← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#2513 مقبول 16 : 66 ☰ نافع عن سليمان بن يسار حديث واحد وهو حديث راب…
A− A+

وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ اللَّيْثِ ° ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ° ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ ° ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ° ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ° ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ ° ، حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَانْظُرِي ، فَإِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ فَلا تُصَلِّي ، فَإِذَا مَرَّ الْقُرْءُ فَتَطَهَّرِي ، ثُمَّ صَلِّي بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ "

قال أَبُو عُمَر : لهذا الاختلاف ومثله عَنْ عُرْوَة ، والله أعلم ، ضعف أهل العلم بالحديث ما عدا حديث هِشَام بْن عُرْوَة ، وسليمان بْن يَسَار ، من أحاديث الحيض والاستحاضة . فهذه الأحاديث المرفوعة فِي هَذَا الباب ، وأما أقاويل الصحابة ، والتابعين ، وسائر فقهاء المسلمين ، فسنورد مِنْهَا هاهنا ما فِيهِ شفاء واكتفاء ، إن شاء الله . قال أَبُو عُمَر : أما قوله فِي حديث مَالِك فِي هَذَا الباب : عَنْ نَافِع ، عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار ، عَنْ أم سَلَمَة ، أن امرأة كَانَتْ تهراق الدماء على عهد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمعناه عند جميع العلماء أَنَّهَا كَانَتِ امرأة لا ينقطع دمها ، ولا ترى منه طهرا ولا نقاء ، وقد زادها ذَلِكَ على أيامها المعروفة لَهَا وتمادى بها ، فسألت عَنْ ذَلِكَ لتعلم ، هل حكم ذَلِكَ الدم كحكم دم الحيض ، أو هل هُوَ حيض أو غير حيض ؟ فأجابها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بجواب منعها بِهِ من الصَّلاة فِي أيام حيضتها ، فبان بذلك أن الحائض لا تصلي ، وَهَذَا إجماع ، وأمرها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أن تغتسل وتصلي ، إِذَا خلفت ذَلِكَ . واحتملت ألفاظ هذه الأحاديث من التأويل ما أوجب اختلاف العلماء فِي هَذَا الباب ، على ما نذكره عنهم ، إن شاء الله . والذي أجمعوا عَلَيْهِ ، أن المرأة لَهَا ثلاثة أحكام فِي رؤيتها الدم السائل من فرجها ، فمن ذَلِكَ دم الحيض المعروف ، تترك لَهُ الصَّلاة إِذَا كَانَ حيضا ، وللحيض عندهم مقدار اختلفوا فِيهِ ، وكلهم يَقُول : إِذَا جاوز الدم ذَلِكَ المقدار ، فليس بحيض ، والحيض خلقة فِي النساء وطبع معتاد معروف منهن ، وحكمه ألا تصلي معه المرأة ولا تصوم ، فَإِذَا انقطع عنها ، كَانَ طهرها منه الغسل ، ومن ذَلِكَ أيضا الوجه الثاني ، وَهُوَ دم النفاس عند الولادة . لَهُ أيضا عند العلماء حد محدود اختلفوا فِيهِ على ما نذكره عنهم ، إن شاء الله ، وطهرها عندهم انقطاعه ، والغسل منه كالغسل من الحيض سواء ، والوجه الثالث دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة ، وإنما هُوَ عرق انقطع ، سائل دمه لا انقطاع لَهُ إلا عند البرء منه ، فهذا حكمه أن تكون المرأة فِيهِ طاهرا ، لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء ، واتفاق من الآثار المرفوعة ، إِذَا كَانَ معلوما أَنَّهُ دم العرق لا دم الحيض . وأما وطء الزوج أو السيد للمرأة التي هذه حالها ، فمختلف فِيهِ من أهل العلم : ، جماعة قالوا : لا سبيل لزوجها إِلَى وطئها ، ما دامت تلك حالها ، قالوا : لأن كل دم أذى يجب غسله من الثوب والبدن ، ولا فرق فِي المباشرة بين دم الحيض ، ودم الاستحاضة ، لأنه كله رجس ، وإن كَانَ التعبد منه مختلفا ، كما أن ما خرج من السبيلين سواء فِي النجاسة ، وإن اختلفت عباداته فِي الطهارة ، قالوا : وأما الصَّلاة فرخصة وردت بها السنة ، كما يصلى أسلس البول ، وممن قَالَ : إن المستحاضة لا يصبها زوجها : إِبْرَاهِيم النخعي ، وسليمان بْن يَسَار ، والحكم ، وعامر الشعبي ، وابن سِيرِين ، والزهري ، واختلف فِيهِ عَنِ الْحَسَن ، وروي عَنْ عَائِشَة فِي المستحاضة أَنَّهُ لا يأتيها زوجها ، وبه قَالَ ابْن علية ، وذكر عَنْ شريك ، عَنْ مَنْصُور ، عَنْ إِبْرَاهِيم ، قَالَ : المستحاضة تصوم وتصلي ، ولا يأتيها زوجها . وعن حَمَّاد بْن زَيْد ، عَنْ حفص بْن سُلَيْمَان ، عَنِ الْحَسَن مثله . وعن عبد الواحد بْن سَالِم ، عَنْ حريث ، عَنِ الشعبي مثله . وذكر عبد الرزاق ، عَنِ الثوري ، عَنْ مَنْصُور ، قَالَ : لا تصوم ، ولا يأتيها زوجها ، ولا تمس المصحف . وعن معمر ، عَنْ أَيُّوب ، قَالَ مثل سُلَيْمَان بْن يَسَار : أيصيب المستحاضة زوجها ؟ فَقَالَ : إنما سمعنا الصَّلاة . وذكر إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مصعب ، قَالَ : سمعت الْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ من أعلى أَصْحَاب مَالِك ، يَقُول : قولنا فِي المستحاضة إِذَا استمر بها الدم بعد انقضاء أيام حيضتها : إنا لا ندري هل ذَلِكَ انتقال دم حيضتها إِلَى دم أكثر مِنْهَا ، أم ذَلِكَ استحاضة ؟ فنأمرها أن تغتسل إِذَا مضت أيام حيضتها وتصلي وتصوم ، ولا يغشاها زوجها ، احتياطا ، ينظر إِلَى ما تصير إليه حالها بعد ذَلِكَ ، إن كَانَتْ حيضة ، انتقلت من أيام إِلَى أكثر مِنْهَا ، عملت فيما تستقبل على الأيام التي انتقلت إليها ، ولم يضرها ما كَانَتِ احتاطت من الصَّلاة والصيام ، وإن كَانَ ذَلِكَ الدم الَّذِي استمر بها استحاضة ، كَانَتْ قد احتاطت للصلاة والصيام . قَالَ أَبُو مصعب : وَهَذَا قولنا ، وبه نفتي . وَقَالَ جمهور العلماء : المستحاضة تصوم وتصلي ، وتطوف ، وتقرأ ، ويأتيها زوجها . وممن روي عنه إجازة وطء المستحاضة : عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس ، وابن المسيب ، والحسن ، وَسَعِيد بْن جُبَيْر ، وعطاء ، وَهُوَ قول مَالِك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وَكَانَ أَحْمَد بْن حنبل يَقُول : أحب إلي ألا يطأها إلا أن يطول ذَلِكَ بها . ذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الأَجْلَحِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : لا بَأْسَ أَنْ يُجَامِعَهَا زَوْجُهَا . وذكر عبد الرزاق ، عَنْ معمر ، عَنْ إِسْمَاعِيل بْن شروس ، قَالَ : سمعت عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس ، يسأل عَنِ المستحاضة : أيصيبها زوجها ؟ قَالَ : نعم ، وإن سال الدم على عقبيها . عَنِ الثوري ، عَنْ سمي ، عَنِ ابْن المسيب . وعن يونس ، عَنِ الْحَسَن ، قَالا فِي المستحاضة : تصوم ، وتصلي ، ويجامعها زوجها . وعن الثوري ، عَنْ سَالِم الأفطس ، عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر ، أَنَّهُ سأله عَنِ المستحاضة : أتجامع ؟ فَقَالَ : الصَّلاة أعظم من الجماع . وذكر ابْن وهب ، عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ، عَنْ سَعِيد بْن المسيب ، أَنَّهُ قَالَ : المستحاضة تصوم وتصلي ويطؤها زوجها . قال ابْن وهب : وَقَالَ مَالِك : أمر أهل الفقه والعلم على ذَلِكَ ، وإن كَانَ دمها كثيرا . وَقَالَ مَالِك : قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنما ذَلِكَ عرق وليس بالحيضة " . وَإِذَا لم تكن حيضة فما يمنعها أن تصيبها ، وهي تصلي وتصوم ؟ قال أَبُو عُمَر : حكم الله عز وجل ، فِي دم المستحاضة بأنه لا يمنع من الصَّلاة وتعبد فِيهِ بعبادة غير عبادة الحيض ، أوجب أن لا يحكم لَهُ بشيء من حكم الحيض ، إلا فيما أجمعوا عَلَيْهِ من غسله كسائر الدماء . وأما اختلاف العلماء فِي أكثر الحيض وفي أقله ، وفي أقل الطهر ، فواجب الوقوف عَلَيْهِ هاهنا ، لأن الأصل فِي الاستحاضة زيادة الدم على مقدار أمد الحيض ، أو نقصان مدة الطهر عَنْ أقله ، فبهذا تعرف الاستحاضة . فأما اختلافهم فِي أكثر الحيض وأقله ، فإن فقهاء أهل المدينة يقولون : أن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما ، وجائز عندهم أن يكون خمسة عشر يوما فما دون ، وأما ما زاد على خمسة عشر يوما فلا يكون حيضا ، وإنما هُوَ استحاضة ، وَهَذَا مذهب مَالِك وأصحابه ، فِي الجملة . وقد روي عَنْ مَالِك ، أَنَّهُ قَالَ : لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره ، والدفعة عنده من الدم ، وإن قلت تمنع من الصَّلاة ، وأكثر الحيض عنده خمسة عشر يوما ، إلا أن يوجد فِي النساء أكثر من ذَلِكَ ، فكأنه ترك قوله : خمسة عشر ، ورده إِلَى عرف النساء فِي الأكثر ، وأما الأقل ، فقليل الدم عنده حيض بلا توقيت ، يمنع من الصَّلاة وإن لم تكن المطلقة تعده قرءا ، هذه جملة رواية ابْن الْقَاسِم وأكثر المصريين عنه . وروى الأندلسيون ، عَنْ مَالِك : أقل الطهر عشر ، وأقل الحيض خمس ، وَقَالَ ابْن الماجشون ، عَنْ مَالِك : أقل الطهر خمسة أيام ، وأقل الحيض خمسة أيام ، وَهُوَ قول عبد الملك بْن الماجشون . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : أقل الحيض يوم وليلة . وروي عنه : يوم بلا ليلة ، وأكثره عنده خمسة عشر يوما . وللشافعي قول آخر كقول مَالِك فِي عرف النساء . وَقَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة : أكثر الحيض خمسة ، وأقله ثلاثة أيام . وَقَالَ الأَوْزَاعِيّ : أقل الحيض يوم ، قَالَ : وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية . وَقَالَ الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : أقل الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة أيام فما نقص عندها ولاء من ثلاثة أيام فهو استحاضة ، وما زاد على عشرة أيام فهو استحاضة ، وكذلك ما كَانَ أقل من يوم وليلة عند الشَّافِعِيّ ، فهو استحاضة ، وما زاد على خمسة عشر يوما فمثل ذَلِكَ ، وكذلك ما نقص عَنْ أقل الطهر ، فهو استحاضة عند أكثرهم ، وأما اختلافهم فِي أقل الطهر ، فإن مالكا وأصحابه اضطربوا فِي ذَلِكَ ، فروي عَنِ ابْن الْقَاسِم عشرة أيام ، وروي عنه ثمانية أيام ، وَهُوَ قول سحنون . وَقَالَ عبد المالك بْن الماجشون : أقل الطهر خمسة أيام ، ورواه عَنْ مَالِك . وَقَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة : أقل الطهر خمسة عشر يوما ، وَهُوَ قول أَبِي حنيفة ، والثوري ، والشافعي ، قَالَ الشَّافِعِيّ : إلا أن يعلم طهر امرأة أقل من خمسة عشر ، فيكون القول قولها . وحكى ابْن أَبِي عمران ، عَنْ يَحْيَى بْن أكثم ، أن أقل الطهر تسعة عشر ، واحتج بأن الله جعل عدل كل حيضة وطهر شهرا ، والحيض فِي العادة أقل من الطهر ، فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر يوما ، ووجب أن يكون عشرة حيضا ، وباقي الشهر طهرا ، وَهُوَ تسعة عشر ، لأن الشهر قد يكون تسعا وعشرين . وقول أَحْمَد بْن حنبل ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي عُبَيْد ، والطبري فِي أقل الحيض وأكثره ، كقول الشَّافِعِيّ ، وأما أقل الطهر ، فَقَالَ أَحْمَد ، وإسحاق : لا تحديد فِي ذَلِكَ ، وأنكرا على من وقت فِي ذَلِكَ خمسة عشر يوما وَقَالَا : باطل . وَقَالَ الثوري : أقل ما بين الحيضتين من الطهر خمسة عشر يوما ، وذكر أَبُو ثور أن ذَلِكَ لا يختلفون فِيهِ ، وحكاه عَنِ الشَّافِعِيّ ، وأبي حنيفة . وأما اختلاف الفقهاء فِي أقل النفاس وأكثره ، فلا أعلمهم يختلفون ، أعني : فقهاء الحجاز والعراق ، أن النفساء إِذَا رأت الطهر ولو بعد ساعة أَنَّهَا تغتسل ، واختلفوا فِي أكثر مدته : فَقَالَ مَالِك ، وعبيد الله بْن الْحَسَن ، والشافعي : أكثره ستون يوما ، ثُمَّ رجع مَالِك ، فَقَالَ : يسأل النساء عَنْ ذَلِكَ وأهل المعرفة . فذكر اللَّيْث أن من الناس من يَقُول : سبعين يوما . وَقَالَ الثوري ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي : أكثره أربعون يوما . قال أَبُو عُمَر : ما زاد عندهم على أكثر مدة الحيض ، وأكثر مدة النفاس ، فهو استحاضة لا يختلفون فِي ذَلِكَ ، فقف على أصولهم فِي هَذَا الباب ، لتعرف الحكم فِي المستحاضة ، وتعرف من قلد أصله منهم ، ومن خالفه ، إن شاء الله ، فأما أقاويل الصحابة والتابعين فِي صلاة المستحاضة ، فإن ابْن سِيرِين روى عَنِ ابْن عَبَّاس فِي المستحاضة ، قَالَ : إِذَا رأت الدم البحراني فلا تصلي ، وَإِذَا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل ولتصل . وَقَالَ مكحول : إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة ، إن دمها أسود غليظ ، فَإِذَا ذهب ذَلِكَ وصارت صفرة رقيقة ، فإنها الاستحاضة ، فلتغتسل ولتصل . وروى حَمَّاد بْن زَيْد ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ، عَنِ القعقاع بْن حكيم ، عَنْ سَعِيد بْن المسيب فِي المستحاضة ، إِذَا أقبلت الحيضة تركت الصَّلاة ، وَإِذَا أدبرت اغتسلت وصلت . وقد روي عَنْ سَعِيد بْن المسيب فِي المستحاضة : تجلس أيام أقرائها ، ورواه حَمَّاد بْن سَلَمَة ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ، عنه . وروى يونس عَنِ الْحَسَن ، قَالَ : الحائض إِذَا مد بها الدم ، تمسك بعد حيضتها يوما ، أو يومين وهي مستحاضة . وَقَالَ التيمي ، عَنْ قَتَادَة : إِذَا زادت على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصل ، قَالَ التيمي : فجعلت أنقص حَتَّى إِذَا بلغت يومين ، قَالَ : إِذَا كَانَ يومين ، فهو من حيضها . وسئل ابْن سِيرِين ، فَقَالَ : النساء أعلم بذلك . قال أَبُو عُمَر : فهذه أقاويل فقهاء التابعين فِي هَذَا الباب ، وأما أقاويل من بعدهم من أئمة الفتوى بالأمصار ، فَقَالَ مَالِك فِي المرأة إِذَا ابتدأها حيضها فاستمر بها الدم ، أو كَانَتْ ممن قد حاضت فاستمر الدم بها ، قَالَ فِي المبتدأة : تقعد ما تقعد نحوها من النساء من أسنانها وأترابها ولداتها ، ثُمَّ هي مستحاضة بعد ذَلِكَ . رواه علي بْن زياد عَنْ مَالِك . وَقَالَ ابْن الْقَاسِم : ما رأت المرأة بعد بلوغها من الدم فهو حيض تترك لَهُ الصَّلاة ، فإن تمادى بها قعدت عَنِ الصَّلاة خمسة عشر يوما ، ثُمَّ اغتسلت ، وَكَانَتْ مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ . إلا أن ترى دما لا تشك أنه دم حيض ، فتدع لَهُ الصَّلاة ، فَقَالَ : والنساء يعرفن ذَلِكَ بريحه ولونه . وَقَالَ : إِذَا عرفت المستحاضة إقبال الحيضة وإدبارها وميزت دمها ، اعتدت بِهِ من الطلاق . وقد روي عَنْ مَالِك فِي المستحاضة عدتها سنة ، وإن رأت دما تنكره . وَقَالَ مَالِك فِي المرأة ترى الدم دفعة واحدة لا ترى غيرها فِي ليل أو نهار أن ذَلِكَ حيض تكف لَهُ عَنِ الصَّلاة ، فإن لم تكن غير تلك الدفعة ، اغتسلت وصلت ، ولا تعتد بتلك الدفعة من طلاق ، والصفرة والكدرة عند مَالِك فِي أيام الحيض ، وفي غيرها حيض . وَقَالَ مَالِك : المستحاضة إِذَا ميزت بين الدمين ، عملت على التمييز فِي إقبال الحيضة وإدبارها . ولم يلتفت إِلَى عدد الليالي والأيام ، وكفت عَنِ الصَّلاة عند إقبال حيضتها ، واغتسلت عند إدبارها . وَقَالَ مَالِك فِي المرأة يزيد دمها على أيام عادتها : أَنَّهَا تمسك عَنِ الصَّلاة خمسة عشر يوما ، فإن انقطع ، وإلا صنعت ما تصنع المستحاضة ، ثُمَّ رجع ، فَقَالَ : تستظهر بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها المعتادة ، ثُمَّ تصلي ، وترك قوله : خمسة عشر يوما ، وأخذ بقوله الأول المدنيون من أصحابه ، وأخذ بقوله الآخر المصريون من أصحابه . وَقَالَ اللَّيْث فِي هذه المسألة كلها مثل قول مَالِك الأخير ، ولمالك وغيره من العلماء فِي المرأة ينقطع دم حيضها ، فترى دما يوما أو يومين وطهرا يوما أو يومين مذاهب ، سنذكرها فِي باب هِشَام بْن عُرْوَة ، إن شاء الله . وذكر إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة : أقصى ما تحيض النساء عند علماء أهل المدينة : مَالِك ، وغيره . خمسة عشر يوما ، فَإِذَا رأت المرأة الدم ، أمسكت عَنِ الصَّلاة خمسة عشر يوما ، فإن انقطع عنها ثُمَّ انقضاء الخمسة عشر وفيما دونها ، علمنا أَنَّهُ حيض ، واغتسلت عند انقطاعه وصلت وليست مستحاضة ، فإن تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يوما ، اغتسلت ثُمَّ انقضاء الخمسة عشر ، وعلمنا أَنَّهَا مستحاضة ، فأمرناها بالغسل لأنها طَاهِر ، وتصلي من يومها ذَلِكَ ، ولا تصلي ما كَانَ قبل ذَلِكَ ، لأنها تركت الصَّلاة باجتهاد فِي أمر يختلف فِيهِ . وقد ذهب وقت تلك الصَّلاة ، وقلنا : أقيمي طاهرة حَتَّى تقبل الحيضة كما قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وذلك أن تأتيها دفعة من دم تنكره بعد خمسة عشر يوما من يوم غسلها ، لأنه أقل الطهر عندنا ، فَإِذَا رأت الدفعة بعد خمس عشرة من الطهر ، كفت عَنِ الصَّلاة ، ما دامت ترى الدم إِلَى خمسة عشر ، ثُمَّ اغتسلت وصلت فيما تستقبل ، كما ذكرنا ، فإن لم يكن بين الدفعة وبين الطهر قدر خمسة عشر يوما ، فهي امرأة حاضت فِي الشهر أكثر مما تحيض النساء فلا تعتد بِهِ ، ولا تترك الصَّلاة لتلك الدفعة ، ولا تزال تصلي حَتَّى يأتيها ، ولو دفعة بعد خمسة عشر أو أكثر من الطهر ، قَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة : إنما أمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، المستحاضة أن تترك الصَّلاة إِذَا أقبلت الحيضة ، فَإِذَا ذهب قدرها اغتسلت وصلت ، وقدرها عندنا على ما جَاءَ فِي حديث أم سَلَمَة ، لتنظر عدد الليالي والأيام التي كَانَتْ تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الَّذِي أصابها ، فلتترك الصَّلاة قدر ذَلِكَ من الشهر ، فإن جاوزت ذَلِكَ ، فلتغتسل ولتستثفر بثوب ولتصلي ، وإنما تترك الصَّلاة عدد الليالي والأيام التي كَانَتْ تحيضهن ، وحيضها مستقيم ، قلت أو كثرت لا تزيد عليها ، ثُمَّ تغتسل وتصلي ، وهي طَاهِر حَتَّى ترى دفعة ، فتكف عدد الليالي والأيام ، فإن زادت دفعة قبل وقت حيضها ، لم تكف عَنِ الصَّلاة لأنها لو كفت عَنِ الصَّلاة بتلك الدفعة قبل وقت حيضها ، كَانَتْ قد خالفت قول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقعدت عَنِ الصَّلاة أكثر من أيام حيضها ، والدفعة أيام الحيض عرق لن تقبل معه حيضة ، وإنما أمرت أن تكف عَنِ الصَّلاة عند إقبال الحيضة . فرأينا إقبالها موضعها مخالفا للحديث فِي عدد الليالي والأيام ، فجعلنا ذَلِكَ استحاضة . قَالَ مُحَمَّد بْن مسلمة : وَكَانَ الْمُغِيرَة يأخذ بالحديث الَّذِي جَاءَ فِيهِ عدد الليالي والأيام ، وَكَانَ مَالِك يحتاط بعد ذَلِكَ بثلاث . قَالَ : وقول الْمُغِيرَة فِي ذَلِكَ أحسن وأحب إلي . وَقَالَ أَحْمَد بْن المعذل : أما قول مَالِك فِي المرأة التي لم تحض قط ثُمَّ حاضت فاستمر بها الدم ، فإنها تترك الصَّلاة إلى أن تتم خمسة عشر يوما ، فإن انقطع عنها قبل ذَلِكَ ، علمنا أَنَّهُ حيض واغتسلت ، وإن انقطع عنها لخمس عشرة ، فكذلك أيضا ، وهي حيضة قائمة تصير قرءا لَهَا ، وإن زاد الدم على خمسة عشر ، اغتسلت عند انقضاء الخمس عشرة ، وتوضأت لكل صلاة وصلت ، وَكَانَ ما بعد خمسة عشر من دمها استحاضة ، يغشاها فِيهِ زوجها ، وتصلي فِيهِ وتصوم ، ولا تزال بمنزلة الطاهر حَتَّى ترى دما قد أقبل غير الدم الَّذِي كَانَ بها ، وهي تصلي ، فإن رأته بعد خمس ليال من يوم اغتسلت ، فهو حيض مقبل ، تترك لَهُ الصَّلاة خمس عشرة ليلة ، لأنها ليست ممن كَانَ لَهَا حيض معروف ترجع إليه ، وتترك الصَّلاة قدر أيامها ، إنما وقتها أكثر الحيض وهي خمس عشرة ، وَإِذَا رأت الدم المقبل بعدما اغتسلت بأقل من خمس ليال لم تترك لَهُ الصَّلاة ، وَكَانَتِ استحاضة ، لأنها لم تتم من الطهر أيامها . فيكون الَّذِي يقبل حيضا مستأنفا ، فهذا حكم التي ابتدئت فِي أول ما حاضت بالاستحاضة . قَالَ : وأما التي لَهَا حيض معروف مستقيم ، وزادها الدم على أيامها ، فإنها تنتظر إِلَى تمام خمس عشرة ، فإن انقطع عنها الدم قبل ذَلِكَ ، اغتسلت وصلت ، وَكَانَ حيضها مستقيما ، وإن انقطع الدم مع تمام خمسة عشر ، فكذلك أيضا ، وإنما هي امرأة انتقل حيضها إِلَى أكثر مما كَانَ ، وكل ذَلِكَ حيض ، لأن حيض المرأة مختلف أحيانا فيقل ويكثر ، وإن زادها الدم على خمسة عشر ، اغتسلت عند تمامها فصلت ، وَكَانَتْ مستحاضة ، وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها حَتَّى ترى دما قد أقبل سوى الَّذِي تصلي فِيهِ ، فإن رأته قبل خمس ليال من حين اغتسلت ، مضت على حال الطهارة ، فإنها مستحاضة ، وإن رأته بعد خمس ليال فأكثر ، فهو دم حيض مستأنف ، تترك لَهُ الصَّلاة أيامها التي كَانَتْ تحيضها قبل أن يختلط عليها أمرها ، وتزيد ثلاثة أيام على ما كَانَتْ تعرف من أيامها ، إلا أن تكون أيامها والثلاثة التي تحتاط بها أكثر من خمس عشرة ، فإن كَانَ كذلك لم تجاوز خمس عشرة واغتسلت عند تمامها وصلت ، فهذا فرق بين المبتدأة بالاستحاضة ، وبين التي كَانَ لَهَا وقت معلوم . وَقَالَ أَحْمَد بْن المعذل : الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الجلة من العلماء فِي القديم ، أن الحيض يكون خمس عشرة ليلة لا تجاوز ذَلِكَ . وما جاوزه فهو استحاضة ، قَالَ : وعلى هَذَا كَانَ قول أهل المدينة القديم ، وأهل الكوفة ، حَتَّى رجع عنه أَبُو حنيفة لحديث بلغه عَنِ الجلد بْن أَيُّوبَ ، عَنْ مُعَاوِيَة بْن قرة ، عَنْ أنس بْن مَالِك ، أَنَّهُ قَالَ فِي المستحاضة : تنتظر عشرا لا تجاوز . فَقَالَ أَبُو حنيفة : لم أزل أرى أن يكون أقل الطهر أكثر من أكثر الحيض ، وكنت أكره خلافهم ، يعني : فقهاء الكوفة ، حَتَّى سمعت هَذَا الحديث عَنْ أنس ، فأنا آخذ بِهِ . قَالَ أَحْمَد بْن المعذل : واختلف قول أصحابه فِي عدد الحيض وانقطاعه وعودته اختلافا يدلك على أنهم لم يأخذوه عَنْ أثر قوي ولا إجماع ، قَالَ : واختلف أيضا قول مَالِك وأصحابه فِي عدد الحيض ، رجع فيها من قول إِلَى قول ، وثبت هُوَ وأهل بلده على أصل قولهم فِي الحيض : أَنَّهُ خمس عشرة ، قَالَ : وإنما ذكرت لك اختلاف أمر الحيض واختلاطه على العلماء ، لتعلم أَنَّهُ أمر أخذ أكثره بالاجتهاد ، فلا يكون عندك سنة قول أحد من المختلفين ، فيضيق على الناس خلافهم . قال أَبُو عُمَر : قد احتج الطحاوي لمذهب الكوفيين فِي تحديد الثلاث والعشر فِي أقل الحيض وأكثره بحديث أم سَلَمَة ، إذ سألت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ المرأة التي كَانَتْ تهراق الدم ، فَقَالَ : " لتنظر عدد الليالي والأيام التي كَانَتْ تحيضهن فِي الشهر ، فلتترك قدر ذَلِكَ من الشهر ، ثُمَّ تغتسل وتصلي " ، قَالَ : فأجابها بذكر عدد الأيام والليالي مسألة لَهَا على مقدار حيضها قبل ذَلِكَ ، قَالَ : وأكثر ما يتناوله أيام عشرة ، وأقله ثلاثة . قال أَبُو عُمَر : ليس هَذَا عندي حجة تمنع من أن يكون الحيض أقل من ثلاث ، لأنه كلام خرج فِي امرأة قد علم أن حيضها أيام ، فخرج جوابها على ذَلِكَ ، وجائز أن يكون الحيض أقل من ثلاث ، لأن ذَلِكَ موجود فِي النساء غير مدفوع ، وأما الجلد بْن أَيُّوبَ ، فإن الحميدي ذكر عَنِ ابْن عُيَيْنَة أَنَّهُ كَانَ يضعفه ويقول : من جلد ؟ ومن كَانَ جلد ؟ وَقَالَ ابْن المبارك : الجلد بْن أَيُّوبَ يضعفه أهل البصرة ، ويقولون : ليس بصاحب حديث ، يعني روايته فِي قصة الحيض عَنْ أنس . قال أَبُو عُمَر : للجلد بْن أَيُّوبَ أيضا حديث آخر عَنْ مُعَاوِيَة بْن قرة ، عَنْ عائد بْن عُمَر ، وأنه قَالَ لامرأته : إِذَا نفست . لا تغريني عَنْ ديني حَتَّى تمضي أربعون ليلة . وروى عَنِ الجلد بْن أَيُّوبَ : هِشَام بْن حَسَّان ، وعمر بْن الْمُغِيرَة ، وعبد العزيز بْن عبد الصمد ، وغيرهم ، وله سماع من الْحَسَن ، ونظرائه ، ولكنهم يضعفونه فِي حديثه فِي الحيض ، وأما الاستظهار ، فقد قَالَ مَالِك : باستظهار ثلاثة أيام . وَقَالَ غيره : تستظهر يومين . وحكى عبد الرزاق ، عَنْ معمر ، قَالَ : تستظهر يوما واحدا على حيضتها ، ثُمَّ هي مستحاضة . وذكر عَنِ ابْن جريج ، عَنْ عَطَاء ، وعمرو بْن دينار : تستظهر بيوم واحد . قال أَبُو عُمَر : احتج بعض أصحابنا فِي الاستظهار بحديث رواه حرام بْن عُثْمَان ، عَنْ أَبِي جابر ، عَنْ جابر ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ حديث لا يصح ، وحرام بْن عُثْمَان ضعيف متروك الحديث ، واحتجوا فِيهِ من جهة النظر بالقياس على المصراة فِي اختلاط اللبنين ، فجعلوا كذلك اختلاط الدمين دم الاستحاضة ، ودم الحيض ، وفي السنة من حديث ابْن سِيرِين وغيره ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن المصراة تستبرأ ثلاثة أيام ليعلم بذلك مقدار لبن التصرية من لبن العادة ، فجعلوا كذلك الَّذِي يزيد دمها على عادتها ، ليعلم بذلك أحيض هُوَ أم استحاضة ، استبراء واستظهارا ، وفي هَذَا المعنى نظر ، لأن الاحتياط إنما يجب أن يكون فِي عمل الصَّلاة لا فِي تركها ، وسيأتي هَذَا المعنى بأوضح من هَذَا فِي باب هِشَام بْن عُرْوَة ، إن شاء الله . وأما الشَّافِعِيّ ، فإنه قَالَ : الحيض أقل ما يكون يوم وليلة ، وأكثره خمسة عشر يوما ، فإن تمادى بالمبتدأة الدم أكثر من خمسة عشر يوما ، اغتسلت وقضت الصَّلاة أربعة عشر يوما ، لأنها مستحاضة بيقين إِذَا زادت على خمسة عشر يوما ، فإن حيضها أقل الحيض احتياطا للصلاة ، وإن انقطع دمها لخمسة عشر يوما أو دونها ، فهو كله حيض . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا زادت المرأة على أيام حيضها نظرت ، فإن كَانَ الدم محتدما ثخينا ، فتلك الحيضة تدع لَهَا الصَّلاة ، فَإِذَا جاءها الدم الأحمر ، فذلك الاستحاضة تغتسل وتصلي ، ولا تستظهر فِي أيام الدم ، وفي أيام أقرائها تغتسل وتصلي ، تعمل عنده على التمييز ، فإن لم تميز فعلى الأيام ، فإن لم تعرف ، رجعت إِلَى العرف والعادة واليقين ، وقول أَبِي ثور فِي هَذَا كله مثل قول الشَّافِعِيّ سواء . قال أَبُو عُمَر : الدم المحتدم هُوَ الَّذِي ليس برقيق ولا بمشرق ، وَهُوَ إِلَى الكدرة ، والدم الأحمر المشرق تقول لَهُ العرب : دم عبيط ، والعبيط هُوَ : الطري غير المتغير ، تقول العرب : اعتبط ناقته وبعيره ، إِذَا نحرهما من غير علة . ومن هَذَا قولهم : من لم يمت عبطة ، يمت هرما . أي : من لم يمت فِي شبابه وصحته ، مات هرما . يقولون : اعتبط الرجل : إِذَا مات شابا صحيحا . وَقَالَ أَبُو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري فِي التي يزيد دمها على أيام عادتها : أَنَّهَا ترد إِلَى أيامها المعروفة ، فإن زادت فإلى أقصى مدة الحيض ، وذلك عندهم عشرة أيام ، تترك الصَّلاة فيها ، فإن انقطع وإلا فهي مستحاضة ، والعمل عندهم على الأيام لا على التمييز ، تجلس عندهم أيام أقرائها إِلَى آخر مدة الحيض . وذكر بِشْر بْن الْوَلِيد ، عَنْ أَبِي يُوسُف ، عَنْ أَبِي حنيفة فِي المبتدأة ، ترى الدم ويستمر بها ، أن حيضها عشر ، وطهرها عشرون ، وأكثر الحيض عنده عشرة أيام ، وأقله ثلاثة ، وَقَالَ أَبُو يُوسُف : تأخذ فِي الصَّلاة بالثلاثة أقل الحيض ، وفي الأزواج بالعشر ، ولا تقضي صوما عليها إلا بعد العشرة ، وتصوم العشرين من رَمَضَان وتقضي سبعا . وَقَالَ الأَوْزَاعِيّ ، وسئل فيمن تستظهر بيوم أو يومين بعد أيام حيضها إِذَا تطاول بها الدم ، فَقَالَ : يجوز ، ولم يوقت للاستظهار وقتا . وَقَالَ أَحْمَد بْن حنبل : أقل الحيض يوم وليلة ، وأكثره خمسة عشر يوما ، فلو طبق بها الدم وَكَانَتْ ممن تميز وعلمت إقباله بأنه أسود ثخين ، أو أحمر يضرب إِلَى السواد ، وفي إدباره يصير إِلَى الرقة والصفرة ، تركت الصَّلاة فِي إقباله ، فَإِذَا أدبر ، اغتسلت وصلت وتوضأت لكل صلاة ، فإن لم يكن دمها منفصلا ، وَكَانَتْ لَهَا أيام من الشهر تعرفها ، أمسكت عَنِ الصَّلاة فيها واغتسلت إِذَا جاوزتها ، وإن كَانَتْ لا تعرف أيامها بأن تكون أنسيتها ، وَكَانَ دمها مشكلا لا ينفصل ، قعدت ستة أيام أو سبعة فِي كل شهر على حديث حمنة بنت جَحْش ، وأما المبتدأة بالدم ، فإنها تحتاط فتجلس يوما وليلة . وتغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي ، فإن انقطع عنها الدم فِي خمسة عشر ، اغتسلت عند انقطاعه ، وتفعل مثل ذَلِكَ ثانية وثالثة ، فإن كَانَ بمعنى واحد ، عملت عَلَيْهِ وأعادت الصوم ، إن كَانَتْ صامت ، وإن استمر بها الدم ولم تميز ، قعدت فِي كل شهر ستا أو سبعا ، لأن الغالب من النساء أنهن هكذا يحضن . وقول إِسْحَاق بْن راهويه ، وأبي عُبَيْد ، فِي هَذَا الباب نحو قول أَحْمَد بْن حنبل فِي استعمال الثلاثة أحاديث : حديث فَاطِمَة بنت أَبِي حُبَيْش فِي تمييز إقبال حيضتها وإدبارها ، وحديث أم سَلَمَة فِي عدد الليالي والأيام المعروفة لَهَا ، إِذَا كَانَتْ لا تميز انفصال دمها ، وحديث حمنة بنت جَحْش فيمن لا تعرف أيامها ولا تميز دمها . وَقَالَ الطبري : أقل الحيض يوم وليلة ، وأكثره خمسة عشر يوما ، فإن تمادى بها الدم أكثر من خمسة عشر يوما ، قضت صلاة أربعة عشر يوما ، وخمس عشرة ليلة إلا أن يكون لَهَا عادة فتقضي ما زاد على عادتها ، واختلفوا فِي الحامل ترى الدم هل ذَلِكَ استحاضة لا يمنعها من الصَّلاة ، أم هُوَ حيض تكف معه عَنِ الصَّلاة ؟ فَقَالَ مَالِك ، والشافعي ، والليث بْن سَعْد ، والطبري : هُوَ حيض ، وتدع الصَّلاة ، هَذَا هُوَ المشهور من مذهب الشَّافِعِيّ ، وقد روي عنه أَنَّهُ ليس بحيض . والمشهور من مذهب مَالِك أيضا ، أَنَّهُ حيض يمنعها من الصَّلاة ، إلا ابْن خواز منداد ، قَالَ : إن هَذَا فِي مذهب مَالِك ، إذ رأت الدم فِي أيام عادتها ، فحينئذ يكون حيضا . واختلف قول مَالِك وأصحابه فِي حكم الحامل إِذَا رأت الدم : فروي عنه الفرق بين أول الحمل وآخره ، وروي عنه وعن أصحابه ، فِي ذَلِكَ روايات لم أر لذكرها وجها ، وأصح ما فِي ذَلِكَ على مذهب رواته : أشهب عنه أن الحامل فِي رؤيتها الدم كغير الحامل سواء . وَقَالَ الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والحسن بْن حي ، وعبيد الله بْن الْحَسَن ، والأوزاعي : ليس بحيض ، وإنما هُوَ استحاضة ، لا تكف بِهِ عَنِ الصَّلاة ، وَهُوَ قول ابْن علية ، وداود ، وحجة هؤلاء ومن قَالَ بقولهم : أن الأمة مجمعة على أن الحامل تطلق للسنة إِذَا استبان حملها من أوله إِلَى آخره ، وأن الحمل كله كالطهر الَّذِي لم يجامع ، فِيهِ ، ومن حجتهم أيضا : قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا توطأ حامل حَتَّى تضع ، ولا حائل حَتَّى تحيض " قالوا : فهذا دليل على أن الحمل ينفي الحيض . ومن حجة مَالِك ومن ذهب مذهبه فِي أن الحامل تحيض ، ما يحيط بِهِ العلم بأن الحائض قد تحمل ، فكذلك جائز أن تحيض كما جائز أن تحمل ، والأصل فِي الدم الظاهر من الأرحام ، أن يكون حيضا حَتَّى تتجاوز المقدار الَّذِي لا يكون مثله حيضا ، فيكون حينئذ استحاضة ، لأن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إنما حكم بالاستحاضة فِي دم زائد على مقدار الحيض ، وليس فِي قوله عَلَيْهِ السَّلام : " لا توطأ حامل حَتَّى تضع ، ولا حائل حَتَّى تحيض " ، ما ينفي أن يكون حيض على حمل ، لأن الحديث إنما ورد فِي سبي أوطاس حين أرادوا وطئهن ، فأخبروا عَنِ الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع ، والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض ، لا أن الحامل لا تحيض ، والله أعلم ، وممن قَالَ : إن الحامل إِذَا رأت الدم كفت عَنِ الصَّلاة كالحائض سواء ، ابْن شِهَاب الزُّهْرِيّ ، وقتادة ، والليث بْن سَعْد ، وإسحاق بْن راهويه ، وابن مهدي ، وجماعة . واختلف فِيهِ عَنْ عَائِشَة ، فروي عنها مثل قول مَالِك ، والزهري . وروي عنها أَنَّهَا لا تدع الصَّلاة على حال ، رواه سُلَيْمَان بْن مُوسَى ، عَنْ عَطَاء ، عَنْ عَائِشَة ، وَهُوَ قول جمهور التابعين بالحجاز والعراق ، وبه قَالَ أَحْمَد بْن حنبل ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وأما غسل المستحاضة ووضوؤها ، فأجمعوا أن عليها إِذَا كَانَتْ ممن تميز دم حيضها من دم استحاضتها ، أن تغتسل عند إدبار حيضتها ، وكذلك إِذَا لم تعرف ذَلِكَ وقعدت ما أمرت بِهِ من عدد الليالي والأيام التي كَانَتْ تحيضهن من الشهر اغتسلت عند انقضاء ذَلِكَ على حسبما جَاءَ منصوصا فِي حديث أم سَلَمَة وغيره على مذاهب العلماء فِي ذَلِكَ مما قد ذكرناه فِي هَذَا الباب ، والحمد لله ، ثُمَّ اختلفوا فيما عليها بعد ذَلِكَ من غسل أو وضوء ، فذهبت طائفة من أهل العلم إِلَى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة بحديث ابْن شِهَاب ، عَنْ عُرْوَة ، وعمرة ، جميعا ، عَنْ عَائِشَة ، أن أم حَبِيبَة بنت جَحْش ، وبعض أَصْحَاب ابْن شِهَاب ، يَقُول عنه فِيهِ : حمنة بنت جَحْش ، ولا يصح عنه ، وَقَالَ معمر ، وابن عُيَيْنَة ، وإبراهيم بن سعد ، ويونس بن يزيد ، وغيرهم : أم حَبِيبَة بنت جَحْش ، وَهُوَ الصواب ، استحيضت فاستفتت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهَا : " إنما ذَلِكَ عرق فاغتسلي ثُمَّ صلي " ، فكانت تغتسل لكل صلاة ، قالوا : فهي أعلم بما أمرت بِهِ ، وقد فهمت ما جووبت عنه ، قالوا : وقد قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي هَذَا الحديث ، عَنِ ابْن شِهَاب ، عَنْ عُرْوَة ، عَنْ عَائِشَة : أن أم حَبِيبَة ابنة جَحْش استحيضت فِي عهد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأمرها رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بالغسل لكل صلاة ، وساق الحديث . واحتجوا أيضا بما :

السند · the isnād, in order
◈ trace this tradition’s ṭuruq — the common link ↗
الحكم على السند · the isnād ruling
إسناده حسن في المتابعات والشواهد
Isnād tree
→ prev #2513 / 4798 next ←