← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#672 4 : 237 ☰ حديث تاسع عشر لزيد بن أسلم مسند
A− A+

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ° , عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ ° , عَنْ طَاوُسٍ ° , قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ° لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ , أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقِلُ عَنِ الْمِلَّةِ , ثُمَّ قَرَأَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ سورة المائدة آية 44

واحتجوا أيضا بقول عبد الله بن عمر : لا يبلغ المرء حقيقة الكفر , حتى يدعو مثنى مثنى . وقالوا : يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ " . يريد مستكمل الإيمان , لأن الإيمان يزيد بالطاعة , وينقص بالمعصية , وكذلك السارق , وشارب الخمر , ومن ذكر معهم , وعلى نحو ذلك تأولوا قول عمر بن الخطاب : لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة , قالوا : أراد أنه لا كبير حظ له , ولا حظا كاملا له في الإسلام . ومثله قول ابن مسعود , وما أشبهه وجعلوه كقوله : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد . أي أنه ليس له صلاة كاملة . وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ : " لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ عَلَيْكُمْ " . يريد ليس هو المسكين حقا , لأن هناك من هو أشد مسكنة منه , وهو الذي لا يسأل , ونحو هذا مما اعتلوا به . وقد رأى مالك استتابة الإباضية , والقدرية , فإن تابوا , وإلا قتلوا . ذكر ذلك إسماعيل القاضي , عن أبي ثابت , عن ابن القاسم , وقال : قلت لأبي ثابت : هذا رأى مالك في هؤلاء حسب قَالَ : بل في كل أهل البدع , قَالَ القاضي : وإنما رأى مالك ذلك فيهم , لإفسادهم في الارض , وهم أعظم إفسادا من المحاربين , لأن إفساد الدين أعظم من إفساد المال , لا أنهم كفار . قال أبو عمر : فهذا مالك يريق دماء هؤلاء , وليسوا عنده كفارا , فكذلك تارك الصلاة عنده من هذا الباب قتله , لا من جهة الكفر . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلاةِ لَيْسَ بِكَافِرٍ كُفْرًا يَنْقِلُ عَنِ الإِسْلامِ إِذَا كَانَ مُؤْمِنًا بِهَا , مُعْتَقِدًا لَهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةَ جَلْدَةٍ , فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ وَيَدْعُوهُ , حَتَّى صَارَتْ جَلْدَةً وَاحِدَةً , فَامْتَلَأَ قَبْرُهُ نَارًا , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : عَلامَ جَلَدْتُمُونِي ؟ ، قَالُوا : إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ , وَمَرَرْتَ عَلَى مَظْلُومٍ , فَلَمْ تَنْصُرْهُ " . قال الطحاوي : في هذا الحديث ما يدل على أن تارك الصلاة ليس بكافر , لأن من صلى صلاة بغير طهور , فلم يصل وقد أجيبت دعوته , ولو كان كافرا ما أجيبت له دعوة , لأن الله تبارك وتعالى يقول : وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ سورة الرعد آية 14 , وقد ذكرنا إسناد حديث ابن مسعود هذا في باب يحيى بن سعيد عند قوله صلى الله عليه وسلم : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ " ، ثُمَّ قَالَ : " وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ , فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ , إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ , وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ " . ومما يدل على أن الكفر منه ما لا ينقل عن الإسلام , قوله صلى الله عليه وسلم : " يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ " . وكافر النعمة يسمى كافرا , وأصل الكفر في اللغة : الستر , ومنه قيل لليل : كافر , لأنه يستر . قَالَ لبيد : في ليلة كفر النجوم غمامها أي سترها . وفي هذه المسألة قول ثالث قاله ابن شهاب , رواه شعيب بن أبي حمزة عنه ، قَالَ : إذا ترك الرجل الصلاة , فإن كان إنما تركها , لأنه ابتدع دينا غير الإسلام قتل , وإن كان إنما هو فاسق , فإنه يضرب ضربا مبرحا , ويسجن حتى يرجع , قَالَ : والذي يفطر في رمضان كذلك . قَالَ أبو جعفر الطحاوي : وهو قولنا , وإليه يذهب جماعة من سلف الأمة من أهل الحجاز والعراق . قَالَ أبو عمر : بهذا يقول داود بن علي , وهو قول أبي حنيفة في تارك الصلاة , أنه يسجن ويضرب , ولا يقتل ، وَابْنُ شِهَابٍ الْقَائِلُ مَا ذَكَرْنَا , هُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ " . كان ذلك في أول الإسلام , ثم نزلت الفرائض بعد ، وقوله هذا يدل على أن الإيمان عنده قول وعمل ، والله أعلم , وهو قول الطائفتين , اللتين ذكرنا قولهم قبل قول ابن شهاب , كلهم يقولون : الإيمان قول , وعمل . وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَارِكِ الصَّلاةِ كَمَا عَلِمْتُ , وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ , أَعْنِي مَذْهَبَ ابْنِ شِهَابٍ , فِي أَنَّهُ يُضْرَبُ وَيُسْجَنُ , وَلا يُقْتَلُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ , فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا " ، قَالُوا : وَحَقُّهَا الثَّلاثُ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ : كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ , أَوْ زِنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ , أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ " ، قَالُوا : وَالْكَافِرُ جَاحِدٌ , وَتَارِكُ الصَّلاةِ الْمُقِرُّ بِالإِسْلامِ لَيْسَ بِجَاحِدٍ وَلا كَافِرٍ , وَلَيْسَ بِمُسْتَكْبِرٍ وَلا مُعَانِدٍ , وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِالصَّلاةِ مَنْ جَحَدَهَا , وَاسْتَكْبَرَ عَنْ أَدَائِهَا . قالوا : وقد كان مؤمنا عند الجميع بيقين قبل تركه للصلاة , ثم اختلفوا فيه إذا ترك الصلاة , فلا يجب قتله إلا بيقين , ولا يقين مع الاختلاف , فالواجب القول بأقل ما قيل في ذلك , وهو الضرب , والسجن , وأما القتل ففيه اختلاف , والحدود تدرأ بالشبهات , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا , فَصَلُّوا الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا , وَاجْعَلُوا صَلاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةٌ " ، قالوا : وهذا يدل على أنهم غير كفار بتأخيرها حتى يخرج وقتها , ولو كفروا بذلك ما أمرهم بالصلاة خلفهم بسبحة ولا غيرها . قال أبو عمر : هذا قول قد قَالَ به جماعة من الأئمة ممن يقول : الإيمان قول وعمل , وقالت به المرجئة أيضا , ألا أن المرجئة تقول : المؤمن المقر مستكمل الإيمان . وقد ذكرنا اختلاف أئمة أهل السنة والجماعة في تارك الصلاة . فأما أهل البدع , فإن المرجئة قالت تارك الصلاة مؤمن مستكمل الإيمان , إذا كان مقرا غير جاحد , ومصدقا غير مستكبر , وحكيت هذه المقالة عن أبي حنيفة وسائر المرجئة , وهو قول جهم , وقالت المعتزلة : تارك الصلاة فاسق ، لا مؤمن ولا كافر , وهو مخلد في النار , إلا أن يتوب , وقالت الصفرية والأزارقة من الخوارج : هو كافر حلال الدم والمال , وقالت الإباضية : هو كافر ، غير أن دمه وماله محرمان , ويسمونه كافر نعمة , فهذا جميع ما اختلف فيه أهل القبلة في تارك الصلاة . وفي هذا الحديث أيضا : أن من صلى في بيته ثم دخل المسجد , فأقيمت عليه تلك الصلاة أنه يصليها معهم , ولا يخرج حتى يصلي , وإن كان قد صلى في جماعة أهله أو غيرهم , لأن في حديث هذا الباب : بلى يا رسول الله , ولكني قد صليت في أهلي , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له على ذلك : أن يصلي , وإن كان قد صلى في أهله , ولم يبين أنه كان صلى منفردا . وهذا موضع اختلف العلماء فيه : فقال جمهور الفقهاء : إنما هذا لمن صلى وحده , وأما من صلى في بيته أو غير بيته في جماعة , فلا يعيد تلك الصلاة , لأن إعادتها في جماعة لا وجه له , وإنما كانت الإعادة لفضل الجماعة , وهذا قد صلى في جماعة , فلا وجه لإعادته في جماعة أخرى , ولو جاز أن يعيد في جماعة أخرى من صلى في جماعة , للزمه أن يعيد في جماعة أخرى ثالثة ورابعة إلى ما لا نهاية له في تلك الصلاة , وهذا لا يجوز أن يقول به أحد ، والله أعلم . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تُعَادُ صَلاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ " . وقالوا : معنى هذا الحديث أن من صلى في جماعة لا يعيد في جماعة , وممن قَالَ بهذا القول : مالك بن أنس , وأبو حنيفة , والشافعي , وأصحابهم .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
شجرة الإسناد