حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، ثنا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوزِِيُّ ° ، ثنا الْفَرَبْرِيٌّ ° ، ثنا الْبُخَارِيُّ ° ، ثنا الْحُمَيْدِيُّ ° ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ° ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ ° ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ ° أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ ° يَقُولُ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ° يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يَقُولُ : " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى "
فَهَذَا أَيْضًا عُمُومٌ لِكُلِّ عَمَلٍ ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ بَعْضُ الأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ بِالدَّعْوَى . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ ذَلِكَ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ ، لِوُجُوهٍ : مِنْهَا أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : لَيْسَ قِيَاسُكُمُ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِأَوْلَى مِنْ قِيَاسِكُمْ ذَلِكَ عَلَى التَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ وُضُوءٌ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ أَيْضًا ، وَكَمَا قِسْتُمُ التَّيَمُّمَ عَلَى الْوُضُوءِ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ وَهُوَ بُلُوغُ الْمَسْحِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، فَهَلا قِسْتُمُ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي أَنَّهُ لا يُجْزِئُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلا بِنِيَّةٍ ، لأَنَّ كِلَيْهِمَا طُهْرٌ لِلصَّلاةِ . فَإِنْ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا سورة النساء آية 43 وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ قُلْنَا : نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا ؟ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا سورة المائدة آية 6 فَصَحَّ أَنَّهُ لا يُجْزِئُ ذَلِكَ الْغُسْلُ إِلا لِلصَّلاةِ بِنَصِّ الْآيَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ يُجْزِئُ بِلا نِيَّةٍ بَاطِلٌ لَيْسَ كَمَا قَالُوا ، بَلْ كُلُّ تَطْهِيرٍ لِنَجَاسَةٍ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى صِفَةٍ مَا فَإِنَّهُ لا يُجْزِئُ إِلا بِنِيَّةٍ وَعَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ ، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ بِصِفَةٍ مَا فَإِنَّمَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا بِغَيْرِ نَجَاسَةٍ فِي أَجْسَامِهِمْ وَلا فِي ثِيَابِهِمْ وَلا فِي مَوْضِعِ صَلاتِهِمْ ، فَإِذَا صَلَّوْا كَذَلِكَ فَقَدْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ ، فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ وَعِظَمُ تَنَاقُضِهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعْمَالِ بِلا بُرْهَانٍ ، وَاخْتِلافُهُمْ فِي الْجُنُبِ يَنْغَمِسُ فِي الْبِئْرِ كَمَا ذَكَرْنَا بِلا دَلِيلٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوِ احْتَاجَ الْوُضُوءُ إِلَى نِيَّةٍ لاحْتَاجَتِ النِّيَّةُ إِلَى نِيَّةٍ وَهَكَذَا أَبَدًا ، قُلْنَا لَهُمْ : هَذَا لازِمٌ لَكُمْ فِيمَا أَوْجَبْتُمْ مِنَ النِّيَّةِ لِلتَّيَمُّمِ وَلِلصَّلاةِ وَهَذَا مُحَالٌ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ الْمَأْمُورَ بِهَا هِيَ مَأْمُورٌ بِهَا لِنَفْسِهَا ، لأَنَّهَا الْقَصْدُ إِلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَقَطْ ، وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ قَوْلُهُ بِالآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَالْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ ، وَقَوْلُنَا فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ وَغَيْرِهِمْ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 112 - مسألة : وَيُجْزِئُ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ ، لا يُجْزِئُ الْوُضُوءُ وَلا التَّيَمُّمُ إِلا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : يُجْزِئُ الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إِلا بَعْدَ الْوَقْتِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ يَجْزِيَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ . وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى كُلَّ ذَلِكَ لا يُجْزِئُ إِلا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ سورة المائدة آية 6 قَالَ عَلِيٌّ : " وَهَذَا لا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ كَافِيَةٌ " ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى صَلاةِ فَرْضٍ ، وَلا إِذَا دَخَلَ وَقْتُ صَلاةِ فَرْضٍ فَقُمْتُمْ إِلَيْهَا ، بَلْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ سورة المائدة آية 6 فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ ، وَالصَّلاةُ تَكُونُ فَرْضًا وَتَكُونُ تَطَوُّعًا بِلا خِلافٍ ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الأَرْضِ قَاطِبَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ صَلاةَ التَّطَوُّعِ لا تُجْزِئُ إِلا بِطَهَارَةٍ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ أَوْ غُسْلٍ وَلا بُدَّ ، فَوَجَبَ بِنَصِّ الآيَةِ ضَرُورَةُ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَرَادَ صَلاةَ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَقَامَ إِلَيْهَا أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْتَسِلَ إِنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ يَتَيَمَّمَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ ثُمَّ لِيُصَلِّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصُّ الآيَةِ بِيَقِينٍ فَإِذَا أَتَمَّ الْمَرْءُ غُسْلَهُ أَوْ وُضُوءَهُ أَوْ تَيَمُّمَهُ فَقَدْ طَهُرَ بِلا شَكٍّ . وَإِذْ قَدْ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ طَهَارَتِهِ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الَّتِي قَامَ إِلَيْهَا مُهْلَةً مِنْ مَشْيٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ عَمَلٍ ، لِأَنَّ الآيَةَ لَمْ تُوجِبِ اتِّصَالَ الصَّلاةِ بِالطَّهَارَةِ لا بِنَصِّهَا وَلا بِدَلِيلٍ فِيهَا ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَهَارَتِهِ وَبَيْنَ صَلاتِهِ مُهْلَةٌ فَجَائِزٌ أَنْ تَمْتَدَّ الْمُهْلَةُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَمَادِيهَا قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ ، وَذَلِكَ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَوْقَاتِ الْفَرْضِ ، وَأَمَّا فِي التَّطَوُّعِ فَمَا شَاءَ . فَصَحَّ بِنَصِّ الآيَةِ جَوَازُ التَّطَهُّرِ بِالْغُسْلِ وَبِالْوُضُوءِ وَبِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ وَقْتِ صَلاةِ الْفَرْضِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِنَصِّ الآيَةِ أَنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلا بِنِيَّةِ التَّطَهُّرِ لِلصَّلاةِ فَقَطْ وَلا مَزِيدَ . وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الصَّلاةَ جَائِزَةٌ بِلا خِلافٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَإِذَا ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ الْبَتَّةَ إِلا وَقَدْ صَحَّتِ الطَّهَارَةُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهَذَا يُنْتِجُ وَلا بُدَّ جَوَازَ التَّطَهُّرِ بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ أَوَّلِ الْوَقْتِ . بُرْهَانٌ آخَرُ ، وَهُوَ مَا