← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#4544 مقبول 24 : 165 ☰ حديث أول من البلاغات
A− A+

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ° ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ° ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ° ، قال : حدثنا ابن الأصبهاني ° ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ° ، عن عاصم ° ، عن أبي وائل ° ، عن مسروق ° ، عن معاذ ° ، قال : " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقي بعلا العشر ، وبالدوالي نصف العشر "

قال أبو عمر : قال النضر بن شميل : البعل ماء المطر . وقال يحيى بن آدم : البعل ما كان من الكروم والنخل فذهب عروقه في الأرض إلى الماء ، ولا يحتاج إلى السقي الخمس سنين والست تحتمل ترك السقي ، قال : والعثري : ما يزرع على السحاب ، ويقال له : العثير ، لأنه يزرع على السحاب ، ولا يسقي إلا بالمطر خاصة ليس يسقي بغير ماء المطر . قال يحيى : وفيه جاء الحديث : ما سقي عثريا أو غيلا . قال يحيى : والغيل سيل دون السيل الكثير ، قال : والسيل ماء الوادي إذا سال ، وما كان دون السيل الكثير فهو غيل ، وقيل : الغيل الماء الصافي دون السيل الكثير ، وقال ابن السكيت : الغيل الماء الجاري على الأرض ، وأما النضح والناضح ، فهي بقر السواني ، والرشاء : حبل البئر والدلو ، والدالية : الخطارة عندنا ، والغرب الدلو . وقد جاء في الحديث : ما سقي بالغرب أو كان عثريا أو سقي نضحا أو سيحا أو سقي بالرشاء . وهذه الأحاديث كلها بمعنى واحد ، وأجمع العلماء على القول بظاهرها في المقدار المأخوذ في الشيء المزكي من الزرع ، وذلك العشر في البعل كله من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة عندهم ، كل على أصله من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة ، على حسبما قدمنا عنهم في باب عمرو بن يحيى من هذا الكتاب ، وكذلك ما سقت العيون والأنهار ، لأن المؤونة فيه قليلة واتباعا للسنة ، وأما ما سقي بالدوالي والسواني ، فنصف العشر فيما تجب فيه الزكاة عندهم ، هذا ما لا خلاف فيه بينهم . واختلفوا في معنى آخر من هذا الحديث ، فقالت طائفة : هذا الحديث يوجب العشر في كل ما زرعه الآدميون من الحبوب والبقول ، وكل ما أنبتته أشجارهم من الثمرات كلها قليل ذلك وكثيره يؤخذ منه العشر ، أو نصف العشر على حسبما ذكرنا عند جداده وحصاده وقطافه ، كما قال الله عز وجل : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) يريد العشر ، أو نصف العشر ، وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وزفر ، فقالا في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره : العشر أو نصف العشر ، إن سقي بالدالية ، والسانية إلا الحطب والقصب والحشيش . وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن : لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا فيما كان له ثمرة باقية ، ثم تجب فيما يبلغ خمسة أوسق ، لا يجب فيما دونه . وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن سماك بن الفضل ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز : أن يؤخذ مما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف : إذا بلغ الزعفران خمسة أوسق أخذ منه العشر . واعتبر مالك ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، والشافعي ، والليث خمسة أوسق ، وقالوا : لا زكاة فيما دونها ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، وابن المبارك ، وجمهور أهل الرأي والحديث ، واختلفوا في الحبوب ، والثمار التي تجب فيها الزكاة ، وقد ذكرنا أقاويلهم في ذلك في باب عمرو بن يحيى من هذا الكتاب ، والحمد لله . وقال داود بن علي في هذ الباب قولا بعضه كقول أبي حنيفة ومن تابعه ، وبعضه كقول سائر الفقهاء ، قال : أما ما يؤكل أو يشرب مما يكال أو يزرعه الآدميون من الحبوب كلها والثمار ، فلا زكاة فيه حتى يبلغ خمسة أوسق ، وأما ما لا يكال ولا يضبط بكيل مما ينبته الناس ، ففي قليله وكثيره العشر ، أو نصف العشر على حسبما يسقى به . قال أبو عمر : أما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : " فيما سقت السماء والأنهار والعيون العشر ، وما سقي بالنضح نصف العشر " . فمعناه عند جماعة أهل الحجاز وجمهور أهل العراق ، إذا بلغ المقدار خمسة أوسق ، وكان ما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب ، فحينئذ يجب فيه العشر ونصف العشر ، ولا فرق بين أن يرد هذا في حديثين أو في حديث واحد ، ويدل على صحة هذا المذهب مع استفاضة في أهل العلم أنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من أصحابه ، ولا من التابعين بالمدينة ، أنه أخذ الصدقة من الخضر والبقول ، وكانت عندهم موجودة فدل على أن ذلك معفو عنه ، كما عفي عن الدور والدواب ، لأن الأصل العفو والوجوب طار عليه . ذكر عبد الرزاق ، عن قيس بن الربيع ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضميرة ، عن علي ، قال : ليس في الخضر صدقة . وعن إبراهيم بن طهمان ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : ليس في الخضر زكاة . قال منصور : فذكرت ذلك لإبرهيم ، فقال : صدق . وقال موسى بن طلحة : لم يأخذ معاذ بن جبل من الخضر شيئا ، وقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس في الخضر زكاة " . ومما يدل أيضا على ذلك وهو مذهب من أوجب الزكاة في الخضر ، أن الزكاة إنما تجب في العين المزكاة بجزء من أجزائها ، وأكثر الذين أوجبوا الزكاة في البقول أوجبوها في قيمتها ، ولا أصل لأخذ القيمة في الزكاة . ذكر معمر ، عن الزهري ، قال : في الخضر والفاكهة : إذا بلغ ثمنها مائتي درهم ففيها خمسة دراهم ، قال : والزيتون يكال ففيه العشر ، وإن سقي بالرشاء ففيه نصف العشر . قال معمر : وكان في زمن عمر بن عبد العزيز يؤخذ من الورس العشر . واختلف الفقهاء فيما سقي مرة بماء السماء والنهر ، ومرة بدالية ، فقال مالك : ينظر إلى ما تم به الزرع فيزكي عليه العشر أو نصف العشر ، فأي ذلك كان أكثر سقيه زكي عليه ، هذه رواية ابن القاسم عنه . وروى ابن وهب عن مالك : إذا سقي نصف سنة بالعيون ثم انقطعت ، فسقي بقية السنة بالناضح ، فإن عليه نصف زكاته عشرا ، والنصف الآخر نصف العشر ، وقال مرة أخرى : زكاته بالذي تمت به حياته ، وقال الشافعي : يزكي كل واحد منهما بحسابه ، وبهذا كان يفتي بكار بن قتيبة ، وهو حنفي ، وهو قول يحيى بن آدم . وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : ينظر إلى الأغلب فيزكي به ، ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك . قال الطحاوي : قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوما أبو يومين أنه لا اعتبار به ، ولا يجعل لذلك حصة ، فدل على أن الاعتبار بالأغلب .

السند · the isnād, in order
◈ trace this tradition’s ṭuruq — the common link ↗
الحكم على السند · the isnād ruling
إسناد حسن
Isnād tree
→ prev #4544 / 4798 next ←