النهاية في غريب الحديث والأثر
النهاية في غريب الحديث والأثر · الجزء الخامس
page 3933 · printed p. 125
( نَوَرَ ) * فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى " النُّورُ " هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِنُورِهِ ذُو الْعِمَايَةِ ، وَيَرْشُدُ بِهُدَاهُ ذُو الْغِوَايَةِ . وَقِيلَ : هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي بِهِ كُلُّ ظُهُورٍ . فَالظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ يُسَمَّى نُورًا .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ۝ قَالَ لَهُ ابْنُ شَقِيقٍ : لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْتُ أَسْأَلُهُ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ : قَدْ سَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ؟ أَيْ هُوَ نُورٌ كَيْفَ أَرَاهُ .
سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : مَا زِلْتُ مُنْكِرًا لَهُ ، وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : فِي الْقَلْبِ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ ، فَإِنَّ ابْنَ شَقِيقٍ لَمْ يَكُنْ يُثْبِتُ أَبَا ذَرٍّ .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : النُّورُ جِسْمٌ وَعَرَضٌ ، وَالْبَارِي جَلَّ وَعَزَّ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا عَرَضٍ ، وَإِنَّمَا 125 الْمُرَادُ أَنَّ حِجَابَهُ النُّورُ . وَكَذَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَالْمَعْنَى : كَيْفَ أَرَاهُ وَحِجَابُهُ النُّورُ : أَيْ إِنَّ النُّورَ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ .
* وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ ۝ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَبَاقِي أَعْضَائِهِ . أَرَادَ ضِيَاءَ الْحَقِّ وَبَيَانَهُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مِنِّي فِي الْحَقِّ . وَاجْعَلْ تَصَرُّفِي وَتَقَلُّبِي فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ وَالْخَيْرِ .
( هـ ) وَفِي صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ - " أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ " أَيْ نَيِّرُ لَوْنِ الْجِسْمِ . يُقَالُ لِلْحُسْنِ الْمُشْرِقِ اللَّوْنِ : أَنْوَرُ ، وَهُوَ أَفْعَلُ مِنَ النُّورِ . يُقَالُ : نَارَ فَهُوَ نَيِّرٌ ، وَأَنَارَ فَهُوَ مُنِيرٌ .
* وَفِي حَدِيثِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ۝ أَنَّهُ نَوَّرَ بِالْفَجْرِ أَيْ صَلَّاهَا وَقَدِ اسْتَنَارَ الْأُفُقُ كَثِيرًا .
( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ " نَائِرَاتُ الْأَحْكَامِ ، وَمُنِيرَاتُ الْإِسْلَامِ " النَّائِرَاتُ : الْوَاضِحَاتُ الْبَيِّنَاتُ ، وَالْمُنِيرَاتُ كَذَلِكَ . فَالْأُولَى مِنْ نَارَ ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ أَنَارَ ، وَأَنَارَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ .
( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " ۝ فَرَضَ عُمَرُ لِلْجَدِّ ثُمَّ أَنَارَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ " أَيْ أَوْضَحَهَا وَبَيَّنَهَا .
( هـ ) وَفِيهِ ۝ لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ أَرَادَ بِالنَّارِ هَاهُنَا الرَّأْيَ : أَيْ لَا تُشَاوِرُوهُمْ . فَجَعَلَ الرَّأْيَ مَثَلًا لِلضَّوْءِ عِنْدَ الْحَيْرَةِ .
( هـ ) وَفِيهِ ۝ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، قِيلَ : لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا تَرَآى نَارَاهُمَا أَيْ لَا تَجْتَمِعَانِ بِحَيْثُ تَكُونُ نَارُ أَحَدِهِمَا مُقَابِلَ نَارِ الْآخَرِ .
وَقِيلَ : هُوَ مِنْ سِمَةِ الْإِبِلِ بِالنَّارِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي حَرْفِ الرَّاءِ .
( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ صَعْصَعَةَ بْنِ نَاجِيَةَ جَدِّ الْفَرَزْدَقِ " قَالَ : وَمَا نَارَاهُمَا ؟ " أَيْ مَا سِمَتُهُمَا الَّتِي وُسِمَتَا بِهَا ، يَعْنِي نَاقَتَيْهِ الضَّالَّتَيْنِ ، فَسُمِّيَتِ السِّمَةُ نَارًا لِأَنَّهَا تُكْوَى بِالنَّارِ ، وَالسِّمَةُ : الْعَلَامَةُ .
( س ) وَفِيهِ ۝ النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ : الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ أَرَادَ : لَيْسَ لِصَاحِبِ النَّارِ 126 أَنْ يَمْنَعَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَضِيءَ مِنْهَا أَوْ يَقْتَبِسَ .
وَقِيلَ : أَرَادَ بِالنَّارِ الْحِجَارَةَ الَّتِي تَوْرِي النَّارَ : أَيْ لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا .
* وَفِي حَدِيثِ الْإِزَارِ ۝ وَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِ الْإِزَارِ الْمُسْبَلِ فِي النَّارِ ، عُقُوبَةً لَهُ عَلَى فِعْلِهِ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ صَنِيعَهُ ذَلِكَ وَفِعْلَهُ فِي النَّارِ : أَيْ إِنَّهُ مَعْدُودٌ مَحْسُوبٌ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ النَّارِ .
* وَفِيهِ ۝ أَنَّهُ قَالَ لِعَشَرَةِ أَنْفُسٍ فِيهِمْ سَمُرَةُ : آخِرُكُمْ يَمُوتُ فِي النَّارِ فَكَانَ سَمُرَةُ آخَرَ الْعَشَرَةِ مَوْتًا . قِيلَ : إِنَّ سَمُرَةَ أَصَابَهُ كُزَازٌ شَدِيدٌ ، فَكَانَ لَا يَكَادُ يَدْفَأُ ، فَأَمَرَ بِقِدْرٍ عَظِيمَةٍ فَمُلِئَتْ مَاءً ، وَأَوْقَدَ تَحْتَهَا ، وَاتَّخَذَ فَوْقَهَا مَجْلِسًا ، وَكَانَ يَصْعَدُ إِلَيْهِ بُخَارُهَا فَيُدْفِئُهُ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ خُسِفَتْ بِهِ فَحَصَلَ فِي النَّارِ ، فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " ۝ الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ ، وَالنَّارُ جُبَارٌ " قِيلَ : هِيَ النَّارُ يُوقِدُهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ ، فَتُطَيِّرُهَا الرِّيحُ إِلَى مَالِ غَيْرِهِ فَيَحْتَرِقُ وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهَا ، فَتَكُونَ هَدَرًا .
وَقِيلَ : الْحَدِيثُ غَلِطَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيُّ .
وَقِيلَ : هُوَ تَصْحِيفُ " الْبِئْرِ " ، فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يُمِيلُونَ النَّارَ فَتَنْكَسِرُ النُّونُ ، فَسَمِعَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِمَالَةِ فَكَتَبَهُ بِالْيَاءِ فَقَرَءُوهُ مُصَحَّفًا بِالْبَاءِ .
وَالْبِئْرُ هِيَ الَّتِي يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ ، فَيَقَعُ فِيهَا إِنْسَانٌ فَيَهْلِكُ ، فَهُوَ هَدَرٌ .
قَالَ الْخَطَابِيُّ : لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ : غَلِطَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَتَّى وَجَدْتُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى .
وَفِيهِ ۝ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا هَذَا تَفْخِيمٌ لِأَمْرِ الْبَحْرِ وَتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ ، وَأَنَّ الْآفَةَ تُسْرِعُ إِلَى رَاكِبِهِ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ ، كَمَا يُسْرِعُ الْهَلَاكُ مِنَ النَّارِ لِمَنْ لَابَسَهَا وَدَنَا مِنْهَا .
* وَفِي حَدِيثِ سِجْنِ جَهَنَّمَ ۝ فَتَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ لَمْ أَجِدْهُ مَشْرُوحًا ، وَلَكِنَّ هَكَذَا يُرْوَى ، فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَارَ النِّيرَانِ ، فَجَمَعَ النَّارَ عَلَى أَنْيَارٍ ، وَأَصْلُهَا : أَنْوَارٌ ، لِأَنَّهَا 127 مِنَ الْوَاوِ ، كَمَا جَاءَ فِي رِيحٍ وَعِيدٍ : أَرْيَاحٌ وَأَعْيَادٌ ، مِنَ الْوَاوِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( س ) وَفِيهِ ۝ كَانَتْ بَيْنَهُمْ نَائِرَةٌ أَيْ فِتْنَةٌ حَادِثَةٌ وَعَدَاوَةٌ . وَنَارُ الْحَرْبِ وَنَائِرَتُهَا : شَرُّهَا وَهَيْجُهَا .
( س ) وَفِي صِفَةِ نَاقَةِ صَالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ ۝ - " هِيَ أَنْوَرُ مِنْ أَنْ تُحْلَبَ " أَيْ أَنْفَرُ . وَالنَّوَارُ : النِّفَارُ . وَنُرْتُهُ وَأَنَرْتُهُ : نَفَّرْتُهُ . وَامْرَأَةٌ نَوَارٌ : نَافِرَةٌ عَنِ الشَّرِّ وَالْقَبِيحِ .
( هـ ) وَفِي حَدِيثِ خُزَيْمَةَ ۝ " لَمَّا نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَنْوَرَتْ " أَيْ حَسُنَتْ خُضْرَتُهَا ، مِنَ الْإِنَارَةِ .
وَقِيلَ : إِنَّهَا أَطْلَعَتْ نَوْرَهَا ، وَهُوَ زَهْرُهَا . يُقَالُ : نَوَّرَتِ الشَّجَرَةُ وَأَنَارَتْ . فَأَمَّا أَنْوَرَتْ فَعَلَى الْأَصْلِ .
( هـ ) وَفِيهِ ۝ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ الْمَنَارُ : جَمْعُ مَنَارَةٍ ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ تُجْعَلُ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ . وَمَنَارُ الْحَرَمِ : أَعْلَامُهُ الَّتِي ضَرَبَهَا الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى أَقْطَارِهِ وَنَوَاحِيهِ . وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ .
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا " أَيْ عَلَامَاتٍ وَشَرَائِعَ يُعْرَفُ بِهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith