أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ ° , أنا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ ° , أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ ° , ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ° , ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° , أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ° , عَنْ هَمَّامٍ ° , ثنا أَبُو هُرَيْرَةَ ° , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا ، فَطَيَّبَهَا لَنَا " .
يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة الأنفال آية 70 . قوله تعالى : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى سورة الأنفال آية 70 قرأ أبو عمرو وأبو جعفر : من الأسارى بالألف , والباقون بلا ألف . نزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه , وكان أسر يوم بدر , وكان أحد العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر , وكان يوم بدر نوبته , وكان خرج بعشرين أوقية من الذهب ليطعم بها الناس , فأراد أن يطعم ذلك اليوم , فاقتتلوا وبقيت العشرون أوقية معه , فأخذت منه في الحرب , فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتسب العشرين أوقية في فدائه , فأبى ، وقال : " أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك " . وكلف فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب , ونوفل بن الحارث , فقال العباس : يا محمد ، تركتني أتكفف قريشا ما بقيت ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة , وقلت لها : إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا , فإن حدث بي حدث ، فهو لك , ولعبد الله , ولعبيد الله , وللفضل , وقثم " . يعني بنيه ، فقال له العباس : وما يدريك ؟ قال : " أخبرني به ربي عز وجل " . قال العباس : أشهد أنك صادق , وأن لا إله إلا الله ، وأنك عبده ورسوله , ولم يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل . فذلك قوله تعالى : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى سورة الأنفال آية 70 الذين أخذت منهم الفداء ، إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا سورة الأنفال آية 70 أي : إيمانا ، يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ سورة الأنفال آية 70 من الفداء ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ سورة الأنفال آية 70 ذنوبكم ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة الأنفال آية 70 . قال العباس رضي الله عنه : فأبدلني الله عنها عشرين عبدا ، كلهم تاجر يضرب بمال كثير , وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان عشرين أوقية , وأعطاني زمزم , وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي عز وجل . وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ { 71 } إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ { 72 } وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ { 73 } سورة الأنفال آية 71-73 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ سورة الأنفال آية 71 يعني الأسارى ، فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ سورة الأنفال آية 71 ببدر ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ سورة الأنفال آية 71 قال ابن جريج : أراد بالخيانة الكفر ، أي : إن كفروا بك , فقد كفروا بالله من قبل , فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم وأسروهم , وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى قتال المؤمنين ومعاداتهم . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا سورة الأنفال آية 72 أي : هجروا قومهم وديارهم ، يعني المهاجرين ، وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا سورة الأنفال آية 72 رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه ، أي : أسكنوهم منازلهم ، وَنَصَرُوا سورة الأنفال آية 72 أي : ونصروهم على أعدائهم ، وهم الأنصار رضي الله عنهم ، أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ سورة الأنفال آية 72 دون أقربائهم من الكفار ، قيل : في العون والنصرة . وقال ابن عباس : في الميراث . وكانوا يتوارثون بالهجرة , فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام , وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر ، حتى كان فتح مكة ، وانقطعت الهجرة , وتوارثوا بالأرحام حيث ما كانوا ، وصار ذلك منسوخا بقوله عز وجل : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ سورة الأحزاب آية 6 ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ سورة الأنفال آية 72 يعني الميراث ، حَتَّى يُهَاجِرُوا سورة الأنفال آية 72 قرأ حمزة : ولايتهم بكسر الواو ، والباقون بالفتح ، وهما واحد كالدلالة والدلالة ، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ سورة الأنفال آية 72 أي : استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا ، فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ سورة الأنفال آية 72 عهد ، فلا تنصروهم عليهم ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة الأنفال آية 72 . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ سورة الأنفال آية 73 في العون والنصرة , وقال ابن عباس : في الميراث . أي : يرث المشركون بعضهم من بعض . إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ سورة الأنفال آية 73 قال ابن عباس : إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به . وقال ابن جريج : إلا تعاونوا وتناصروا . وقال ابن إسحاق : جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم , وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض , ثم قال : إِلا تَفْعَلُوهُ سورة الأنفال آية 73 وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن ، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ سورة الأنفال آية 73 فالفتنة في الأرض : قوة الكفر , والفساد الكبير : ضعف الإسلام . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ { 74 } وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة الأنفال آية 74-75 . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا سورة الأنفال آية 74 لا مرية ولا ريب في إيمانهم ، وقيل : حققوا إيمانهم بالهجرة ، والجهاد ، وبذل المال في الدين . لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ سورة الأنفال آية 74 في الجنة ، فإن قيل : أي معنى في تكرار هذه الآية ؟ قيل : المهاجرون كانوا على طبقات ، فكان بعضهم أهل الهجرة الأولى , وهم الذين هاجروا قبل الحديبية , وبعضهم أهل الهجرة الثانية ، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة , وكان بعضهم ذا هجرتين : هجرة الحبشة , والهجرة إلى المدينة , فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى , ومن الثانية الهجرة الثانية . قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ سورة الأنفال آية 75 أي : معكم ، يريد : أنتم منهم وهو منكم ، وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ سورة الأنفال آية 75 وهذا نسخ التوارث بالهجرة ، ورد الميراث إلى ذوي الأرحام . قوله : فِي كِتَابِ اللَّهِ سورة الأنفال آية 75 أي : في حكم الله عز وجل , وقيل : أراد بكتاب الله القرآن ، يعني : القسمة التي بينها في سورة النساء ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة الأنفال آية 75 .