وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ° ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ° ، عَنْ نُبَيْشَةَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلاثٍ لِكَيْ تَسَعَكُمْ ، فَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالسَّعَةِ ، فَكُلُوا ، وَادَّخِرُوا ، وَائْتَجِرُوا ، أَلا وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "
قال أَبُو عمر : هكذا فِي حديث نبيشة الخير عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فكلوا ، وادخروا ، وائتجروا " ، ومعناه : اتخذوا الأجر فيما تتصدقون به منها ، يبين ذَلِكَ حديث عمرة ، عن عائشة المتقدم ذكره فيه : " فكلوا ، وتصدقوا ، وادخروا " ، ومعناهما عندي واحد ، والله أعلم . وأما قوله : " فكلوا ، وتصدقوا ، وادخروا " على لفظ الأمر ، فإن معناه الإباحة لا الإيجاب ، وهكذا كل أمر يأتي فِي الكتاب والسنة بعد حظر ومنع تقدمه ، فمعناه الإباحة لا غير ، ألا ترى أن الصيد لما حظر على المحرم ، ومنع منه ، ثُمّ قيل له بعد أن حل : اصطد إِذَا حللت كَانَ ذَلِكَ إباحة له فِي الاصطياد لا إيجابا لذلك عَلَيْهِ . قَالَ اللَّه عز وجل : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا سورة المائدة آية 2 ، ومثل ذَلِكَ : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ سورة الجمعة آية 10 ، وَهُوَ كثير فِي القرآن والسنة ، والحمد لله ، وهذا أصل جسيم فِي العلم ، فقف عَلَيْهِ ، وإذا كَانَ هَذَا كما ذكرنا ، فجائر للمضحي أن يأكل أضحيته كلها ، وجائز أن يتصدق بها كلها ، وجائز أن يدخر ، وأن لا يدخر ، وعلى هَذَا جماعة العلماء ، إلا أنهم يستحبون للمضحي أن يأكل ، ويتصدق ، ويكرهون له أن لا يتصدق منها بشيء ، وَكَانَ الشافعي رحمه اللَّه يستحب أن يأكل من أضحيته ثلثها ، ويتصدق بثلث ، ويدخر ثلثا على ما جاء فِي الحديث ، وَكَانَ غيره يستحب أن يتصدق بنصف ، ويأكل نصفا لقول اللَّه فِي البدن : فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ سورة الحج آية 36 ، وأما مَالِك رحمه اللَّه ، فلم يحد فِي ذَلِكَ حدا ، وَكَانَ يستحب أن يأكل منها ، ويتصدق من غير أن يحد فِي ذَلِكَ حدا .