أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ° , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ° , عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ° , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ° , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° , أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ ثَلاثًا , وَفِيهِ قَالَ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً
وَأَكْثَرُ الآثَارِ عَلَى هَذَا , وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً , وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً , لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْوُضُوءَ ثَلاثًا ثَلاثًا إِلا الرَّأْسَ وَالأُذُنَيْنِ . وحجة من قَالَ بغسل باطنهما مع الوجه , وبمسح ظاهرهما مع الرأس , أن الله قد أمر بغسل الوجه , وهو مأخوذ من المواجهة , فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب عليه غسله , وأمر عز وجل بمسح الرأس , وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس , لأنهما في الرأس فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس , قَالَ أبو عمر : هذا قول ترده الآثار الثابتة عن النبي عليه السلام أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما من حديث علي , وعثمان , وابن عباس , والربيع بنت معوذ , وغيرهم وحجة ابن شهاب في أنهما من الوجه , لأن ما لم ينبت عليه الشعر فهو من الوجه لا من الرأس إذا أدركته المواجهة , ولم يكن قفا , والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا , ويمكن أن يحتج له بحديث ابن أبي مليكة أنه رأى عثمان بن عفان , فذكر صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا , قَالَ : ثم أدخل يده , فأخذ ماء , فمسح به رأسه , وأذنيه , فغسل ظهورهما وبطونهما . وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُ أَيْضًا مَا صَحَّ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : " سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ , فَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ " . فأضاف السمع إلى الوجه , وهذا كلام محتمل التأويل يمكن فيه الاعتراض وحجة الشافعي في قوله : أن مسح الأذنين سنة على حيالها وليستا من الوجه , ولا من الرأس , إجماع القائلين بإيجاب الاستيعاب في مسح الرأس أنه أن ترك مسح اليسرى , وصلى لم يعد , فبطل قولهم أنهما من الرأس , لأنه لو ترك شيئا من رأسه عندهم لم يجزئه , وإجماع العلماء في أن الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على اليسرى من الشعر , فدل ذلك على أنهما ليستا من الرأس , وإن مسحهما سنة على الانفراد , كالمضمضة والاستنشاق ولكل طائفة منهما اعتلال من جهة الأثر والنظر تركت ذلك خشية الإطالة وإن الغرض والجملة ما ذكرنا , وبالله توفيقنا . قال أبو عمر : المعنى الذي يجب الوقوف على حقيقته في الأذنين , أن الرأس قد رأينا له حكمين : فما واجه منه كان حكمه الغسل , وما علا منه وكان موضعا لنبات الشعر كان حكمه المسح , واختلاف الفقهاء في الأذنين إنما هو هل حكمهما المسح كحكم الرأس ؟ أو حكمهما الغسل كغسل الوجه ؟ أو لهما من كل واحد منهما حكم ؟ أو هما من الرأس فيمسحان معه ؟ فلما قَالَ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : حديث الصنابحي فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من اليسرى , فأتى بذكر الأذنين مع الرأس , ولم يقل : إذا غسل وجهه خرجت الخطايا من اليسرى علمنا أن الأذنين ليس لهما من حكم الوجه شيء , لأنهما لم يذكرا معه , وذكرا مع الرأس فكان حكمهما المسح كحكم الرأس فليس يصح من الاختلاف في ذلك عندي إلا مسحهما مع الرأس بماء واحد واستئناف الماء لهما في المسح , فإن هذين القولين محتملان للتأويل , وأما قول من أمر بغسلهما , أو غسل بعضهما فلا معنى له , وذلك مدفوع بحديث الصنابحي هذا مع ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسحهما , وبالله التوفيق . واستدل بعض من لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بحديث الصنابحي هذا , وقال : الماء إذا توضئ به مرة خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه , لأنه ماء الذنوب , وهذا عندي لا وجه له , لأن الذنوب لا تنجس الماء , لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده , وإنما معنى قوله : " خرجت الخطايا مع الماء " إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم , اعلموا بذلك ليرغبوا في العمل به , واختلف الفقهاء في الوضوء بالماء المستعمل وهو الذي قد توضئ به مرة , فقال الشافعي , وأبو حنيفة , وأصحابهما : لا يتوضأ به , ومن توضأ به أعاد أبدا , لأنه ليس بماء مطلق , ويتيمم واجده , لأنه ليس بواجد ماء ومن حجتهم في ذلك على الذين أجازوا الوضوء به عند عدم غيره أنه لما كان مع الماء الذي يستعمل كلا ماء كان عند عدمه أيضا كلا ماء ووجب التيمم , وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج , وهو قول الأوزاعي , وأما مالك فقال : لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء , ولا خير فيه , ثم قَالَ : إذا لم يجد غيره توضأ به , ولم يتيمم , لأنه ماء طاهر لم يغيره شيء , وقال أبو ثور , وداود : الوضوء بالماء المستعمل جائز , لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء , فوجب أن يكون مطهرا لطهارته , ولأنه لا يضاف إلى شيء , وهو ماء مطلق , واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة , وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المروزي محمد بن نصر , ومن حجتهم أن الماء قد يستعمل في العضو الواحد لا يمتنع من ذلك أحد ولا يسلم من ذلك , واختلف عن الثوري في هذه المسألة , فروى عنه أنه قَالَ : لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل , وأظنه حكى عنه أيضا أنه قَالَ : هو ماء الذنوب وقد روى عنه خلاف ذلك , وذلك أنه أفتى من نسى مسح رأسه أن يأخذ من بلل لحيته , فيمسح به رأسه , وهذا واضح في استعمال الماء المستعمل . وقد روى عن علي بن أبي طالب , وابن عمر , وأبي أمامة , وعطاء بن أبي رباح , والحسن البصري , والنخعي , ومكحول , والزهري , أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا أنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه , فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل , وأما مالك , والشافعي , وأبو حنيفة , ومن قَالَ بقولهم , فلا يجوز عندهم لمن نسي مسح رأسه , ووجد في لحيته بللا أن يمسح رأسه بذلك البلل , ولو فعل لم يجزئه , وكان كمن لم يمسح , وكان عليه الإعادة لكل ما صلى بذلك الوضوء عندهم , لأنه ماء قد أدى به فرض فلا يؤدى به فرض آخر كالجمار وشبهها . قال أبو عمر : الجمار مختلف في ذلك منها , وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا أن الكبائر والصغائر يكفرها الصلاة والطهارة , واحتج بظاهر حديث الصنابحي هذا وبمثله من الآثار وبقوله صلى الله عليه وسلم : " فما ترون ذلك يبقى من ذنوبه " ، وما أشبه ذلك وهذا جهل بين , وموافقة للمرجئة فيما ذهبوا إليه من ذلك , وكيف يجوز لذي لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها ؟ وهو يسمع قول الله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا سورة التحريم آية 8 وقوله تبارك وتعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة النور آية 31 في آي كثيرة من كتابه , ولو كانت الطهارة , والصلاة , وأعمال البر مكفرة للكبائر , والمتطهر ذاكر لذنبه الموبق ولا قاصد إليه , ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه , ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله لما كان لأمر الله عز وجل بالتوبة معنى , ولكان كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة , وأن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر , وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح , وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض , والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية , واعتقاد أن لا عودة , فأما أن يصلي ذاكر لما ارتكب من الكبائر , ولا نادم على ذلك فمحال , وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " النَّدَمُ تَوْبَةً " . وَقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ " .