بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثاني
page 1021
وَلَوْ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ فَإِنْ كَانَ الدُّهْنُ مُطَيِّبًا كَدُهْنِ : الْبَنَفْسَجِ ، وَالْوَرْدِ ، وَالزِّئْبَقِ ، وَالْبَانِ ، وَالْحَرَى ، وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ الَّتِي فِيهَا الطِّيبُ فَعَلَيْهِ دَمٌ إذَا بَلَغَ عُضْوًا كَامِلًا .
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْبَنَفْسَجَ لَيْسَ بِطِيبٍ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ ; لِأَنَّهُ دُهْنٌ مُطَيِّبٌ فَأَشْبَهَ الْبَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَيِّبٍ بِأَنْ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ أَوْ بِشَيْرَجٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : " إنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي شَعْرِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي بَدَنِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ " احْتَجَّا بِمَا رُوِيَ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ } وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلدَّمِ لَمَا فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَفْعَلُ مَا يُوجِبُ الدَّمَ ; وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُطَيِّبِ مِنْ الْأَدْهَانِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْغِذَاءِ فَأَشْبَهَ اللَّحْمَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ إلَّا أَنَّهُ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ ; لِأَنَّهُ يَقْتُلُ الْهَوَامَّ لَا لِكَوْنِهِ طِيبًا ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ لَمَّا نُعِيَ إلَيْهَا وَفَاةُ أَخِيهَا قَعَدَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَدْعَتْ بِزِنَةِ زَيْتٍ وَقَالَتْ : " مَا لِي إلَى الطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ لَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } سَمَّتْ الزَّيْتَ طِيبًا ; وَلِأَنَّهُ أَصْلُ الطِّيبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُطَيَّبُ بِإِلْقَاءِ الطَّيِّبِ فِيهِ ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ الطَّيِّبِ كَانَ كَسَائِرِ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ ; وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ الشَّعَثَ الَّذِي هُوَ عَلَمُ الْإِحْرَامِ وَشِعَارُهُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ ، فَصَارَ جَارِحًا إحْرَامَهُ بِإِزَالَةِ عَلَمِهِ ، فَتَكَامَلَتْ جِنَايَتُهُ فَيَجِبُ الدَّمُ .
وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانَ لَا يَفْعَلُ مَا يُوجِبُ الدَّمَ كَانَ لَا يَفْعَلُ مَا يُوجِبُ الصَّدَقَةَ ، وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ حَالَةَ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَةِ ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ وَكَفَّرَ ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith