بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الأول
page 306
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَفْظُ السَّلَامِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَرْضٌ وَالْكَلَامُ فِي التَّسْلِيمِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهِ أَنَّهُ فَرْضٌ أَمْ لَا ، وَفِي بَيَانِ قَدْرِهِ ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّتِهِ ، وَفِي بَيَانِ سُنَنِهِ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ .
أَمَّا صِفَتُهُ فَإِصَابَةُ لَفْظَةِ السَّلَامِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ عِنْدَنَا وَلَكِنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تُنَافِي الْوُجُوبَ لِمَا عُرِفَ ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَرْضٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا عَامِدًا كَانَ مُسِيئًا .
وَلَوْ تَرَكَهَا سَاهِيًا يَلْزَمُهُ سُجُودٌ لِسَهْوٍ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُمَا لَوْ تَرَكَهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ، احْتَجَّا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، خَصَّ التَّسْلِيمَ بِكَوْنِهِ مُحَلِّلًا فَدَلَّ أَنَّ التَّحْلِيلَ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى التَّعْيِينِ فَلَا يَتَحَلَّلُ بِدُونِهِ ; وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ لَهَا تَحْلِيلٌ وَتَحْرِيمٌ فَيَكُونُ التَّحْلِيلُ فِيهَا رُكْنًا قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ .
( وَلَنَا ) مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { ۝ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ إذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ إنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ } وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا ، أَنَّهُ جَعَلَهُ قَاضِيًا مَا عَلَيْهِ عِنْدَ هَذَا الْفِعْلِ أَوْ الْقَوْلِ وَمَا لِلْعُمُومِ فِيمَا لَا يُعْلَمُ فَيَقْضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ .
وَلَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ فَرْضًا لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ بِدُونِهِ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ يَبْقَى عَلَيْهِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ لَفْظِ التَّسْلِيمِ وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مَا خَيَّرَهُ ; وَلِأَنَّ رُكْنَ الصَّلَاةِ مَا تَتَأَدَّى بِهِ الصَّلَاةُ ، وَالسَّلَامُ خُرُوجٌ عَنْ الصَّلَاةِ وَتَرْكٌ لَهَا ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ وَخِطَابٌ لِغَيْرِهِ فَكَانَ مُنَافِيًا لِلصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَكُونُ رُكْنًا لَهَا ؟ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ التَّحْلِيلِ بِغَيْرِ التَّسْلِيمِ إلَّا أَنَّهُ خَصَّ التَّسْلِيمَ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا ، وَالِاعْتِبَارُ بِالطَّوَافِ غَيْرُ سَدِيدٍ ; لِأَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ بِمُحَلِّلٍ إنَّمَا الْمُحَلِّلُ هُوَ الْحَلْقُ إلَّا أَنَّهُ تَوَقَّفَ بِالْإِحْلَالِ عَلَى الطَّوَافِ فَإِذَا طَافَ حَلَّ بِالْحَلْقِ لَا بِالطَّوَافِ ، وَالْحَلْقُ لَيْسَ بِرُكْنٍ فَنُزِّلَ السَّلَامُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ مَنْزِلَةَ الْحَلْقِ فِي بَابِ الْحَجِّ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا أَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ التَّسْلِيمَةُ الْأَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا ; لِمَا بَيَّنَّا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith