حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السُّكَيْنِ الْبَلَدِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ الْحَرَّانِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ هِلالٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ جَارُ أَبِي عَاصِمٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ عَفِيفٍ ° ، أَوْ قَالَ : عَفِيفُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ جَدِّهِ ° ، قَالَ : " كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنَ الأَعْرَابِ حُفَاةً عُرَاةً ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ أَنْجَانَا اللَّهُ بِبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ ، قَالَ : وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقْبَلْنَا نُرِيدُكَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَضْلَلْنَاهُ ثَلاثًا لا نَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ عَمَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ ، أَوْ سَمُرَةٍ لِيَمُوتَ تَحْتَهَا ، فَإِذَا رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يُوضَعُ ، فَلَمَّا رَآهُ بَعْضُنَا قَالَ وَالرَّاكِبُ يَسْمَعُ : وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّهَا وَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِي تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي قَالَ : فَقَالَ الرَّاكِبُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، مَنْ يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ ؟ قَالَ : امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَذَبَ ، وَإِنَّ عِنْدَهُ الآنَ لَضَارِجًا عَلَيْهِ الْعَرْمَضُ يَفِيءُ عَلَيْهِ الظِّلُّ ، قَالَ : فَنَظَرْنَا ، فَإِذَا لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِلا قَدْرُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ فِي الدُّنْيَا ، مَنْسِيٌّ فِي الآخِرَةِ ، بِيَدِهِ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ "
قَالَ القاضي : قوله فِي هَذَا الخبر والشعر : وأن البياض من فرائصها دامي ، الفرائص جمع فريصة وهو الموضع الَّذِي يترعد من الدابة ، قَالَ النابغة الذبياني : شَكَّ الفريصَةَ بالْمِدْري فأنفذَها شَكَّ الْمُبَيْطِرِ إِذ يَشْفِي من العَضُدِ ومن ها هنا أخذ قولهم : فلان تَرْعَد فرائصه إِذَا وصف بشدة الخوف ، ومن ذاك الخبر المرويُّ أنَّ النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلّى بأصحابه ورأى رجلين تَرْعَدُ فرائصها . وأمّا قوله : تيممت العين ، فمعناه ، قصدت وتعمدت ، يُقَالُ : يممت كذا وكذا إِذَا قصدته ، ومن ذَلِكَ قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا سورة النساء آية 43 يعني اقصدوا ، وذكر أَنَّهَا فِي قراءة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود . فأقول : والمعنى واحد ، أممت وتيممت مثل عمدت وتعمدت ، ويقال : أممت ، قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ سورة المائدة آية 2 يعني قاصدين وعامدين ، وَقَالَ عزَّ ذكره : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ سورة البقرة آية 267 ، وقرأ مُسْلِم بْن جندب : وَلا تَيَمَّمُوا سورة البقرة آية 267 أَوْ توجهوا ، ومن هَذَا الباب قول الشاعر : إِنِّي كذاك إِذَا مَا ساءَنِي بلدٌ يَمّمْت صَدْرَ بعيري غَيْرَهُ بَلَدا ويروى : أممت ، قَالَ الأعشى : تَيَمّمْتُ قيسًا وكم دُونَه من الأَرْض من مَهْمَهٍ ذي شَزَن وَقَالَ آخر : تيممت هَمَدان الذين هُمُ هُمُ إِذَا ناب خطب جُنتي وسهامي وَقَالَ خفاف بْن ندبة : فإن تكُ خَيْلي قَدْ أُصِيبَ صَميمها فَعَمْدًا عَلَى عَيْني تيممتُ مَالِكا ومن هَذَا قولهم : أمرٌ أمَمْ أي قَصْد ، قَالَ الأعشى : أتانا عَنْ بني الأحرار قولٌ لَمْ يكن أمَمَا وَقَالَ ابن قيس الرّقَيَّات : كُوفيَّةٌ نازحٌ مَحَلّتُها لا أمَمٌ دَارُهَا ولا صَقْبُ الأمم : القصد ، والصقب : القرب ، ومنه : الجار أحقٌّ بصقبه ، وَقَالَ الشاعر : ولو نارُ لَيْلى بالعَذِيبِ بَدَتْ لَنَا لَحَبَّتْ إلينا دَارَ من لا يُصَاقِبُ وَقَالَ الأعشى : فما أنْسَ مِل الأشْياءِ لا أنسَ قَوْلَها لَعَلَّ النَّوى بَعْدَ التَّفَرُّقِ تُصْقِبُ وهذا باب يكثر ويتسع جدًا ، وفيما ذكرنا مِنْهُ ها هنا بل فِي بعضه كفاية . ومعنى قوله : يفيء عَلَيْهَا الظل ، معنى يفيء : يرجع ، يُقَالُ فاء الظل أي رَجُل قَبْلَ الزوال ، ولا يُقَالُ لَهُ حينئذ فَيْءٌ ، وإنما يُقَالُ لَهُ فيء بَعْدَ الزوال لرجوعه ، وكلا الوجهين ظلُّ ، قَالَ حُمَيْد بْن ثَوْر الهلاليّ : فَلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُّحَى نَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ نَذُوقُ ومن هَذَا سُمِّيَ مَا رَدَّ اللَّهُ عَلَى المؤمنين من مال المشركين فَيْئًا ، وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ سورة الحشر آية 6 ، وَقَالَ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى سورة الحشر آية 7 ، قَالَ تقدَّس اسمه : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ سورة الحجرات آية 9 ، وَقَالَ : فَإِنْ فَاءَتْ سورة الحجرات آية 9 أي رجعوا إلى غشيان من آلوا من نسائهم ، وهذا الباب أيضا واسع بيِّن . وقول امرئ القيس : عرمضها الطامي ، العَرْمَض : الطُّحْلب الَّذِي يكون فِي الماء ويقال لَهُ عرمض وعَلْفق ونَوْر ، وقوله : طامي ، يعني أنَّه يُقَالُ : طما الوادي إِذَا امتلأ وعلا ماؤه ، قَالَ الأعشى : مَا جُعِل الْجُدُّ الظَّنُون الَّذِي جُنِّب صَوْبَ اللّجْبِ المَاطِرِ مثل النَّواتِيِّ إِذَا مَا طما يَقْذِفُ بالْبُوصيِّ والماهر