حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ° ، وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ ° ، قَالا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ° ، عَنِ الأَوْزَاعِيُّ ° ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ جَدِّهِ ° ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " قَتَلَ بِالْقَسَامَةِ رَجُلا مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ "
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ قَضَى فِيهَا بِالْقَوْدِ ، وَقَضَى بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَحَسْبُكَ بِقَوْلِ مَالِكٌ : أَنَّهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِحَديثِ مَالِكٍ ، عَنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَةِ ، قَوْلُهُ : " إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ " ، قَالُوا : وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَهُمْ إِلا وَقَدْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وُجُودُ الْقَتِيلِ بِخَيْبَرَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْيَهُودِ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَهُمْ ، لأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ إِلا بِمَنْعِهِمْ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِمْ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فِي رَجُلٍ وُجِدَ قَتِيلا بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَجَعَلَهُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا ، وَأَحْلَفَهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا : مَا قَتَلْنَا وَلا عَلِمْنَا قَاتِلا ، ثُمَّ أَغْرَمَهُمُ الدِّيَةَ ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ الأَزْمَعِ نَحْلِفُ وَنَغْرُمُ ؟ قَالَ : نَعَمُ ، قَالُوا : وَحَدِيثُ سَهُلٍ مُضْطَرِبٌ ، قَالُوا : وَالْمَصِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَوْلَى لأَنَّ نَقَلَتَهُ أَئِمَّةٌ فُقَهَاءٌ حُفَّاظٌ لا يُعْدَلُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ ، وَفِيهِ : " فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِيَةً عَلَى الْيَهُودِ ، لأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ " . وَأَمَّا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، فَقَالُوا : إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ أَوْ قَبِيلَةِ قَوْمٍ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِهِ شَيْءٍ ، وَلَمْ تَجِبْ بِهِ قَسَامَةٌ ، حَتَّى تَكُونَ الأَسْبَابُ الَّتِي شَرَطُوهَا كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي قَدَّمْنَا عَنْهُ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : عَنْ مَالِكٍ ، سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ ، أَوْ دَارِ قَوْمٍ ، أَوْ أَرْضِ قَوْمٍ ، أَوْ فِي سُوقٍ ، أَوْ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ، فَلا شَيْءَ فِيهِ وَلا قَسَامَةَ وَقَدْ طَلَّ دَمُهُ . قَالَ أبو عُمَر : المحلة قرية البوادي ، والمجاشر ، والقياطن ، وكذلك القبائل ، والمياه ، والأحياء . وقَالَ الشافعي : إذا وجد في محلة أو قبيلة قتيل وهم أعداؤه ، لا يحيط بهم غيرهم فذلك لوث يقسم معه ، وإن خالطهم غيرهم فقد طل دمه ، إلا أن يدعي الأولياء على أهل المحلة فيحلفون ويبرؤون ، وفرق الشافعي بين أن يكون أهل القبيلة والمحلة أعداء المقتول ، فيجعل عقله عليهم مع القسامة ، أو لا يكونوا ، فلا يلزمهم شيء ، وكذلك لو وجد قتيل في ناحية ليس بقرية ، إلا رجل واحد وجد بقرية رجل في يده سكين ملطوخة بالدم ، فأَنَّهُ يجعل ذلك لوثا يقسم معه ، وسواء كان به أثر أم لم يكن . واعتبر أبو حنيفة إن كان بالقتيل أثر ، فيجعله على القبيلة أو لا يكون له أثر ، فلا يجعله على أحد ، وقول الثوري ، وَابْن شبرمة ، وعُثْمَان البتي ، وَابْن أبي ليلى في القسامة ، كقول أبي حنيفة إلا أَنَّهُ سواء عندهم كان به أثر أم لم يكن به أثر ، وقَالَ الشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، وسائر أهل العلم غير مالك والليث : لا يعتبر بقول المقتول دمي عند فلان ، ولا يستحق بهذا القول قسامة ، واحتج جماعة من المالكيين لمذهب مالك في ذلك بقصة المقتول من بني إسرائيل ، إذ ذبحت البقرة وضرب ببعضها ، فأحياه اللَّه ، وقَالَ : فلان قتلني ، فأخذ بقوله ، ورد المخالف ، هَذَا بأن تلك آية لبني إسرائيل لا سبيل إليها اليوم ، وبأن شريعتنا فيها أن الدماء والأموال لا تستحق بالدعاوى دون البينات ، ولم نتعَبْد بشريعة من قبلنا ، لقوله عز وجل : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا سورة المائدة آية 48 . وقتيل بني إسرائيل لم يقسم أحد عَلَيْهِ مع قوله : هَذَا قتلني وهذا لا ، يقوله أحد من علماء المسلمين : أن المدعى عَلَيْهِ يقتل بقول المدعي دون بينة ولا قسامة ، فلا معنى لذكر قتيل بني إسرائيل هاهنا ، وقد أجمع العلماء على أن قول الذي تحضره الوفاة لا يصدق على غيره في شيء من الأموال ، فالدماء أحق بذلك ، وقد علمنا أن من الناس من يحب الاستراحة من الأعداء للبنين والأعقاب ، ونحو هَذَا مما يطول ذكره ، وقَالَ مالك : إذا كان القتل عمدا حلف أولياء المقتول خمسين يمينا على رجل واحد وقتلوه ، قَالَ ابْن القَاسِم : لا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعدا ، كما أَنَّهُ لا يقتل بأقل من شاهدين ، وكذلك لا يحلف النساء في العمد لأن شهادتهن لا تجوز فيه ويحلفن في الخطأ من أجل أَنَّهُ مال ، وشهادتهن جائزة في الأموال ، وعند الشافعي : يقسم الولي واحدا كان أو أكثر على واحد مدعى عَلَيْهِ ، وعلى جماعة مدعى عليهم ، ومن حجة الشافعي أَنَّهُ ليس في قول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يقسم منكم خمسون على رجل منهم ، فيدفع إليهم برمته " . ما يدل على أَنَّهُ لا يجوز قتل أكثر من واحد ، وإنما فيه التنبيه على تعيين المدعى عَلَيْهِ الدم واحدا كان أو جماعة ، ومن حجته أيضا في ذلك أن القسامة بدل من الشهادة ، فلما كانت الشهادة تقتل بها الجماعة ، فكذلك القسامة واللَّه أعلم . والاحتجاج على هذه الأقوال ، ولها يطول ، واللَّه المستعان . وقَالَ أبو حنيفة : لا يستحق بالقسامة قود خلاف قول مالك ، وعلى كلا القولين جماعة من السلف ، وعن الشافعي روايتان : إحداهما أن القسامة يستحق بها القود ، ويقتل بها الواحد والجماعة إذا أقسموا عليهم في العمد ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم " . والقول الآخر كقول أبي حنيفة : أن القسامة توجب الدية دون القود في العمد والخطأ جميعا ، إلا إنَّها في العمد في أموال الجناة ، وفي الخطأ على العاقلة ، والحجة من جهة الأثر في إسقاط القود في القسامة حديث أبي ليلى ، عَنْ سهل ، عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، قوله : " إما أن يدوا صاحبكم ، وإما أن يؤذنوا بحرب " . وتأول من ذهب إلى هَذَا في قوله : " دم صاحبكم " دية صاحبكم لأن من استحق دية صاحبه فقد استحق دمه ، لأن الدية قد تؤخذ في العمد ، فيكون ذلك استحقاقا للدم . قَالَ أبو عُمَر : الظاهر في ذكر الدم القود ، واللَّه أعلم ، وسيأتي ذكر حديث أبي ليلى في موضعه من هَذَا الكتاب إن شاء اللَّه ، ويأتي القول في هَذَا المعنى فيه هناك بعون اللَّه . قَالَ أبو عُمَر : كل من أوجب الحكم بالقسامة من علماء الحجاز والعراق ، فهم في ذلك على معنيين وقولين : فقوم أوجبوا الدية والقسامة بوجوب القتيل فقط ، ولم يراعوا معنى آخر ، وقوم اعتبروا اللوث ، فهم يطلبون ما يغلب على الظن ، وما يكون شبهة يتطرق بها إلى حراسة الدماء ، ولم يطلبوا في القسامة الشهادة القاطعة ، ولا العلم البت ، وإنما طلبوا شبهة ، وسموه لوثا ، لأَنَّهُ يلطخ المدعى عَلَيْهِ ، ويوجب الشبهة ، ويتطرق بها إلى حراسة الأنفس ، وحقن الدماء ، إذ في القصاص حياة ، والخير كله في ردع السفهاء والجناة ، وقد قدمنا عَنْ مالك وغيره هَذَا المعنى ، فلذلك وردت القسامة ، واللَّه أعلم ، ولا أصل لهم في القسامة غير قصة عَبْد اللَّه بْن سهل الحارثي الأنصاري المقتول بخيبر ، على ما قد ذكرنا من الروايات بذلك على اختلافها موعبة واضحة في هَذَا الباب ، والحمد لله ، وفي رد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأيمان في القسامة دليل على رد اليمين على المدعي إذا نكل المدعى عَلَيْهِ عنها في سائر الحقوق ، وإلى هَذَا ذهب مالك والشافعي في رد اليمين ، وهذا أصلهم في ذلك ، وأما أبو حنيفة وأهل العراق فهم يقضون بالنكول ، ولا يرون رد يمين في شيء من الحقوق والدعاوى ، والقول برد اليمين أولى وأصح ، لما روى من الأثر في ذلك ، وأما النكول ، فلا أثر فيه ولا أصل يعضده ، ولم نر في الأصول حقا ثبت على منكر بسبب واحد ، والنكول سبب واحد ، فلم يكن بد من ضم شيء غيره إليه ، كما ضم شاهد إلى شاهد مثله أو يمين الطالب ، واللَّه الموفق للصواب .
- عبد الله بن عمرو بن العاص بن … صحابي