← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#3148 18 : 251 ☰ حديث ثالث وعشرون لأبي الزناد
A− A+

وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، " أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جَالِسٌ فَلا يَتَوَضَّأُ ، وَإِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا أَعَادَ الْوُضُوءَ " . وعن معمر ، عَنْ أيوب ، عَنْ نَافِع ، عَنِ ابْن عُمَر مثله . فهذا عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر قد فرق بين النوم جالسا ومضطجعا ، وعبد الرزاق ، عَنِ الثوري ، عَنِ الأَعْمَش ، عَنْ ثَابِت بْن عُبَيْد ، قَالَ : " انتهيت إِلَى ابْن عُمَر وهو جالس ينتظر الصلاة ، فسلمت ، فاستيقظ ، فَقَالَ : أثابت ؟ قلت : نعم . قَالَ : أسلمت ؟ قلت : نعم . قَالَ : إذا سلمت فأسمع ، وإذا ردوا عليك فليسمعوك . قَالَ : ثُمَّ قام فصلى ، وكان محتبيا قد نام "

وعبد الرزاق ، عَنِ ابْن جريج ، عَنْ إِبْرَاهِيم بْن ميسرة ، أن طاوسا رقد يَوْم الجمعة ، والضحاك يخطب الناس ، قَالَ : فلما صلينا وخرجنا ، قَالَ : ما قَالَ حين رقدت ؟ فهذه الآثار كلها تدل على أن من نام جالسا لا شيء عَلَيْهِ ، وقد تأول بعضهم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث هَذَا الباب : " فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " ، أن ذَلِكَ على نوم الليل ، والمعروف مِنْهُ فِي الأغلب الاضطجاع والاستثقال ، لعلى هَذَا خرج الحديث والله أعلم . وأما قوله فِي هَذَا الحديث : " فلا يغمس يده فِي وضوئه " ، فإن أكثر أهل العلم ذهبوا إِلَى أن ذَلِكَ مِنْهُ ندب لا إيجاب ، وسنة لا فرض ، وكان مَالِك رحمه اللَّه يستحب لكل من أراد الوضوء أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء ، وسواء كَانَ على وضوء أو على غير وضوء ، ولقد رَوَى عنه أَشْهَب فِي ذَلِكَ تأكيدا واستحبابا . وَرَوَى ابْن وَهْب ، وابن نَافِع ، عَنْ مَالِك فِي المتوضئ يخرج مِنْهُ ريح بحدثان وضوئه ويده طاهرة ، قَالَ : يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء أحب إلي . قَالَ ابْن وَهْب : وقد كَانَ قَالَ لي قبل ذَلِكَ ، إن كَانَت يده طاهرة فلا بأس ، أن يدخلها فِي الوضوء قبل أن يغسلها ، ثُمَّ قَالَ لي : أحب إلي أن يغسل يده إذا أحدث قبل أن يدخلها فِي وضوئه ، وإن كَانَت يده طاهرة . وذكر ابْن عبد الحكم ، عَنْ مَالِك ، قَالَ : من استيقظ من نومه ، أو مس فرجه ، أو كَانَ جنبا ، أو امرأة حائضا ، فأدخل أحدهم يده فِي وضوئه فليس ذَلِكَ يضره ، إلا أن تكون فِي يده نجاسة كَانَ ذَلِكَ الماء قليلا أو كثيرا ، ولا يدخل أحد منهم يده فِي وضوئه حَتَّى يغسلها . قَالَ أَبُو عُمَر : الفقهاء على هَذَا كلهم يستحبون ذَلِكَ ويأمرون بِهِ ، فإن أدخل يده أحد بعد قيامه من نومه فِي وضوئه قبل أن يغسلها ، ويده نظيفة لا نجاسة فيها ، فليس عَلَيْهِ شيء ، ولا يضر ذَلِكَ وضوءه ، وعلى ذَلِكَ أكثر أهل العلم ، فإن كَانَت فِي يده نجاسة نظر إِلَى الماء ، ورجع كل واحد من الفقهاء حينئذ إِلَى أصله فِي الماء على ما قدمنا عنهم فِي باب إِسْحَاق ، من كتابنا هَذَا ، وكان الْحَسَن البصري فيما رَوَى عنه أشعث ، يَقُول : إذا استيقظ أحدكم من النوم فغمس يده فِي الإناء قبل أن يغسلها أهراق الماء . وإلى هَذَا ذهب أهل الظاهر ، فلم يجيزوا الوضوء بِهِ ، لأنه عندهم ماء منهي عَنِ استعماله ، هَذَا معنى النهي عَنْ غمس اليد فِيهِ عندهم ، كأنه قَالَ : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده فِي إناء وضوئه ، فإن فعل فلا يتوضأ بذلك الماء . وإلى هَذَا المعنى ذهب بعض أصحاب دَاوُد ، وتحصيل مذهب دَاوُد وأكثر أصحابه ، أن فاعل ذَلِكَ عاص إذا كَانَ بالنهي عالما ، والماء طَاهِر ، والوضوء بِهِ جائز ما لم تظهر فِيهِ نجاسة . وقد رَوَى هِشَام ، عَنِ الْحَسَن ، قَالَ : من استيقظ فغمس يده فِي وضوئه ، فلا يهريقه ، وعلى هَذَا جماعة الفقهاء ، إلا أن من أدخل يده فِي الإناء إذا استيقظ من نومه قبل أن يغسلها ، فقد أساء عندهم إذا كَانَ عالما بالخبر فِي ذَلِكَ ، ووضوءه بذلك الماء جائز ، وليس عَلَيْهِ أن يهريقه إذا كَانَت يده طاهرة . واختلف عَنِ الْحَسَن البصري أيضا فِي الفرق بين نوم الليل والنهار ، فذكر المروزي عَنْ إِسْحَاق بْن راهويه ، عَنْ سَهْل بْن يوسف ، عَنْ بعض أصحابه ، عَنِ الْحَسَن ، أنه كَانَ يساوي بين نوم الليل والنهار فِي غسل اليد . قَالَ المروزي : وقد روينا عَنِ الْحَسَن خلاف هَذَا ، بأثبت من هَذَا الإسناد ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا النضر بْن شميل ، قَالَ : حَدَّثَنَا أشعث ، عَنِ الْحَسَن ، أنه كَانَ لا يجعل نوم النهار مثل نوم الليل ، يَقُول : لا بأس ، إذا استيقظ من نوم النهار أن يغمس يده فِي وضوئه ، وإلى هَذَا ذهب أَحْمَد بْن حنبل ، ذكر أَبُو بَكْر الأثرم ، قَالَ : سمعت أَبَا عَبْد اللَّهِ يعني أَحْمَد بْن حنبل يسأل عَنِ الرجل يستيقظ من نومه ، فيغمس يده فِي الإناء قبل أن يغسلها ، فَقَالَ : أما بالنهار فليس بِهِ عندي بأس ، وأما إذا قام من النوم بالليل فلا يدخل يده فِي الإناء حَتَّى يغسلها ، لأنه قَالَ : لا يدري أين باتت يده ، قَالَ : فالمبيت إنما يكون بالليل . قيل لأبي عَبْد اللَّهِ : فما يصنع بذلك الماء ؟ قَالَ : إن صب الماء وأبدله فهو أحسن وأسهل . قَالَ أَبُو عُمَر : أما المبيت فيشبه أن يكون ما قاله أَحْمَد بْن حنبل صحيحا فِيهِ ، لأن الخليل قَالَ فِي كتاب العين : البيتوتة : دخولك فِي الليل ، وكونك فِيهِ بنوم وبغير نوم ، قَالَ : ومن قَالَ : بت : بمعنى نمت ، وفسره على النوم ، فقد أخطأ ، قَالَ : ألا ترى أنك تقول : بت أراعي النجم ، معناه : بت أنظر إِلَى النجم ، قَالَ : فلو كَانَ نوما ، كيف كَانَ ينام وينظر ؟ إنما هو ظللت أراعي النجم ، قَالَ : وتقول : أباتهم اللَّه إباتة حسنة ، وباتوا بيتوتة صالحة ، وأباتهم الأمر بياتا ، كل ذَلِكَ دخول الليل ، وليس من النوم فِي شيء . وَقَالَ إِسْحَاق بْن راهويه : لا ينبغي لأحد استيقظ ليلا أو نهارا ، إلا أن يغسل يده قبل أن يدخلها الوضوء ، قَالَ : والقياس فِي نوم النهار ، أنه مثل نوم الليل ، قَالَ : فإذا كَانَ النائم ليلا يجب عَلَيْهِ أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء ، لما ورد من ذَلِكَ فِي الحديث ، فنوم النهار مثل نوم الليل فِي القياس . قال أَبُو عُمَر : لا أعلم أحدا قَالَ بقول الْحَسَن ، وأحمد بْن حنبل فِي هَذِهِ المسألة غيرهما ، والناس على ما ذكرنا عَنْ إِسْحَاق فِي التسوية بين نوم الليل والنهار ، فإن أدخل يده فِي الإناء وهي طاهرة لا نجاسة فيها ، لم يضره عندهم ذَلِكَ ، وعلى هذا جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْخِلُونَ أَيْدِيهِمْ فِي الْمَاءِ وَهُمْ جُنُبٌ وَالنِّسَاءُ حُيَّضٌ ، فَلا يُفْسِدُ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " . وعبد الرزاق ، عَنْ عُمَر بْن ذر ، قَالَ : رأيت إِبْرَاهِيم النخعي قرب لَهُ وضوءه ، فأدخل يده فِي وضوئه قبل أن يغسلها ، فَقَالَ لَهُ : أمثلك يفعل هَذَا يَا أَبَا عمران ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيم : ليس حيث تذهب يَا أَبَا عُمَر ، أرأيت المهراس الَّذِي كَانَ أصحاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضؤون فِيهِ ، كيف كانوا يصنعون بِهِ ؟ قَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا عندنا على أن وضوءه ذَلِكَ كَانَ فِي مطهرة وشبهها ، مما لم يمكنه أن يصب مِنْهُ على يده ، فلذلك أدخل يده فِيهِ والله أعلم . وقد ذكر عبد الرزاق ، عَنِ الثوري ، وابن عُيَيْنَة ، عَنِ الصلت بْن بهرام ، قَالَ : رأيت إِبْرَاهِيم النخعي يبول ، ثُمَّ يدخل يده فِي المطهرة . ومعمر ، عَنْ قَتَادَة ، عَنِ ابْن سيرين ، أنه كَانَ يدخل يده فِي وضوئه ، وقد خرج من الكنيف قبل أن يغسلها . وابن المبارك ، عَنْ هِشَام ، عَنِ ابْن سيرين مثله . وأيوب ، عَنِ ابْن سيرين ، عَنْ عبيدة مثله . وَرَوَى عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أسماء ، قَالَ : حَدَّثَنَا مهدي بْن ميمون ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ، قَالَ : رأيت سَالِم بْن عَبْد اللَّهِ بال ، فأتى بركوة فيها ماء ، فغمس يده فِي جوف الركوة يغسلها . وعبد الرزاق ، عَنِ ابْن جريج ، عَنْ عَطَاء ، قَالَ : إذا غسلت كفي قبل أن أدخلها الإناء لم أغسلها مع الذراعين ، قَالَ : وإن غمست كفيك فِي الوضوء قبل أن تغسلها فتوضأت ، ثُمَّ ذكرت ، فلا تعد لوضوئك ، ولحسبك لعمري ، إنا لننسى ذَلِكَ كثيرا ، ثُمَّ لا تزيد على ذَلِكَ الماء . وعن ابْن جريج ، عَنْ عَطَاء ، قَالَ : إن أمنت أن يكون بكفيك أذى أو قشب ، فلا يضرك أن تدخلهما فِي وضوئك قبل أن تغسلهما . قَالَ أَبُو عُمَر : من جعل ترتيب الوضوء واجبا عضوا بعد عضو ، فلا يتحصل على أصله إلا أن يكون غسل اليدين قبل إدخالهما فِي الوضوء بدءا ، وأما من أجاز تقديم غسل اليدين على الوجه ، فيجيء على أصله ، ما قَالَ عَطَاء : أنه لا يعيد غسل كفيه مع ذراعيه . قَالَ أَبُو عُمَر : وروينا عَنْ علي بْن أَبِي طالب ، وعبد اللَّه بْن مَسْعُود ، والبراء بْن عَازِب ، وجرير بْن عَبْد اللَّهِ ، أنهم كانوا يتوضؤون من المطاهر التي يتوضأ منها العوام ، ويدخلون أيديهم فيها ولا يغسلونها . وذكر وكيع ، عَنْ سُفْيَان ، ومسعر ، عَنْ مزاحم بْن زفر ، قَالَ : قلت للشعبي : أكوز مخمر أحب إليك أن أتوضأ بِهِ أم من المطهرة التي يدخل فيها الجزار يده ؟ قَالَ : لا ، بل المطهرة التي يدخل فيها الجزار يده . وذكر أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سلام بعض هَذِهِ الأحاديث فِي الوضوء من المطاهر ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا كله قول أهل الحجاز ، والعراق إن هَذِهِ المطاهر لا ينجسها وضوء الناس منها . وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ المروزي : وكذلك القول عندنا ، قَالَ : ومعنى المطاهر هَذِهِ السقايات التي تكون فيها الحياض ، فيتوضأ منها الصادر والوارد ، وإنما أرادت العلماء من هَذَا ، أنهم رأوا أن إدخالهم أيديهم فِي الماء لا يفسده ، قَالَ : وعلى هَذَا أمر المسلمين أن رجلا لو أدخل يده فِي الإناء قبل غسلها لم ينجس ذَلِكَ ماء ، إلا أنه مسيء فِي ترك غسلها ، لأن السنة أن يبدأ بغسلها قبل أن يدخلها الإناء . وذكر المروزي ، عَنْ إِسْحَاق ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن نمير ، عَنِ الأشعث ، عَنِ الشَّعْبِيّ ، قَالَ : النائم والمستيقظ سواء ، إذا وجب عَلَيْهِ الوضوء لم يدخل يده فِي الإناء حَتَّى يغسلها . قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق ، قَالَ : حَدَّثَنَا المعتمر ، عَنْ سَالِم ، عَنِ الْحَسَن ، قَالَ : لا تغمسوا أيديكم فِي الإناء حَتَّى تغسلوها . وذكر عبد الرزاق ، عَنْ معمر ، وابن جريج ، عَنِ ابْن طَاوُس ، عَنْ أَبِيهِ ، أنه كَانَ يغسل يديه قبل أن يدخلهما الماء .

السند · الإسناد بالترتيب
عبد الرزاق←عبد الله بن عمر←نافع←ابن عمر←معمر←أيوب←نافع←ابن عمر←عبد الله بن عمر←الرزاق←الثوري←الأعمش←ثابت بن عبيد
شجرة الإسناد