضِهَا
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith