أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ شَعْبَانَ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ ، حَدَّثَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ ° ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : " النِّكَاحُ جَائِزٌ عَلَى مَوْزَةٍ إِذَا هِيَ رَضِيَتْ "
قال أبو عمر : أجمع العلماء على أن لا توقيت ولا تحديد في أكثر الصداق ، وذكر الله تعالى الصداق في كتابه ولم يحد في أكثره ولا في أقله حدا ، ولو كان الحد مما يحتاج في ذلك إليه ، لبينه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذ هو المبين عن الله مراده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " التمس ولو خاتما من حديد . والحدود لا تصح إلا بكتاب الله ، أو سنة ثابتة لا معارض لها ، أو إجماع يجب التسليم له ، هذه جملة ما احتج به من ذهب هذا المذهب . وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما يصدقه الرجل امرأته لا يملك شيئا منه ، وأنه للمرأة دونه ، ألا ترى إلى قوله : " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك " . وفي هذا ما يدل على أن الصداق لو كان جارية ووطئها الزوج حد ، لأنه وطئ ملك غيره ، وهذا موضع اختلف فيه السلف والآثار . وأما فقهاء الأمصار ، فعلى ما ذكرت لك ، وهو الصحيح لقول الله عز وجل : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ { 5 } إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ { 6 } فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ سورة المؤمنون آية 5-7 . ومن وطئ جارية قد أمهرها زوجته وملكتها عليه ببضعها ، فلم يطأ ملك يمين وتعدى . واختلف الفقهاء في المهر المسمى ، هل تستحق المرأة جميعه بالعقد أم لا ؟ فالظاهر من مذهب مالك ، أنه لا تستحق بالعقد إلا نصفه ، وأما الصداق إذا كان شيئا بعينه فهلك ثم طلق قبل الدخول ، لم يكن له عليها شيء ، وأنه لو سلم وطلق قبل الدخول ، أخذ نصفه ناميا أو ناقصا ، والنماء والنقصان بينهما ، وقد روي عن مالك ، وقال به طائفة من أصحابه : أنها تستحق المهر كله بالعقد ، واستدل قائل ذلك بالموت قبل الدخول ، وبوجوب الزكاة في الماشية نفسها عليه ، وأنه لا يقال للزوج : أغرم عليها الزكاة ثم تدخل ، وبأنه لو كانت بينهما لم تجب عليها في أربعين شاة أو خمس ذود زكاة ، فلما أوجبوا عليها الزكاة في ذلك ، علم أنها كلها على ملكها ، وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه ، واعتلوا بالإجماع على أن الصداق إذا قبضته ، وكان معينا في غَيْر ذمة الزوج وهلك قبل الدخول ، كان منها وكان له أن يدخل بها بغير شيء ، وبأنها لو كان الصداق أباها ، عتق عليها عقب العقد قبل الدخول بلا خلاف . واحتجوا أيضا بقول الله عز وجل : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً سورة النساء آية 4 . فأمر بتسليم الصداق إليها ، فوجب ملكه لها ، وشبهوا سقوطه بالطلاق قبل الدخول بعد وجوبه ، وثبوته بالبائع يرجع إليه عين ملكه عند فلس المبتاع منه ، ولهم في ذلك ضروب من الكلام يكفي منه ما ذكرنا ، وهو عينه ، وعليه مداره ، والحمد لله . وفيه إجازة اتخاذ خاتم الحديد ، وقد اختلف العلماء في جواز لباس خاتم الحديد على ما بينا في باب عبد الله بن دينار ، والحمد لله . وفيه أيضا دليل على أن تعليم القرآن جائز أن يكون مهرا ، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء ، فقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا يكون القرآن ولا تعليم القرآن مهرا ، وهو قول الليث . وحجة من ذهب هذا المذهب : أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال ، لذكر الله الطول في النكاح ، والطول : المال ، والقرآن ليس بمال . وقال الله عز وجل : أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ سورة النساء آية 24 والقرآن ليس بمال ، ولأن التعليم من المعلم والمتعلم يختلف ولا يكاد يضبطه ، فأشبه الشيء المجهول ، قالوا : ومعنى ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال : " قد أنكحتكها بما معك من القرآن " . فإنما هو على جهة التعظيم للقرآن وأصله ، لا على أنه مهر ، وإنما زوجه إياها لكونه من أهل القرآن ، كما روى أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه ، والمهر مسكوت عنه ، لأنه معهود معلوم أنه لا بد منه .