أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ ° , أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ ° ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَنْجُوِيُّ ° , حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَقْرَجيُّ ° , حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوِيَّةَ ° , حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى ° , حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ ° ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ° ، عَنِ الضَّحَّاكِ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَحِمَ اللَّهُ أَخِي يُوسُفَ ، لَوْ لَمْ يَقُلِ : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ سورة يوسف آية 55 . لاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَهُ لِذَلِكَ سَنَةً ، فَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ سَنَةً مَعَ الْمَلِكِ "
وبإسناده عَنِ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما ، قَالَ : لما انصرمت السنة من اليوم الذي سأل الإمارة ، دعاه الملك ، فتوجه ، وقلده بسيفه ، ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت ، وضرب عليه حلة من إستبرق ، وطول السرير ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرة أذرع ، عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة , ثم أمره أن يخرج ، فخرج متوجا ، ولونه كالثلج ، ووجهه كالقمر ، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه ، فانطلق حتى جلس على السرير ، ودانت له الملوك ، ودخل الملك بيته ، وفوض إليه أمر مصر ، وعزل قطفير عما كان عليه ، وجعل يوسف مكانه . قَالَه ابن إِسْحَاق . وقال ابن زيد : وكان لملك مصر خزائن كثيرة ، فسلم سلطانه كله إليه ، وجعل أمره وقضاءه نافذا ، قالوا : ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي ، فزوج الملك يوسف راعيل امرأة قطفير ، فلما دخل عليها ، قَالَ : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ فقالت : أيها الصديق ، لا تلمني ، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك اللَّه في حسنك وجمالك وهيئتك ، فغلبتني نفسي . فوجدها عذراء ، فأصابها ، فولدت له ولدين : أفراثيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف ، واستوثق ليوسف ملك مصر ، فأقام فيهم العدل ، وأحبه الرجال والنساء ، فذلك قوله تعالى : وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ { 56 } وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ { 57 } سورة يوسف آية 56-57 . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ سورة يوسف آية 56 يعني : أرض مصر ملكناه ، مِنْهَا يَتَبَوَّأُ سورة يوسف آية 56 أي : ينزل ، حَيْثُ يَشَاءُ سورة يوسف آية 56 ويصنع فيها ما يشاء . قرأ ابن كثير نشاء بالنون ردا على قوله : مَكَّنَّا سورة يوسف آية 56 . وقرأ الآخرون بالياء ردا على قوله : يَتَبَوَّأُ سورة يوسف آية 56 . مَنْ نَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا سورة يوسف آية 56 أي : بنعمتنا ، وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ سورة يوسف آية 56 قَالَ ابن عباس ووهب : يعني : الصابرين . قَالَ مجاهد ، وغيره : فلم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ، ويتلطف له ، حتى أسلم الملك ، وكثير من الناس ، فهذا في أمر الدنيا ، وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ ثواب الآخرة ، خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ سورة يوسف آية 57 . فلما اطمأن يوسف في ملكه ، دبر في جمع الطعام بأحسن التدبير ، وبنى الحصون والبيوت الكثيرة ، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة ، وأنفق بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ، ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد الناس بمثله ، وروي أنه كان قد دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار ، فلما دخلت سنة القحط ، كان أول من أخذه الجوع هو الملك في نصف الليل ، فنادى : يا يوسف ، الجوع الجوع . فقال يوسف : هذا أوان القحط . ففي السنة الأولى من سنين الجدب هلك كل شيء أعدوه في السنين المخصبة ، فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام ، فباعهم أول سنة بالنقود ، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ، وباعهم السنة الثانية بالحلي والجواهر ، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء ، وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب ، حتى احتوى عليها أجمع ، وباعهم السنة الرابعة بالعبيد والإماء ، حتى لم يبق في يد أحد عبد ولا أمة ، وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور ، حتى احتوى عليها ، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم ، وباعهم السنة السابعة برقابهم ، حتى استرقهم ، ولم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له , فقال الناس : ما رأينا يوما كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من هذا . ثم قَالَ يوسف للملك : كيف رأيت صنع ربي فيما خولني ؟ فما ترى في ذلك ؟ فقال له الملك : الرأي رأيك ، ونحن لك تبع . قَالَ : إني أشهد اللَّه ، وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عَنْ آخرهم ، ورددت عليهم أملاكهم ، وروي أن يوسف كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام ، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع . وأمر يوسف عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غداءه نصف النهار ، وأراد بذلك بأن يذوق الملك طعم الجوع ، فلا ينسى الجائعين ، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار ، قَالَ : وقصد الناس مصر من كل أوب يمتارون الطعام ، فجعل يوسف لا يمكن أحدا منهم ، وإن كان عظيما ، أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس ، وتزاحم الناس عليه ، وأصاب أرض كنعان ، وبلاد الشام ما أصاب الناس في سائر البلاد من القحط والشدة ، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس ، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة ، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه ، فذلك قوله تعالى : وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ سورة يوسف آية 58 . وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ سورة يوسف آية 58 وكانوا عشرة ، وكان منزلهم بالعرنات من أرض فلسطين ، بغور الشام ، وكانوا أهل بادية ، وإبل ، وشاء ، فدعاهم يَعْقُوب عليه السلام , وقال : يا بني ، بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام ، فتجهزوا لتشتروا منه الطعام ، فأرسلهم ، فقدموا مصر ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ سورة يوسف آية 58 على يوسف ، فَعَرَفَهُمْ سورة يوسف آية 58 يوسف عليه السلام ، قَالَ ابن عباس ومجاهد : عرفهم بأول ما نظر إليهم . وقال الحسن : لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه . وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ سورة يوسف آية 58 أي : لم يعرفوه ، قَالَ ابن عباس : وكان بين أن قذفوه في البئر ، وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة ، فلذلك أنكروه . وقال عطاء : إنما لم يعرفوه ، لأنه كان على سرير الملك ، وعلى رأسه تاج الملك . وقيل : لأنه كان بزي ملوك مصر ، عليه ثياب من حرير ، وفي عنقه طوق من ذهب ، فلما نظر إليهم يوسف ، وكلموه بالعبرانية ، قَالَ لهم : أخبروني من أنتم ، وما أمركم ، فإني أنكرت شأنكم ؟ قالوا : قوم من أهل الشام رعاة ، أصابنا الجهد ، فجئنا نمتار . فقال : لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي . قَالُوا : لا والله ، وما نحن بجواسيس ، إنما نحن أخوة بنو أب واحد ، وهو شيخ صديق ، يقال له : يَعْقُوب ، نبي من أنبياء اللَّه . قال : وكم أنتم ؟ قالوا : كنا اثني عشر ، فذهب أخ لنا معنا إلى البرية ، فهلك فيها ، وكان أحبنا إلى أبينا . قَالَ : فكم أنتم ههنا ؟ قالوا : عشرة . قَالَ : وأين الآخر ؟ قالوا : عند أبينا ، لأنه أخو الذي هلك من أمه ، فأبونا يتسلى به . قال : فمن يعلم أن الذي تقولون حق ؟ قالوا : أيها الملك , إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد من أهلها . فقال يوسف : فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين ، وأَنَا أرضى بذلك . قالوا : فإن أبانا يحزن على فراقه ، وسنراود عنه أباه . قَالَ : فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم ، فاقترعوا بينهم ، فأصابت القرعة شمعون ، وكان أحسنهم رأيا في يوسف ، فخلفوه عنده . فذلك قوله عز وجل : وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ { 59 } فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ { 60 } قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ { 61 } وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ سورة يوسف آية 59-62 . وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ سورة يوسف آية 59 أي : حمل لكل واحد بعيرا بعدتهم ، قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ سورة يوسف آية 59 يعني : بنيامين ، أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ سورة يوسف آية 59 أي : أتمه ، ولا أبخس الناس شيئا ، فأزيدكم حمل بعير لأجل أخيكم ، وأكرم منزلتكم ، وأحسن إليكم ، وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ سورة يوسف آية 59 قَالَ مجاهد : أي خير المضيفين ، وكان قد أحسن ضيافتهم . فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي سورة يوسف آية 60 أي : ليس لكم عندي طعام أكيله لكم ، وَلا تَقْرَبُونِ سورة يوسف آية 60 أي : لا تقربوا داري وبلادي بعد ذلك ، وهو جزم على النهي . قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ سورة يوسف آية 61 أي : نطلبه ونسأله أن يرسله معنا ، وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ سورة يوسف آية 61 ما أمرتنا به . وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ سورة يوسف آية 62 قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص : لِفِتْيَانِهِ سورة يوسف آية 62 بالألف والنون ، وقرأ الباقون لفتيته بالتاء من غير ألف ، يريد : لغلمانه ، وهما لغتان مثل الصبيان والصبية ، اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ سورة يوسف آية 62 ثمن طعامهم ، وكانت دراهم , وقال الضحاك عَنِ ابن عباس : كانت النعال والأدم . وقيل : كانت ثمانية جرب من سويق المقل . والأول أصح ، فِي رِحَالِهِمْ سورة يوسف آية 62 أوعيتهم ، وهي جمع رحل ، لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا سورة يوسف آية 62 انصرفوا ، إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ سورة يوسف آية 62 . واختلفوا في السبب الذي فعله يوسف من أجله ، قيل : أراد أن يريهم كرمه في رد البضاعة ، وتقديم الضمان في البر والإحسان ، ليكون أدعى لهم إلى العود ، لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا سورة يوسف آية 62 أي : كرامتهم علينا . وقيل : رأى لؤما ، أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه ، فرده عليهم من حيث لا يعلمون تكرما . وقال الكلبي : تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى . وقيل : فعل ذلك ، لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة نفيا للغلط ، ولا يستحلون إمساكها . فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ { 63 } قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ { 64 } سورة يوسف آية 63-64 . فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا سورة يوسف آية 63 إنا قدمنا على خير رجل ، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من أولاد يَعْقُوب ما أكرمنا كرامته . فقال لهم يَعْقُوب : إذا أتيتم ملك مصر فأقرئوه مني السلام ، وقولوا له : إن أبانا يصلي عليك ، ويدعو لك بما أوليتنا . ثم قَالَ : أين شمعون ؟ قالوا : ارتهنه ملك مصر . وأخبروه بالقصة , فقال لهم : ولم أخبرتموه ؟ قالوا : إنه أخذنا , وقال : أنتم جواسيس ، حيث كلمناه بلسان العبرانية ، وقصوا عليه القصة ، وقالوا : يا أبانا ، مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ سورة يوسف آية 63 قَالَ الحسن : معناه : يمنع منا الكيل إن لم تحمل أخانا معنا ، وقيل : معناه : أعطى باسم كل واحد حملًا ، ومنع منا الكيل لبنيامين ، والمراد بالكيل : الطعام ، لأنه يكال ، فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا سورة يوسف آية 63 بنيامين ، نَكْتَلْ سورة يوسف آية 63 قرأ حمزة والكسائي يكتل بالياء ، يعني : يكتل لنفسه كما نحن نكتال ، وقرأ الآخرون نَكْتَلْ سورة يوسف آية 63 بالنون ، يعني : نكتل نَحْنُ وهو الطعام ، وقيل : نكتل له . وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ سورة يوسف آية 63 . قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ سورة يوسف آية 64 يوسف ، مِنْ قَبْلُ سورة يوسف آية 64 أي : كيف آمنكم عليه ، وقد فعلتم بيوسف ما فعلتم ؟ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا سورة يوسف آية 64 قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص حافظا بالألف على التفسير ، كما يقال : هو خير رجلا ، وقرأ الآخرون حفظا ، بغير ألف على المصدر ، يعني : خيركم حفظا ، يقول : حفظه خير من حفظكم . وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ سورة يوسف آية 64 وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ { 65 } قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ { 66 } سورة يوسف آية 65-66 . وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ سورة يوسف آية 64 الذي حملوه من مصر ، وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ سورة يوسف آية 65 ثمن الطعام ، رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي سورة يوسف آية 65 أي : ماذا نبغي ، وأي شيء نطلب ؟ وذلك أنهم ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم ، وحثوه على إرسال بنيامين معهم ، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة ، هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا سورة يوسف آية 65 أي شيء نطلب بالكلام ؟ فهذا هو العيان من الإحسان والإكرام ، أوفى لنا الكيل ، ورد علينا الثمن ، أرادوا تطييب نفس أبيهم ، وَنَمِيرُ أَهْلَنَا سورة يوسف آية 65 أي : نشتري لهم الطعام ، فنحمله إليهم . يقال : مار أهله يمير ميرا . إذا حمل إليهم الطعام من بلد إلى بلد آخر ، ومثله : امتار يمتار امتيارا ، وَنَحْفَظُ أَخَانَا سورة يوسف آية 65 بنيامين ، أي : مما تخاف عليه ، وَنَزْدَادُ سورة يوسف آية 65 على أحمالنا ، كَيْلَ بَعِيرٍ سورة يوسف آية 65 أي : حمل بعير ، يكال لنا من أجله ، لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير ، ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ سورة يوسف آية 65 أي : ما حملناه قليل لا يكفينا وأهلنا ، وقيل : معناه : نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ، لا مؤنة فيه ولا مشقة . وقال مجاهد : البعير ههنا : الحمار ، كيل بعير أي : حمل حمار ، وهي لغة ، يقال للحمار : بعير . وهم كانوا أصحاب حمر ، والأول أصح أَنَّهُ البعير المعروف . قَالَ سورة يوسف آية 66 لهم يَعْقُوب : لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ سورة يوسف آية 66 تعطون ، مَوْثِقًا سورة يوسف آية 66 أي : ميثاقا وعهدا ، مِنَ اللَّهِ سورة يوسف آية 66 والعهد الموثق : المؤكد بالقسم ، وقيل : المؤكد بإشهاد اللَّه عَلَى نفسه . لَتَأْتُنَّنِي بِهِ سورة يوسف آية 66 وأدخل اللام فِيهِ لأن معنى الكلام اليمين ، إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ سورة يوسف آية 66 قَالَ مجاهد : إلا أن تهلكوا جميعا . وقال قتادة : إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذَلكَ . وفي القصة أن الأخوة ضاق الأمر عليهم ، وجهدوا أشد الجهد ، فلم يجد يَعْقُوب بدا من إرسال بنيامين معهم ، فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ سورة يوسف آية 66 أعطوه عهودهم ، قَالَ سورة يوسف آية 66 يعني : يَعْقُوب ، اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ سورة يوسف آية 66 شاهد ، وقيل : حافظ . قَالَ كعب : لما قَالَ يَعْقُوب : فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا سورة يوسف آية 64 . قَالَ اللَّه عز وجل : " وعزتي لأردن عليك كليهما بعدما توكلت علي . وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ { 67 } وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ سورة يوسف آية 67-78 . وَقَالَ سورة يوسف آية 67 لهم يَعْقُوب لما أرادوا الخروج من عنده ، يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ سورة يوسف آية 67 وذلك أَنَّهُ خاف عليهم العين ، لأنهم كانوا أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة ، وكانوا ولد رَجُل واحد ، فأمرهم أن يتفرقوا فِي دخولهم ، لئلا يصابوا بالعين ، فإن العين حق ، وجاء فِي الأثر : " إن العين تدخل الرجل القبر ، والجمل القدر " . وعن إِبْرَاهِيم النخعي ، أنه قَالَ ذلك ، لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق ، والأول أصح , ثم قَالَ : وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ سورة يوسف آية 67 . معناه : إن كان اللَّه قضى فيكم قضاء ، فيصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين ، فإن المقدور كائن ، والحذر لا ينفع عَنِ القدر ، إِنِ الْحُكْمُ سورة يوسف آية 67 ما الحكم ، إِلا لِلَّهِ سورة يوسف آية 67 هذا تفويض يَعْقُوب أموره إلى اللَّه ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ سورة يوسف آية 67 اعتمدت ، وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ سورة يوسف آية 67 . وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ سورة يوسف آية 68 أي : من الأبواب المتفرقة ، وقيل : كانت المدينة مدينة الفرماء ، ولها أربعة أبواب ، فدخلوها من أبوابها . مَا كَانَ يُغْنِي سورة يوسف آية 68 يدفع ، عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ سورة يوسف آية 68 صدق اللَّه تعالى يَعْقُوب فيما قَالَ : إِلا حَاجَةً سورة يوسف آية 68 مرادا ، فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا سورة يوسف آية 68 أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم ، وجرى الأمر عليه ، وَإِنَّهُ سورة يوسف آية 68 يعني : يَعْقُوب عليه السلام ، لَذُو عِلْمٍ سورة يوسف آية 68 يعني كان يعمل ما يعمل عَنْ علم ، لا عَنْ جهل ، لِمَا عَلَّمْنَاهُ سورة يوسف آية 68 أي : لتعليمنا إياه ، وقيل : إنه لعامل بما علم . قَالَ سفيان : من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما . وقيل : إنه لذو حفظ لما علمناه . وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ سورة يوسف آية 68 ما يعلم يَعْقُوب ، لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم , وقال ابن عباس : لا يعلم المشركون ما ألهم اللَّه أولياءه . وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ سورة يوسف آية 69 . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ سورة يوسف آية 69 قالوا : هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به ، قد جئناك به . فقال : أحسنتم وأصبتم ، وستجدون جزاء ذلك عندي . ثم أنزلهم ، وأكرمهم , ثم أضافهم ، وأجلس كل اثنين منهم على مائدة ، فبقي بنيامين وحيدا ، فبكى ، وقال : لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه . فقال يوسف : لقد بقي أحدكم هذا وحيدا . فأجلسه معه على مائدته ، فجعل يواكله ، فلما كان الليل أمر لهم بمثل ذلك , وقال : لينم كل أخوين منكم على مثال . فبقي بنيامين وحده , فقال يوسف : هذا ينام معي على فراشي . فنام معه ، فجعل يوسف يضمه إليه ، ويشم ريحه حتى أصبح ، وجعل روبين يقول : ما رأينا مثل هذا . فلما أصبح ، قَالَ لهم : إني أرى هذا الرجل ليس معه ثان ، فسأضمه إلي ، فيكون منزله معي , ثم أنزلهم منزلا ، وأجرى عليهم الطعام ، وأنزل أخاه لأمه معه . فلك قوله : آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ سورة يوسف آية 69 أي : ضم إليه أخاه ، فلما خلا به ، قَالَ : ما اسمك ؟ قَالَ : بنيامين ، قَالَ : وما بنيامين ؟ قَالَ : ابن المثكل . وذلك أنه لما ولد هلكت أمه ، قَالَ : وما اسم أمك ؟ قَالَ : راحيل بنت لاوي ، قَالَ : فهل لك من ولد ؟ قَالَ : نعم ، عشرة بنين . قَالَ : فهل لك من أخ لأمك ؟ قَالَ : كان لي أخ فهلك . قَالَ يوسف : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟ فقال بنيامين : ومن يجد أخا مثلك أيها الملك ، ولكن لم يلدك يَعْقُوب ولا راحيل . فبكى يوسف عند ذلك ، وقام إليه ، وعانقه , وقال له : قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ سورة يوسف آية 69 أي : لا تحزن ، بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ سورة يوسف آية 69 بشيء فعلوه بنا فيما مضى ، فإن اللَّه تعالى قد أحسن إلينا ، ولا تعلمهم شيئا مما أعلمتك , ثم أوفى يوسف لإخوته الكيل ، وحمل لهم بعيرا بعيرا ، ولبنيامين بعيرا باسمه , ثم أمر بسقاية الملك ، فجعلت في رحل بنيامين . قَالَ السدي : جعلت السقاية في رحل أخيه ، والأخ لا يشعر . وقال كعب : لما قَالَ له يوسف : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ سورة يوسف آية 69 . قَالَ بنيامين : أَنَا لا أفارقك . فقال له يوسف : قد علمت اغتمام والدي بي ، وإذا حبستك ازداد غمه ، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع ، وأنسبك إلى ما لا يحمد ، قَالَ : لا أبالي ، فافعل ما بدا لك ، فإني لا أفارق . قَالَ : فإني أدس صاعي في رحلك , ثم أَنَادي عليك بالسرقة ، ليهيأ لي ردك بعد تسريحك . قال : فافعل . فذلك قوله : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ { 70 } قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ { 71 } قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ { 72 } قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ سورة يوسف آية 70-73 . فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ سورة يوسف آية 70 وهي المشربة التي كان الملك يشرب منها ، قَالَ ابن عباس : كانت من زبرجد . وقال ابن إِسْحَاق : كانت من فضة . وقيل : من ذهب . وقال عكرمة : كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر ، جعلها يوسف مكيالا لئلا يكال بغيرها ، وكان يشرب منها . والسقاية والصواع واحد ، وجعلت في وعاء طعام بنيامين , ثم ارتحلوا ، وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا ، وذهبوا منزلا ، وقيل : حتى خرجوا من العمارة , ثم بعث خلفهم من استوقفهم وحبسهم . ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ سورة يوسف آية 70 نادى مناد ، أَيَّتُهَا الْعِيرُ سورة يوسف آية 70 وهي القافلة التي فيها الأحمال ، قَالَ مجاهد : كانت العير حميرا . وقال الفراء : كانوا أصحاب إبل ، إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ سورة يوسف آية 70 قفوا ، قيل : قالوه من غير أمر يوسف . وقيل : قالوه بأمره ، وكان هفوة منه . وقيل : قالوه على تأويل أنهم سرقوا يوسف من أبيه . فلما انتهى إليهم الرسول ، قَالَ لهم : ألم نكرم ضيافتكم ، ونحسن منزلتكم ، ونوفكم كيلكم ، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم ؟ قالوا : بلى ، وما ذاك ؟ قالوا : سقاية الملك فقدناها ، ولا نتهم عليها غيركم . فذلك قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ سورة يوسف آية 71 عطفوا على المؤذن وأصحابه ، مَاذَا تَفْقِدُونَ سورة يوسف آية 71 ما الذي ضل عنكم ، والفقدان : ضد الوجدان . قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ سورة يوسف آية 72 من الطعام ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ سورة يوسف آية 72 كفيل ، يقوله المؤذن . قَالُوا سورة يوسف آية 73 يعني : إخوة يوسف ، تَاللَّهِ سورة يوسف آية 73 أي : والله ، وخصت هذه الكلمة بأن أبدلت الواو فيها بالتاء في اليمين ، دون سائر أسماء اللَّه تعالى ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ سورة يوسف آية 73 لنسرق في أرض مصر ، فإن قيل : كيف قالوا لقد علمتم ؟ ومن أين علموا ذلك ؟ قيل : قالوا : لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ سورة يوسف آية 73 . فإنا منذ قطعنا هذا الطريق لم نرزأ أحدا شيئا ، فاسألوا عنا من مررنا به ، هل ضررنا أحدا ؟ وقيل : لأنهم ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم ، قالوا : فلو كنا سارقين ما رددناها . وقيل : قالوا ذلك لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم ، وكانوا إذا دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم لكيلا تتناول شيئا من حروث الناس . وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ { 74 } قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ { 75 } فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ { 76 } سورة يوسف آية 74-76 . قَالُوا سورة يوسف آية 74 يعني : المنادي وأصحابه ، فَمَا جَزَاؤُهُ سورة يوسف آية 74 أي : جزاء السارق ، إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ سورة يوسف آية 74 في قولكم : وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ سورة يوسف آية 73 . قَالُوا سورة يوسف آية 75 يعني : إخوة يوسف : جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ سورة يوسف آية 75 أي : فالسارق جزاؤه أن يسلم السارق بسرقته إلى المسروق منه ، فيسترقه سنة ، وكان ذلك سنة آل يَعْقُوب في حكم السارق ، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ، ويغرم ضعفي قيمة المسروق ، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده ، فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم ، كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ سورة يوسف آية 75 الفاعلين ما ليس لهم فعله من سرقة مال الغير , فقال الرسول عند ذلك : لا بد من تفتيش أمتعتكم . فأخذ في تفتيشها ، وروي أنه ردهم إلى يوسف ، فأمر بتفتيش أوعيتهم بين يديه . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ سورة يوسف آية 76 لإزالة التهمة ، قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ سورة يوسف آية 76 فكان يفتش أوعيتهم واحدا واحدا ، قَالَ قتادة : ذكر لنا أَنَّهُ كان لا يفتح متاعا ، ولا ينظر في وعاء إلا استغفر اللَّه تأثما مما قذفهم به ، حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين ، قَالَ : ما أظن هذا أخذه . فقال إخوته : والله لا نترك حتى تنظر في رحله ، فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا . فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه . فلذلك قوله : ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ سورة يوسف آية 76 . وإنما أنث الكناية في قوله : ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا سورة يوسف آية 76 والصواع مذكر ، بدليل قوله : وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ سورة يوسف آية 72 . لأنه رد الكناية ههنا إلى السقاية ، وقيل : الصواع يذكر ويؤنث . فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رءوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين ، وقالوا : ما الذي صنعت ؟ فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل . ما يزال لنا منكم البلاء ، متى أخذت هذا الصواع ؟ فقال بنيامين : بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ، ذهبتم بأخي ، فأهلكتموه في البرية ، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحال . فأخذوا بنيامين رقيقا . وقيل : إن ذلك الرجل أخذ برقبته ، ورده إلى يوسف كما يرد السراق . كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ سورة يوسف آية 76 والكيد ههنا : جزاء الكيد ، يعني : كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم ، وقد قَالَ يَعْقُوب عليه السلام ليوسف : فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا سورة يوسف آية 5 . فكدنا ليوسف في أمرهم ، والكيد من الخلق : الحيلة ، ومن اللَّه تعالى : التدبير بالحق ، وقيل : كدنا : ألهمتنا . وقيل : دبرنا . وقيل : أردنا . ومعناه : صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه ، وحال بينه وبين إخوته . مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ سورة يوسف آية 76 فيضمه إلى نفسه ، فِي دِينِ الْمَلِكِ سورة يوسف آية 76 أي : في حكمه ، قَالَه قتادة , وقال ابن عباس : في سلطانه . إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ سورة يوسف آية 76 يعني : إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك ، لولا ما كدنا له بلطفنا ، حتى وجد السبيل إلى ذلك ، وهو ما أجري على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق ، فحصل مراد يوسف بمشيئة اللَّه تعالى ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ سورة يوسف آية 76 بالعلم ، كما رفعنا درجة يوسف على إخوته ، وقرأ يَعْقُوب يرفع ، و يشاء بالياء فيهما ، وإضافة درجات إلى من في هذه السورة ، والوجه : أن الفعل فيهما مسند إلى اللَّه تعالى ، وقد تقدم ذكره في قوله : إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ سورة يوسف آية 76 . أي : يرفع اللَّه درجات من يشاء ، وقرأ الباقون بالنون فيهما ، إلا أن الكوفيين قرءوا درجات بالتنوين ، ومن سواهم بالإضافة ، أي : نرفع به نحن ، والرافع أيضا هو اللَّه تعالى ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ سورة يوسف آية 76 قَالَ ابن عباس : فوق كل عالم عالم ، إلى أن ينتهي العلم إلى اللَّه تعالى ، فالله تعالى فوق كل عالم . قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ سورة يوسف آية 77 . قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ سورة يوسف آية 77 يريدون : أخا له من أمه ، يعني : يوسف ، واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف عليه السلام , فقال سَعِيد بن جبير وقتادة : كان لجده أبي أمه صنم يعبده ، فأخذه سرا وكسره ، وألقاه في الطريق لئلا يعبد . وقال مجاهد : إن يوسف جاءه سائل يوما ، فأخذ بيضة من البيت ، فناولها للسائل . وقال سفيان بن عيينة : أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يَعْقُوب ، فأعطاها سائلا . وقال وهب : كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء . وذكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق أن يوسف كان عند عمته ابنة إِسْحَاق ، بعد موت أمه راحيل ، فحضنته عمته ، وأحبته حبا شديدا ، فلما ترعرع وقعت محبة يَعْقُوب عليه ، فأتاها , وقال : يا أختاه ، سلمي إلي يوسف ، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة . قالت : لا والله . فقال : والله ما أَنَا بتاركه . فقالت : دعه عندي أياما أنظر إليه ، لعل ذلك يسليني عنه . ففعل ذلك ، فعمدت إلى منطقة لإسحاق كانوا يتوارثونها بالكبر ، فكانت عندها ، لأنها كانت أكبر ولد إِسْحَاق ، فحزمت المنطقة على يوسف تحت ثيابه وهو صغير , ثم قالت : لقد فقدت منطقة إِسْحَاق ، اكشفوا أهل البيت ، فكشفوا ، فوجدوها مع يوسف , فقالت : والله إنه لسلم لي . فقال يَعْقُوب : إن فعل ذَلكَ فهو سلم لك . فأمسكته حتى ماتت ، فذلك الَّذِي قَالَ إخوة يوسف : إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ سورة يوسف آية 77 . فَأَسَرَّهَا سورة يوسف آية 77 أضمرها ، يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ سورة يوسف آية 77 وإنما أتت الكناية لأنه عنى بها الكلمة ، وهي قوله : قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا سورة يوسف آية 77 ذكرها سرا في نفسه ، ولم يصرح بها ، يريد : أنتم شر مكانا ، أي : منزلة عند اللَّه ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف ، لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقية ، وخيانتكم حقيقة ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ سورة يوسف آية 77 تقولون . قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ { 78 } قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ { 79 } سورة يوسف آية 78-79 . قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا سورة يوسف آية 78 في القصة أنهم غضبوا غضبا شديدا لهذه الحالة ، وكان بنو يَعْقُوب إذا غضبوا لم يطاقوا ، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء ، وإذا صاح ألقت كل امرأة حامل سمعت صوته ولدها ، وكان مع هذا إذا مسه أحد من ولد يَعْقُوب سكن غضبه . وقيل : كان هذا صفة شمعون من ولد يَعْقُوب . وروي أنه قَالَ لإخوته : كم عدد الأسواق بمصر ؟ فقالوا : عشرة , فقال : أكفوني أنتم الأسواق ، وأَنَا أكفيكم الملك ، أو أكفوني أنتم الملك ، وأَنَا أكفيكم الأسواق . فدخلوا على يوسف , فقال روبيل : لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها ، وقامت كل شعرة في جسد روبيل ، فخرجت من ثيابه , فقال يوسف لابن له صغير : قم إلى جنب روبيل فمسه . وروي : خذ بيده ، فأتني به ، فذهب الغلام فمسه ، فسكن غضبه , فقال روبيل : إن ههنا لبزرا من بذر يَعْقُوب , فقال يوسف : من يَعْقُوب ؟ وروي أنه غضب ثانيا ، فقام إليه يوسف ، فركضه برجله ، وأخذ بتلابيبه ، فوقع على الأرض , وقال : أنتم يا معشر العبرانيين ، تظنون أن لا أحد أشد منكم ؟ فلما صار أمرهم إلى هذا ، ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه ، خضعوا ، وذلوا ، وقالوا : يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا سورة يوسف آية 78 يحبه ، فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ سورة يوسف آية 78 بدلا منه ، إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ سورة يوسف آية 78 في أفعالك ، وقيل : من المحسنين إلينا في توفية الكيل ، وحسن الضيافة ، ورد البضاعة . وقيل : يعنون : إن فعلت ذلك كنت من المحسنين . قَالَ سورة يوسف آية 79 يوسف ، مَعَاذَ اللَّهِ سورة يوسف آية 79 أعوذ بالله ، أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ سورة يوسف آية 79 ولم يقل : إلا من سرق ، تحرزا من الكذب ، إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ سورة يوسف آية 79 إن أخذنا بريئا بمجرم . فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ سورة يوسف آية 80 . فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ سورة يوسف آية 80 أي : أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه , وقال أبو عبيدة : استيأسوا : استيقنوا ، أن الأخ لا يرد إليهم ، خَلَصُوا نَجِيًّا سورة يوسف آية 80 أي : خلا بعضهم ببعض يتناجون ، ويتشاورون ، لا يخالطهم غيرهم . والنجي يصلح للجماعة كما قَالَ ههنا ، ويصلح للواحد كقوله : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا سورة مريم آية 52 . وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتا كالعدل والزور ، ومثله النجوى يكون اسما ومصدرا ، قَالَ اللَّه تعالى : وَإِذْ هُمْ نَجْوَى سورة الإسراء آية 47 أي : متناجون , وقال : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ سورة المجادلة آية 7 . وقال : في المصدر : إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ سورة المجادلة آية 10 . قَالَ كَبِيرُهُمْ سورة يوسف آية 80 يعني : في العقل والعلم ، لا في السن . قَالَ ابن عباس والكلبي : هو يهوذا ، وهو أعقلهم . وقال مجاهد : هو شمعون ، وكانت له الرئاسة على إخوته . وقال قتادة ، والسدي ، والضحاك : هو روبيل ، وكان أكبرهم في السن ، وهو الذي نهى الإخوة عَنْ قتل يوسف . أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا سورة يوسف آية 80 عهدا ، مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ سورة يوسف آية 80 قصرتم ، فِي يُوسُفَ سورة يوسف آية 80 واختلفوا في محل ما ، قيل : هو نصب بإيقاع العلم عليه ، يعني : ألم تعلموا من قبل تفريطكم في يوسف ؟ وقيل : هو في محل الرفع على الابتداء ، وتم الكلام عند قوله : مِنَ اللَّهِ سورة يوسف آية 80 . ثم قَالَ : من قبل هذا تفريطكم في يوسف . وقيل : ما صلة ، أي : ومن قبل هذا فرطتم في يوسف ، فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ سورة يوسف آية 80 التي أَنَا بها ، وهي أرض مصر ، حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي سورة يوسف آية 80 بالخروج منها ، يدعوني ، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي سورة يوسف آية 80 برد أخي إلي ، أو بخروجي وترك أخي ، وقيل : أو يحكم اللَّه لي بالسيف ، فأقاتلهم ، وأسترد أخي . وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ سورة يوسف آية 80 أعدل من فصل بين الناس . ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ { 81 } وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ { 82 } سورة يوسف آية 81-82 . ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ سورة يوسف آية 81 يقول الأخ المحتبس بمصر لإخوته : ارجعوا إلى أبيكم . فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سورة يوسف آية 81 بنيامين ، سَرَقَ سورة يوسف آية 81 . وقرأ ابن عباس ، والضحاك سرق بضم السين وكسر الراء وتشديدها ، يعني : نسب إلى السرقة ، كما يقال : خونته . أي : نسبته إلى الخيانة . وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا سورة يوسف آية 81 يعني : ما قلنا هذا إلا بما علمنا ، فإنا رأينا إخراج الصواع من متاعه ، وقيل : معناه ، وما شهدنا إلا بما علمنا ، أي : ما كانت منا شهادة في عمرنا عَلَى شيء إلا بما علمنا ، وليست هذه شهادة منا ، إنما هو خبر عَنْ صنيع ابنك بزعمهم . وقيل : قَالَ لهم يَعْقُوب عليه السلام : ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم , فقالوا : وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا ، وكان الحكم ذلك عند الأنبياء : يعقوب وبنيه . وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ سورة يوسف آية 81 قَالَ مجاهد وقتادة : ما كنا نعلم أن ابنك سيسرق ، ويصير أمرنا إلى هذا ، ولو علمنا ذَلكَ ما ذهبنا إليه ، وإنما قلنا : ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه منه سبيل . وعن ابن عباس : ما كنا لليله ، ونهاره ، ومجيئه ، وذهابه حافظين . وقال عكرمة : وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ سورة يوسف آية 81 فلعلها دست بالليل في رحله . وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا سورة يوسف آية 82 أي : أهل القرية ، وهي مصر ، قَالَ ابن عباس : هي قرية من قرى مصر ، كانوا ارتحلوا منها إلى مصر . وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا سورة يوسف آية 82 أي : القافلة التي كنا فيها ، وكان صحبهم قوم من كنعان ، من جيران يَعْقُوب . قَالَ ابن إِسْحَاق : عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم ، لما كانوا صنعوا في أمر يوسف ، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم . وَإِنَّا لَصَادِقُونَ سورة يوسف آية 82 . فإن قيل : كيف استجاز يوسف أن يعمل مثل هذا بأبيه ، ولم يخبره بمكانه ، وحبس أخاه ، مع علمه بشدة وجد أبيه عليه ، وفيه معنى العقوق ، وقطيعة الرحم ، وقلة الشفقة ؟ قيل : قد أكثر الناس فيه ، والصحيح : أنه عمل ذلك بأمر اللَّه سبحانه وتعالى ، أمره بذلك ، ليزيد في بلاء يَعْقُوب ، فيضاعف له الأجر ، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين . وقيل : إنه لم يظهر نفسه لإخوته ، لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره تدبيرا ، فيكتموه عَنْ أبيه ، والأول أصح . قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ { 83 } وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ { 84 } قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ { 85 } سورة يوسف آية 83-85 . قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ سورة يوسف آية 83 زينت ، أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا سورة يوسف آية 83 وفيه اختصار ، معناه : فرجعوا إلى أبيهم ، وذكروا لأبيهم ما قَالَ كبيرهم , فقال يَعْقُوب : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا سورة يوسف آية 83 . أي : حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا سورة يوسف آية 83 يعني : يوسف ، وبنيامين ، وأخاهم المقيم بمصر ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ سورة يوسف آية 83 بحزني ووجدي على فقدهم ، الْحَكِيمُ سورة يوسف آية 83 في تدبير خلقه . قوله تعالى : وَتَوَلَّى عَنْهُمْ سورة يوسف آية 84 وذلك أن يَعْقُوب عليه السلام لما بلغه خبر بنيامين ، تتام حزنه ، وبلغ جهده ، وتهيج حزنه على يوسف ، فأعرض عنهم ، وَقَالَ يَا أَسَفَى سورة يوسف آية 84 يا حزناه ، عَلَى يُوسُفَ سورة يوسف آية 84 الأسف أشد الحزن ، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ سورة يوسف آية 84 عمي بصره ، قَالَ مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين . فَهُوَ كَظِيمٌ سورة يوسف آية 84 أي : مكظوم ، مملوء من الحزن ، ممسك عليه ، لا يبثه , وقال قتادة : يردد حزنه في جوفه ، ولم يقل إلا خيرا . قَالَ الحسن : كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عاما ، لا تجف عينا يَعْقُوب ، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على اللَّه من يَعْقُوب . قَالُوا سورة يوسف آية 85 يعني : أولاد يَعْقُوب : تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ سورة يوسف آية 85 أي : لا تزال تذكر يوسف ، لا تفتر من حبه ، ولا محذوفة من قوله : تفتأ . يقال : ما فتئ يفعل كذا . أي : ما زال ، كقول امرئ القيس : فقلت يمين اللَّه أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي . أي : لا أبرح . حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا سورة يوسف آية 85 قَالَ ابن عباس : دنفا . وقال مجاهد : الحرض : ما دون الموت ، يعني : قريبا من الموت . وقال ابن إِسْحَاق : فاسدا لا عقل لك . والحرض : الذي فسد جسمه وعقله ، وقيل : ذائبا من الهم . ومعنى الآية : حتى تكون دنف الجسم ، مخبول العقل . وأصل الحرض : الفساد في الجسم والعقل من الحزن ، أو الهرم ، أو العشق ، يقال : رجل حرض ، وامرأة حرض ، ورجلان وامرأتان حرض ، وامرأتان حرض ، ورجال ونساء كذلك ، يستوي فيه الواحد ، والاثنان ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث ، لأنه مصدر وضع موضع الاسم ، أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ سورة يوسف آية 85 أي : من الميتين . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ سورة يوسف آية 86 . قَالَ سورة يوسف آية 86 يَعْقُوب عليه السلام عند ذلك ، لما رأى غلظتهم : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ سورة يوسف آية 86 والبث : أشد الحزن ، سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه ، أي : يظهره ، قال الحسن : بثي أي : حاجتي . ويروى أنه دخل على يَعْقُوب جار له , وقال : يا يَعْقُوب ، مالي أراك قد تهشمت وفنيت ، ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك ؟ قَالَ : هشمني وأفناني ما ابتلاني اللَّه به من هم يوسف . فأوحى اللَّه إليه : " يا يَعْقُوب ، أتشكوني إلى خلقي ؟ " فقال : يا رب ، خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . فقال : " قد غفرتها لك . " فكان بعد ذلك إذا سئل ، قَالَ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ سورة يوسف آية 86 . وروي أنه قيل له : يا يَعْقُوب ، ما الذي أذهب بصرك ، وقوس ظهرك ؟ فقال : أذهب بصري بكائي على يوسف ، وقوس ظهري حزني على أخيه . فأوحى اللَّه إليه : " أتشكوني ؟ فوعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني . " فعند ذلك قَالَ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ سورة يوسف آية 86 . فأوحى اللَّه تعالى إليه : " وعزتي وجلالي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك ، وإنما وجدت عليكم ، لأنكم ذبحتم شاة ، فقام ببابكم مسكين ، فلم تطعموه منها شيئا ، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء , ثم المساكين ، فاصنع طعاما ، وادع المساكين . " فصنع طعاما ، ثم قَالَ : من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يَعْقُوب . وروي أنه كان بعد ذلك إذا تغدى ، أمر من ينادي : من أراد الغداء فليأت يَعْقُوب . وإذا أفطر ، أمر من ينادي : من أراد أن يفطر فليأت يَعْقُوب . فكان يتغدى ويتعشى مع المساكين ، وعن وهب بن منبه ، قَالَ : لما أوحى اللَّه تعالى إلى يَعْقُوب : " أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة " ؟ قَالَ : لا ، يا إلهي ، قَالَ : " لأنك قد شويت عناقا ، وقترت على جارك ، وأكلت ولم تطعمه " . وروي أن سبب ابتلاء يَعْقُوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور , وقال وهب ، والسدي ، وغيرهما : أتى جبريل إلى يوسف عليه السلام في السجن , فقال : هل تعرفني أيها الصديق ؟ قَالَ : أرى صورة طاهرة وريحا طيبة . قَالَ : إني رسول رب العالمين ، وأَنَا الروح الأمين . قَالَ : فما أدخلك مدخل المذنبين ، وأنت أطيب الطيبين ، ورأس المقربين ، وأمين رب العالمين ؟ قَالَ : ألم تعلم يا يوسف ، أن اللَّه تعالى يطهر البيوت بطهر النبيين ، وأن الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأراضين ، وأن اللَّه تعالى قد طهر بك السجن وما حوله يا طهر الطاهرين ، وابن الصالحين المخلصين ؟ قَالَ : وكيف لي باسم الصديقين ، وتعدني من المخلصين الطاهرين ، وقد أدخلت مدخل المذنبين ، وسميت باسم الفاسقين ؟ قَالَ جبريل : لأنه لم يفتن قلبك ، ولم تطع سيدتك في معصية ربك ، لذلك سماك اللَّه في الصديقين ، وعدك من المخلصين ، وألحقك بآبائك الصالحين . قَالَ يوسف : هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين ؟ قَالَ : نعم ، وهبه اللَّه الصبر الجميل ، وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم . قَالَ : فكم قدر حزنه ؟ قَالَ : حزن سبعين ثكلى . قَالَ : فماذا له من الأجر يا جبريل ؟ قَالَ : أجر مائة شهيد . قَالَ : أفتراني لاقيه ؟ قَالَ : نعم . فطابت نفس يوسف , وقال : ما أبالي بما لقيت إن رأيته . قوله تعالى : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ سورة يوسف آية 86 . يعني : أعلم من حياة يوسف ما لا تعلمون . روي أن ملك الموت زار يَعْقُوب , فقال له : أيها الملك الطيب ريحه ، الحسن صورته ، هل قبضت روح ولدي في الأرواح ؟ قَالَ : لا . فسكن يَعْقُوب ، وطمع في رؤيته , وقال : أعلم أن رؤيا يوسف صادقة ، وإني وأنتم سنسجد له . وقال السدي : لما أخبره ولده بسيرة الملك ، أحست نفس يَعْقُوب وطمع , وقال : لعله يوسف . فقال : يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ سورة يوسف آية 87 . وروي عَنْ عَبْد اللَّهِ بن يزيد بن أبي فروة ، أن يَعْقُوب عليه السلام كتب كتابا إلى يوسف عليه السلام حين حبس بنيامين : من يَعْقُوب إسرائيل اللَّه بن إِسْحَاق ذبيح اللَّه بن إِبْرَاهِيم خليل اللَّه إلى ملك مصر ، أما بعد ، فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء ، أما جدي إِبْرَاهِيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار ، فجعلها اللَّه عليه بردا وسلاما ، وأما أبي فشدت يده ورجلاه ، ووضع السكين على قفاه ، ففداه اللَّه ، وأما أَنَا فكان لي ابن ، وكان أحب أولادي إلي ، فذهب به إخوته إلى البرية , ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم , فقالوا : قد أكله الذئب . فذهبت عيناي من البكاء عليه , ثم كان لي ابن ، وكان أخاه لأمه ، وكنت أتسلى به ، وإنك حبسته ، وزعمت أنه سرق ، وإنا أهل بيت لا نسرق ، ولا نلد سارقا ، فإن رددته علي ، وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك . فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء ، وعيل صبره ، فأظهر نفسه على ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى . يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ { 87 } فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ { 88 } سورة يوسف آية 87-88 . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا سورة يوسف آية 87 تخبروا ، واطلبوا الخير ، مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ سورة يوسف آية 87 والتحسس بالحاء والجيم ، لا يبعد أحدهما من الآخر ، إلا أن التحسس بالحاء في الخير ، وبالجيم في الشر ، والتحسس : هو طلب الشيء بالحاسة . قَالَ ابن عباس : التمسوا . وَلا تَيْأَسُوا سورة يوسف آية 87 ولا تقنطوا ، مِنْ رَوْحِ اللَّهِ سورة يوسف آية 87 أي : من رحمة اللَّه ، وقيل : من فرج اللَّه . إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ سورة يوسف آية 87 . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سورة يوسف آية 88 وفيه إضمار ، تقديره : فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها ، فدخلوا عَلَى يوسف عليه السلام ، قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ سورة يوسف آية 88 أي : الشدة والجوع ، وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ سورة يوسف آية 88 أي : قليلة ، رديئة ، كاسدة ، لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها ، وأصل الإزجاء : السوق والدفع ، وقيل للبضاعة : مزجاة . لأنها غير نافقة ، وإنما تجوز على دفع من آخذها ، واختلفوا فيها , فقال ابن عباس : كانت دراهم رديئة زيوفا . وقيل : كانت خلق الغرائر والحبال . وقيل : كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط . وقال الكلبي ومقاتل : كانت الحبة الخضراء . وقيل : كانت سويق المقل . وقيل : كانت الأدم والنعال . فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ سورة يوسف آية 88 أي : أعطنا ما كنت تعطينا قبل بالثمن الجيد الوافي . وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا سورة يوسف آية 88 أي : تفضل علينا بما بين الثمنين ، الجيد والرديء ، ولا تنقصنا ، هذا قول أكثر المفسرين , وقال ابن جريج ، والضحاك : وتصدق علينا برد أخينا إلينا . إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي سورة يوسف آية 88 يثيب ، الْمُتَصَدِّقِينَ سورة يوسف آية 88 . وقال الضحاك : لم يقولوا : إن اللَّه يجزيك . لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن . وسئل سفيان بن عيينة هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا عليه الصلاة والسلام ؟ فقال سفيان : ألم تسمع قوله تعالى : وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ سورة يوسف آية 88 . يريد : أن الصدقات كانت حلالا لهم . وروي أن الحسن سمع رجلا يقول : اللهم تصدق علي . فقال : إن اللَّه لا يتصدق ، وإنما يتصدق من يبغي الثواب ، قل : اللهم أعطني ، أو تفضل علي . قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ سورة يوسف آية 89 . قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ سورة يوسف آية 89 اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول ، قَالَ ابن إِسْحَاق : ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام ، أدركته الرقة ، فارفض دمعه ، فباح بالذي كان يكتم منه . وقال الكلبي : إنما قَالَ ذلك حين حكى لإخوته أن مالك بن ذعر ، قَالَ : إني وجدت غلاما في بئر من حاله كيت وكيت ، فابتعته بكذا درهما . فقالوا : أيها الملك ، نحن بعنا ذلك الغلام ، فغاظ يوسف ذلك ، وأمر بقتلهم ، فذهبوا بهم ليقتلوهم ، فولى يهوذا وهو يقول : كان يَعْقُوب يحزن ويبكي لفقد واحد منا حتى كف بصره ، فكيف إذ أتاه قتل بنيه كلهم ؟ ثم قالوا له : إن فعلت ذلك ، فابعث بأمتعتنا إلى أبينا ، فإنه بمكان كذا وكذا . فذلك حين رحمهم وبكى , وقال ذلك القول ، وقيل : قاله حين قرأ كتاب أبيه إليه ، فلم يتمالك البكاء ، فقال : هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ سورة يوسف آية 89 إذ فرقتم بينهما ، وصنعتم ما صنعتم ، إذ أنتم جاهلون بما يئول إليه أمر يوسف ؟ وقيل : مذنبون وعاصون . وقال الحسن : إذ أنتم شبان ، ومعكم جهل الشباب ، فإن قيل : كيف قَالَ : مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ سورة يوسف آية 89 وما كان منهم إلى أخيه ، وهم لم يسعوا في حبسه ؟ قيل : قد قالوا له في الصاع : ما يزال لنا بلاء ، وقيل : ما رأينا منكم يا بني راحيل خيرا . وقيل : لما كانا من أم واحدة كانوا يؤذونه من بعد فقد يوسف . قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ { 90 } قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ سورة يوسف آية 90-91 . قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ سورة يوسف آية 90 قرأ ابن كثير ، وأبو جعفر إنك على الخبر ، وقرأ الآخرون على الاستفهام ، قَالَ ابن إِسْحَاق : كان يوسف يتكلم من وراء ستر ، فلما قَالَ يوسف : هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ سورة يوسف آية 89 ؟ كشف عنهم الغطاء ، ورفع الحجاب ، فعرفوه . وقال الضحاك ، عَنِ ابن عباس : لما قَالَ هذا القول تبسم ، فرأوا ثناياه كاللؤلؤ المنظوم ، فشبهوه بيوسف ، فقالوا استفهاما : أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ سورة يوسف آية 90 ؟ وقال عطاء ، عَنِ ابن عباس : إن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عَنْ رأسه ، وكان له في قرنه علامة ، وكان ليعقوب مثلها ، ولإسحاق مثلها ، ولسارة مثلها ، شبه الشامة ، فعرفوه , فقالوا : أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ سورة يوسف آية 90 ؟ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي سورة يوسف آية 90 بنيامين ، قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا سورة يوسف آية 90 أنعم اللَّه علينا بأن جمع بيننا ، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ سورة يوسف آية 90 بأداء الفرائض ، واجتناب المعاصي ، وَيِصْبِرْ سورة يوسف آية 90 عما حرم اللَّه عز وجل عليه ، قَالَ ابن عباس : يتقي الزنا ، ويصبر عَنِ العزوبة . وقال مجاهد : يتقي المعصية ، ويصبر على السجن . فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ سورة يوسف آية 90 . قَالُوا سورة يوسف آية 91 معتذرين : تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا سورة يوسف آية 91 أي : اختارك اللَّه ، وفضلك علينا ، وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ سورة يوسف آية 91 أي : وما كُنَّا فِي صنيعنا بك إلا مخطئين مذنبين ، يقال : خطئ خطأ إذا تعمد ، وأخطأ إذا كان غير متعمد . قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ { 92 } اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ { 93 } سورة يوسف آية 92-93 . قَالَ سورة يوسف آية 92 يوسف ، وكان حليما : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ سورة يوسف آية 92 لا تعيير عليكم اليوم ، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ سورة يوسف آية 92 فلما عرفهم يوسف نفسه ، سألهم عَنْ أبيه , فقال : ما فعل أبي بعدي ؟ قالوا : ذهبت عيناه من البكاء ، فأعطاهم قميصه , وقَالَ : اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا سورة يوسف آية 93 أي : يعد مبصرا ، وقيل : يأتيني بصيرا ، لأنه كان قد دعاه . قَالَ الْحَسَن : لم يعلم أنّهُ يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه اللَّه عز وجل . قَالَ الضحاك : كَانَ ذلك القميص من نسج الجنة . وعن مجاهد ، قَالَ : أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه ، وكان ذلك القميص قميص إِبْرَاهِيم عليه السلام ، وذلك أنه جرد من ثيابه ، وألقي في النار عريانا ، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ، فألبسه إياه ، فكان ذلك القميص عند إِبْرَاهِيم عليه السلام ، فلما مات ورثه إِسْحَاق ، فلما مات ورثه يَعْقُوب ، فلما شب يوسف جعل يَعْقُوب ذلك القميص في قصبة ، وسد رأسها ، وعلقها في عنقه ، لما كان يخاف عليه من العين ، فكان لا يفارقه ، فلما ألقي في البئر عريانا ، جاءه جبريل عليه السلام ، وعلى يوسف ذلك التعويذ ، فأخرج القميص منه ، وألبسه إياه ، ففي هذا الوقت جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام , وقال : أرسل ذلك القميص ، فإن فيه ريح الجنة ، لا يقع على سقيم ولا مبتلي إلا عوفي . فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته , وقال : ألقوه على وجه أبي يأت بصيرا . وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ سورة يوسف آية 93 . وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ { 94 } قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ { 95 } فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ { 96 } سورة يوسف آية 94-96 . وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ سورة يوسف آية 94 أي : خرجت من عريش مصر متوجهة إلى كنعان ، قَالَ أَبُوهُمْ سورة يوسف آية 94 أي : قَالَ يَعْقُوب لولد ولده : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ سورة يوسف آية 94 . روي أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يَعْقُوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير . قَالَ مجاهد : أصاب يَعْقُوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام . وحكي عَنِ ابن عباس من مسيرة ثمان ليال . وقال الحسن : كان بينهما ثمانون فرسخا . وقيل : هبت ريح ، فصفقت القميص ، فاحتملت ريح القميص إلى يَعْقُوب ، فوجد ريح الجنة ، فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص ، فلذلك قَالَ : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ سورة يوسف آية 94 . لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ سورة يوسف آية 94 تسفهوني ، وعن ابن عباس : تجهلوني . وقال الضحاك : تهرمون ، فتقولون : شيخ كبير قد خرف ، وذهب عقله . وقيل : تضعفوني . وقال أبو عبيدة : تضللوني . وأصل الفند : الفساد . قَالُوا سورة يوسف آية 95 يعني : أولاد أولاده : تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ سورة يوسف آية 95 أي : في خطئك القديم من ذكر يوسف لا تنساه ، والضلال هو الذهاب عَنِ الطريق الصواب ، فإن عندهم أن يوسف قد مات ، ويرون يَعْقُوب قد لهج بذكره . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ سورة يوسف آية 96 وهو المبشر عَنْ يوسف ، قَالَ ابن مسعود : جاء البشير بين يدي العير . قَالَ ابن عباس : هو يهوذا . قَالَ السدي : قال يهوذا : أَنَا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يَعْقُوب ، فأخبرته أن يوسف أكله الذئب ، فأَنَا أذهب إليه اليوم بالقميص ، فأخبره أن ولده حي ، فأفرحه كما أحزنته . قَالَ ابن عباس : حمله يهوذا ، وخرج حافيا حاسرا يعدو ، ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى أتى أباه ، وكانت المسافة ثمانين فرسخا . وقيل : البشير : مالك بن ذعر . أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ سورة يوسف آية 96 يعني : ألقي البشير قميص يوسف على وجه يَعْقُوب ، فَارْتَدَّ بَصِيرًا سورة يوسف آية 96 فعاد بصيرا بعدما كان عمي ، وعادت إليه قوته بعد الضعف ، وشبابه بعد الهرم ، وسروره بعد الحزن ، قَالَ سورة يوسف آية 96 يعني : يَعْقُوب عليه السلام : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ سورة يوسف آية 96 من حياة يوسف ، وأن اللَّه يجمع بيننا ، وروي أنه قَالَ للبشير : كيف تركت يوسف ؟ قَالَ : إنه ملك مصر . فقال يَعْقُوب : ما أصنع بالملك ، على أي دين تركته ؟ قَالَ على دين الإسلام . قَالَ : الآن تمت النعمة . قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ { 97 } قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ { 98 } سورة يوسف آية 97-98 . قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ سورة يوسف آية 97 مذنبين . قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ سورة يوسف آية 98 قَالَ أكثر المفسرين : أخر الدعاء إلى السحر ، وهو الوقت الذي يقول اللَّه تعالى : " هل من داع فأستجيب له " . فلما انتهى يَعْقُوب إلى الموعد ، قام إلى الصلاة بالسحر ، فلما فرغ منها ، رفع يديه إلى اللَّه عز وجل , وقال : اللهم اغفر لي جزعي على يوسف ، وقلة صبري عنه ، واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف . فأوحى اللَّه تعالى إليه : " أني قد غفرت لك ولهم أجمعين . " وعن عكرمة ، عَنِ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ سورة يوسف آية 98 يعني : ليلة الجمعة . قَالَ وهب : كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة . وقال طاوس : أخر الدعاء إلى السحر من ليلة الجمعة ، فوافق ليلة عاشوراء . وعن الشعبي ، قَالَ : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ سورة يوسف آية 98 قَالَ : أسأل يوسف إن عفا عنكم أستغفر لكم ربي . إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ سورة يوسف آية 98 . روي أن يوسف كان قد بعث مع البشير إلى يَعْقُوب مائتي راحلة ، وجهازا كثيرا ، ليأتوا بيعقوب وأهله وأولاده ، فتهيأ يَعْقُوب للخروج إلى مصر ، فخرجوا ، وهم اثنان وسبعون من بين رجل وامرأة , وقال مسروق : كانوا ثلاثة وتسعين . فلما دنا من مصر ، كلم يوسف الملك الذي فوقه ، فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجنود ، وركب أهل مصر معهما يتلقون يَعْقُوب ، وكان يَعْقُوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا ، فنظر إلى الخيل والناس , فقال : يا يهوذا هذا فرعون مصر ؟ قَالَ : لا ، هذا ابنك . فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ، ذهب يوسف يبدأ بالسلام , فقال جبريل : لا ، حتى يبدأ يَعْقُوب بالسلام , فقال يَعْقُوب : السلام عليك يا مذهب الأحزان . وروي أنهما نزلا وتعانقا , وقال الثوري : لما التقى يَعْقُوب ويوسف ، عليهما السلام ، عانق كل واحد منهما صاحبه وبكيا , فقال يوسف : يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا ؟ قَالَ : بلى يا بني ، ولكن خشيت أن تسلب دينك ، فيحال بيني وبينك . فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ سورة يوسف آية 99 . فذلك قوله تعالى : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ سورة يوسف آية 99 أي : ضم إليه ، أَبَوَيْهِ سورة يوسف آية 99 قَالَ أكثر المفسرين : هو أبوه وخالته ليا ، وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس بنيامين . وقال الحسن : هو أبوه وأمه ، وكانت حية . وفي بعض التفاسير ، أن اللَّه عز وجل أحيا أمه حتى جاءت مع يَعْقُوب إلى مصر ، وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ سورة يوسف آية 99 فإن قيل : فقد قَالَ : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ سورة يوسف آية 99 فكيف قَالَ : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ سورة يوسف آية 99 بعدما أخبر أنهم دخلوها ؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول ؟ قيل : إن يوسف إنما قَالَ لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر ، وفي الآية تقديم وتأخير ، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار ، وهو من قول يَعْقُوب لبنيه : سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ سورة يوسف آية 98 إن شاء اللَّه . وقيل : الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز ، لأنهم كانوا لا يدخلون مصر قبله إلا بجواز من ملوكهم ، يقول : آمنين من الجواز إن شاء اللَّه ، كما قَالَ : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ سورة الفتح آية 27 . وقيل : إِنْ سورة الفتح آية 27 ههنا بمعنى إذ ، يريد : إذ شاء اللَّه ، كقوله تعالى : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة آل عمران آية 139 أي : إذا كنتم مؤمنين . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ سورة يوسف آية 100 . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ سورة يوسف آية 100 أي : على السرير ، أجلسهما ، والرفع : هو النقل إلى العلو ، وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا سورة يوسف آية 100 يعني : يَعْقُوب وخالته وإخوته ، وكانت تحية الناس يومئذ السجود ، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض ، وإنما هو الانحناء والتواضع ، وقيل : وضعوا الجباه على الأرض ، وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم ، لا على طريق العبادة ، وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة ، فنسخ في هذه الشريعة . وروي عَنِ ابن عباس ، أنه قَالَ : معناه : خروا لله عز وجل سجدا بين يدي يوسف . والأول أصح ، وَقَالَ سورة يوسف آية 100 يوسف عند ذلك : يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا سورة يوسف آية 100 وهو قوله : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ سورة يوسف آية 4 . وَقَدْ أَحْسَنَ بِي سورة يوسف آية 100 ربي ، أي : أنعم علي ، إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ سورة يوسف آية 100 ولم يقل : من الجب . مع كونه أشد بلاء من السجن ، استعمالا للكرم ، لكيلا يخجل إخوته بعدما قَالَ لهم : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ سورة يوسف آية 92 . ولأن نعمة اللَّه عليه في إخراجه من السجن أعظم ، لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية والرق ، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك ، ولأن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته ، وفي السجن مكافأة من اللَّه تعالى لزلة كانت منه ، وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ سورة يوسف آية 100 والبدو : بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتهم ، وكانوا أهل بادية ومواشي ، يقال : بدا يبدو . إذا صار إلى البادية ، مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ سورة يوسف آية 100 أفسد ، الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي سورة يوسف آية 100 بالحسد ، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ سورة يوسف آية 100 أي : ذو لطف ، لِمَا يَشَاءُ سورة يوسف آية 100 وقيل : معناه : بمن يشاء ، وحقيقة اللطيف : الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ سورة يوسف آية 100 . قَالَ أهل التاريخ : أقام يَعْقُوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أغبط حال ، وأهنأ عيش , ثم مات بمصر ، فلما حضرته الوفاة ، أوصى إلى ابنه يوسف ، أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إِسْحَاق ، ففعل يوسف ذلك ، ومضى به حتى دفنه بالشام , ثم انصرف إلى مصر . وقال سَعِيد بن جبير : نقل يَعْقُوب عليه السلام في تابوت من ساج إلى بيت المقدس ، فوافق ذلك اليوم الذي مات فيه العيص ، فدفنا في قبر واحد ، وكانا ولدا في بطن واحدة ، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة . فلما جمع اللَّه تعالى ليوسف شمله ، علم أن نعيم الدنيا لا يدوم ، سأل اللَّه تعالى حسن العاقبة ، فقال : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ سورة يوسف آية 101 . رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ سورة يوسف آية 101 يعني : ملك مصر ، والملك : اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير ، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ سورة يوسف آية 101 يعني : تعبير الرؤيا ، فَاطِرَ سورة يوسف آية 101 أي : يا فاطر ، السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ سورة يوسف آية 101 أي : خالقهما ، أَنْتَ وَلِيِّي سورة يوسف آية 101 أي : معيني ومتولي أمري ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا سورة يوسف آية 101 يقول : اقبضني إليك مسلما ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ سورة يوسف آية 101 يريد : بآبائي النبيين ، قَالَ قتادة : لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف . وفي القصة لما جمع اللَّه شمله ، وأوصل إليه أبويه وأهله ، اشتاق إلى ربه عز وجل , فقال : هذه المقالة ، قَالَ الحسن : عاش بعد هذا سنين كثيرة . وقال غيره : لما قَالَ هذا القول ، لم يمض عليه أسبوع حتى توفي . واختلفوا في مدة غيبة يوسف عَنْ أبيه , فقال الكلبي : اثنتان وعشرون سنة . وقيل : أربعون سنة . وقال الحسن : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عَنْ أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد لقاء يَعْقُوب ثلاثا وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة . وفي التوراة مات وهو ابن مائة وعشر سنين ، وولد ليوسف من امرأة العزير ثلاثة أفراد : أفراثيم ، وميشا ، ورحمة امرأة أيوب المبتلى عليه السلام . وقيل : عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة ، وقيل : أكثر . واختلفت الأقاويل فيه ، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ، فدفنوه في النيل في صندوق من رخام ، وذلك أنه لما مات تشاح الناس فيه ، فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته ، حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يدفنوه في النيل ، حيث يتفرق الماء بمصر ، ليجري الماء عليه ، وتصل بركته إلى جميعهم . وقال عكرمة : دفن في الجانب الأيمن من النيل ، فأخصب ذلك الجانب ، وأجدب الجانب الآخر ، فنقل إلى الجانب الأيسر ، فأخصب ذلك الجانب ، وأجدب الجانب الآخر ، فدفنوه في وسطه ، وقدروا ذلك بسلسلة ، فأخصب الجانبان جميعا إلى أن أخرجه موسى ، فدفنه بقرب آبائه بالشام . ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ { 102 } وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ { 103 } وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ { 104 } وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ { 105 } وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ { 106 } سورة يوسف آية 102-106 . ذَلِكَ سورة يوسف آية 102 الذي ذكرت ، مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ سورة يوسف آية 102 أي : ما كنت يا مُحَمَّد عند أولاد يَعْقُوب ، إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ سورة يوسف آية 102 أي : عزموا على إلقاء يوسف في الجب ، وَهُمْ يَمْكُرُونَ سورة يوسف آية 102 بيوسف ، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ سورة يوسف آية 103 يا مُحَمَّد ، وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ سورة يوسف آية 103 على إيمانهم . وروي أن اليهود وقريشا سألوا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قصة يوسف ، فلما أخبرهم على موافقة التوراة ، لم يسلموا ، فحزن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقيل له : " إنهم لا يؤمنون وإن حرصت على إيمانهم " . وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ سورة يوسف آية 104 أي : على تبليغ الرسالة ، والدعاء إلى اللَّه تعالى ، مِنْ أَجْرٍ سورة يوسف آية 104 جعل وجزاء ، إِنْ هُوَ سورة يوسف آية 104 ما هو ، يعني : القرآن ، إِلا ذِكْرٌ سورة يوسف آية 104 عظة وتذكير ، لِلْعَالَمِينَ . وَكَأَيِّنْ سورة يوسف آية 105 وكم ، مِنْ آيَةٍ سورة يوسف آية 105 عبرة ودلالة ، فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ سورة يوسف آية 105 لا يتفكرون فيها ، ولا يعتبرون بها . وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ سورة يوسف آية 106 فكان من إيمانهم إذا سئلوا : من خلق السموات والأرض ؟ قالوا : اللَّه . وإذا قيل : لهم : من ينزل القطر ؟ قالوا : اللَّه . ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون . وعن ابن عباس ، أنه قَالَ : إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب ، كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك . وقال عطاء : هذا في الدعاء ، وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء ، أخلصوا في الدعاء ، كما قَالَ اللَّه تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ سورة يونس آية 22 . وقال تعالى : فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ سورة العنكبوت آية 65 . وغير ذلك من الآيات . أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ { 107 } قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ { 108 } سورة يوسف آية 107-108 . أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ سورة يوسف آية 107 أي : عقوبة مجللة ، قَالَ مجاهد : عذاب يغشاهم ، نظيره قوله تعالى : يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ سورة العنكبوت آية 55 . قَالَ قتادة : وقيعة . وقال الضحاك : يعني : الصواعق والقوارع . أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً سورة يوسف آية 107 فجأة ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ سورة يوسف آية 107 بقيامها ، قَالَ ابن عباس : تهيج الصيحة بالناس وهم في سواقهم . قُلْ سورة يوسف آية 108 يا مُحَمَّد ، هَذِهِ سورة يوسف آية 108 الدعوة التي أدعو إليها ، والطريقة التي أَنَا عليها ، سَبِيلِي سورة يوسف آية 108 سنتي ومنهاجي , وقال مقاتل : ديني ، نظيره قوله : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ سورة النحل آية 125 أي : إلى دينه ، أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ سورة يوسف آية 108 على يقين ، والبصيرة : هي المعرفة التي تميز بها الحق والباطل ، أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي سورة يوسف آية 108 أي : ومن آمن بي ، وصدقني أيضا ، يدعو إلى اللَّه ، هذا قول الكلبي ، وابن زيد ، قَالُوا : حق على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ، ويذكر بالقرآن . وقيل : تم الكلام عند قوله : أَدْعُو إِلَى اللَّهِ سورة يوسف آية 108 ثم استأنف ، عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي سورة يوسف آية 108 يقول : إني على بصيرة من ربي ، وكل من اتبعني . قَالَ ابن عباس : يعني : أصحاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية ، معدن العلم ، وكنز الإيمان ، وجند الرحمن . قال عبد الله بن مسعود : من كان مستنا فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، كانوا خير هذه الأمة ، وأبرها قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، قوم اختارهم اللَّه لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم على آثارهم ، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم . قوله تعالى : وَسُبْحَانَ اللَّهِ سورة يوسف آية 108 . أي : وقل : سبحان اللَّه تنزيها له عما أشركوا به ، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ سورة يوسف آية 108 . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ سورة يوسف آية 109 . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ سورة يوسف آية 109 يا مُحَمَّد ، إِلا رِجَالا سورة يوسف آية 109 ملائكة ، نُوحِي إِلَيْهِمْ سورة يوسف آية 109 قرأ حفص نوحي بالنون وكسر الحاء ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء . مِنْ أَهْلِ الْقُرَى سورة يوسف آية 109 يعني : من أهل الأمصار دون البوادي ، لأن أهل الأمصار أعقل ، وأفضل ، وأعلم ، وأحلم . وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من بدو ، ولا من الجن ، ولا من النساء . وقيل : إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفائهم . أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ سورة يوسف آية 109 يعني : هؤلاء المشركين المكذبين ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ سورة يوسف آية 109 آخر أمر ، الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ سورة يوسف آية 109 يعني : الأمم المكذبة ، فيعتبروا ، وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا سورة يوسف آية 109 يقول جل ذكره : هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا ، أن ننجيهم عند نزول العذاب ، وما في الدار الآخرة خير لهم ، فترك ما ذكرنا اكتفاء لدلالة الكلام عليه ، قوله تعالى : وَلَدَارُ الآخِرَةِ سورة يوسف آية 109 . قيل : معناه : ولدار الحال الآخرة . وقيل : هو إضافة الشيء إلى نفسه ، كقوله : إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ سورة الواقعة آية 95 . وكقولهم : يوم الخميس ، وربيع الآخر . خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ سورة يوسف آية 109 فتؤمنون . حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ سورة يوسف آية 110 . حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا سورة يوسف آية 110 اختلف القراء في قوله : كُذِبُوا سورة يوسف آية 110 . فقرأ أهل الكوفة ، وأبو جعفر : كذبوا بالتخفيف ، وكانت عائشة تنكر هذا القراءة ، وقرأ الآخرون بالتشديد ، فمن شدده ، قَالَ : معناه : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم . روي عن مجاهد أنه قرأ وقد كذبوا بفتح الكاف والذال مخففة ، ولها تأويلان : أحدهما : معناه : أن القوم المشركين ظنوا أن الرسل قد كذبوا ، والثاني : أن الرسل ظنوا ، أي : علموا ، أن قومهم قد افتروا على الله بكفرهم من إيمان قومهم . وَظَنُّوا سورة يوسف آية 110 أي : أيقنوا ، يعني : الرسل ، أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعد إيمانهم ، والظن بمعنى اليقين ، وهذا معنى قول قتادة , وقال بعضهم : معناه : حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم ، وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم ، وارتدوا عَنْ دينهم ، لشدة المحنة والبلاء عليهم واستبطاء النصر ، ومن قرأ بالتخفيف ، قَالَ : معناه : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظنوا ، أي : ظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم في وعيد العذاب ، وروي عَنِ ابن عباس : معناه : ضعف قلوب الرسل ، يعني : وظنت الرسل أنهم كذبوا فيما وعدوا من النصر ، وكانوا بشرا ، فضعفوا ، ويئسوا ، وظنوا أنهم أخلفوا , ثم تلا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ سورة البقرة آية 214 أي : جاء الرسل نصرنا . فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ سورة يوسف آية 110 قرأ العامة : بنونين ، أي : نحن ننجي من نشاء ، وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح الياء ، عَلَى ما لم يسم فاعله ، لأنها مكتوبة فِي المصحف بنون واحدة ، فيكون محل من رفعا على هذه القراءة ، وعلى القراءة الأولى يكون نصبا ، فنجي من نشاء عند نزول العذاب ، وهم المؤمنون المطيعون ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا سورة يوسف آية 110 عذابنا ، عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ سورة يوسف آية 110 أي : المشركين ، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ سورة يوسف آية 111 أي : في خبر يوسف وإخوته ، عِبْرَةٌ سورة يوسف آية 111 عظة ، لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ سورة يوسف آية 111 يعني : القرآن ، حَدِيثًا يُفْتَرَى سورة يوسف آية 111 أي : يختلق ، وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي سورة يوسف آية 111 أي : ولكن كان تصديق الذي ، بَيْنَ يَدَيْهِ سورة يوسف آية 111 من التوراة والإنجيل ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ سورة يوسف آية 111 مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام ، والأمر ، والنهي ، وَهُدًى وَرَحْمَةً سورة يوسف آية 111 بيانا ونعمة ، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ سورة يوسف آية 111 .