19 حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ , عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلالٍ , قَالَ : قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ° لِرَجُلٍ : " اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً يَعْنِي : نَذْكُرُ اللَّهَ "

وَبِهَذَا الْقَوْلِ كَانَ يَأْخُذُ سُفْيَانُ ، وَالأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ , يَرَوْنَ أَعْمَالَ الْبِرِّ جَمِيعًا مِنَ الازْدِيَادِ فِي الإِسْلامِ , لأَنَّهَا كُلَّهَا عِنْدَهُمْ مِنْهُ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي خَمْسِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ , مِنْهُ قَوْلُهُ : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ سورة آل عمران آية 173 ، وَقَوْلُهُ : لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا سورة المدثر آية 31 , وَقَوْلُهُ : لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ سورة الفتح آية 4 , وَمَوْضِعَانِ آخَرَانِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْبَابِ الأَوَّلِ , فَاتَّبَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ هَذِهِ الآيَاتِ , وَتَأَوَّلُوهَا أَنَّ الزِّيَادَاتِ هِيَ الأَعْمَالُ الزَّاكِيَةُ . وَأَمَّا الَّذِينَ رَأَوُا الإِيمَانَ قَوْلا وَلا عَمَلَ ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا فِي هَذِهِ الآيَاتِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنْ قَالُوا : أَصْلُ الإِيمَانِ الإِقْرَارُ بِجُمَلِ الْفَرَائِضِ , مِثْلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا , وَالزِّيَادَةُ بَعْدَ هَذِهِ الْجُمَلِ وَهُوَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ الْمَفْرُوضَةَ هِيَ خَمْسٌ , وَأَنَّ الظُّهْرَ هِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ , وَالْمَغْرِبَ ثَلاثَةٌ ، وَعَلَى هَذَا رَأَوْا سَائِرَ الْفَرَائِضِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ قَالُوا : أَصْلُ الإِيمَانِ الإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , وَالزِّيَادَةُ تُمَكِّنُ مِنْ ذَلِكَ الإِقْرَارِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ قَالُوا : الزِّيَادَةُ فِي الإِيمَانِ الازْدِيَادُ مِنَ الْيَقِينِ . وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ قَالُوا : إِنَّ الإِيمَانَ لا يَزْدَادُ أَبَدًا , وَلَكِنِ النَّاسُ يَزْدَادُونَ مِنْهُ ، وَكُلُّ هَذِهِ الأَقْوَالِ لَمْ أَجِدْ لَهَا مُصَدِّقًا فِي تَفْسِيرِ الْفُقَهَاءِ , وَلا فِي كَلامِ الْعَرَبِ , فَالتَّفْسِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُعَاذٍ حِينَ قَالَ : اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً , فَيُتَوَهَّمُ عَلَى مِثْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْرِفِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ , وَمَبْلَغَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا إِلا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ فَضَّلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْعِلْمِ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ , ثُمَّ قَالَ : يَتَقَدَّمُ الْعُلَمَاءُ بِرِتْوِهِ هَذَا لا يَتَأَوَّلُهُ أَحَدٌ يَعْرِفُ مُعَاذًا ، وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ : فَإِنَّا لَمْ نَجْدِ الْمَعْنَى فِيهِ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَهُمْ , وَذَلِكَ كَرَجُلٍ أَقَرَّ لَهُ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَهُ عَلَيْهِ , ثُمَّ بَيَّنَهَا , فَقَالَ : مِائَةٌ مِنْهَا فِي جِهَةِ كَذَا , وَمِائَتَانِ فِي جِهَةِ كَذَا , حَتَّى اسْتَوْعَبَ الأَلْفَ , مَا كَانَ هَذَا يُسَمَّى زِيَادَةً , وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ : تَلْخِيصٌ وَتَفْصِيلٌ , وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُلَخِّصْهَا , وَلَكِنَّهُ رَدَّدَ ذَلِكَ الإِقْرَارَ مَرَّاتٍ , مَا قِيلَ لَهُ زِيَادَةٌ أَيْضًا , إِنَّمَا هُوَ تَكْرِيرٌ وَإِعَادَةٌ , لأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى الأَوَّلَ , وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا . فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : يَزْدَادُ مِنَ الإِيمَانِ , وَلا يَكُونُ الإِيمَانُ هُوَ الزِّيَادَةُ , فَإِنَّهُ مَذْهَبٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ , لأَنَّ رَجُلا لَوْ وَصَفَ مَالَهُ فَقِيلَ : هُوَ أَلْفٌ , ثُمَّ قِيلَ : إِنَّهُ ازْدَادَ مِائَةً بَعْدَهَا , مَا كَانَ لَهُ مَعْنًى يَفْهَمُهُ النَّاسُ إِلا أَنْ يَكُونَ الْمِائَةُ هِيَ الزَّائِدَةُ عَلَى الأَلْفِ , وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأَشْيَاءِ , فَالإِيمَانُ مِثْلُهَا , لا يَزْدَادُ النَّاسُ مِنْهُ شَيْئًا , إِلا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ الزَّائِدُ فِي الإِيمَانِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَعَلُوا الزِّيَادَةَ ازْدِيَادَ الْيَقِينِ فَلا مَعْنًى لَهُمْ , لأَنَّ الْيَقِينَ مِنَ الإِيمَانِ , فَإِذَا كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَهُمْ كُلُّهُ بِرُمَّتِهِ إِنَّمَا هُوَ الإِقْرَارُ , ثُمَّ اسْتَكْمَلَهُ هَؤُلاءِ الْمُقِرُّونَ بِإِقْرَارِهِمْ , أَفَلَيْسَ قَدْ أَحَاطُوهُ بِالْيَقِينِ مِنْ قَوْلِهِمْ ؟ فَكَيْفَ يَزْدَادُ مِنْ شَيْءٍ قَدِ اسْتُقْصِيَ وَأُحِيطَ بِهِ ؟ أَرَأَيْتُمْ رَجُلا نَظَرَ إِلي النَّهار بِالضُّحَى حَتَّى أَحَاطَ عَلَيْهِ كُلُّهُ بِضَوْئِهِ , هَلْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزْدَادَ يَقِينًا بِأَنَّهُ نَهَارٌ , وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ هَذَا يَسْتَحِيلُ وَيَخْرُجُ مِمَّا يَعْرِفُهُ النَّاسُ .

الآيات القرآنية · Qurʾān verses cited
السند · the isnād, in order
عبد الرحمن بن مهدي←سفيان←جامع بن شداد←الأسود بن هلال←معاذ بن جبل←معاذ
Isnād tree
→ prev #19 / 29 next ←