أَخْبَرَنِي عَمِّي ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْكَرَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ ، عَنِ الْعُتْبِيِّ ، قَالَ : جَرَى بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لِحَاءٌ بَيْنَ يَدَيْ مُعَاوِيَةَ ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَعْدِلُ بِكَلامِهِ عَنْ عُتْبَةَ وَيُعَرِّضُ بِمُعَاوِيَةَ ، حَتَّى أَطَالَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ مُتَمَثِّلا وَقَالَ : وَرَامَ بِعُورَانِ الْكَلامِ كَأَنَّهَا نَوَافِرُ صُبْحٍ نَفَّرَتْهَا الْمَرَاتِعُ وَقَدْ يَدْحُضُ الْمَرْءُ الْمَوَارِبَ بِالْخَنَا وَقَدْ تُدْرِكُ الْمَرْءَ الْكَرِيمُ الْمَصَانِعُ ثُمَّ قَالَ لابْنِ الزُّبَيْرِ : مَنْ يَقُولُ هَذَا ؟ فَقَالَ : ذُو الإِصْبَعِ ، فَقَالَ : أَتَرْوِيهِ ؟ قَالَ : لا ، فَقَالَ : مَنْ هَهُنَا يَرْوِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ ، فَقَالَ : أَنَا أَرْوِيهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : أَنْشِدْنِي ، فَأَنْشَدَهُ حَتَّى أَتَى عَلَى قَوْلِهِ : وَسَاعٍ بِرِجْلَيْهِ لآخَرَ قَاعِدٍ وَمُعْطٍ كَرِيمٍ ذُو يَسَارٍ وَمَانِعُ وَبَانٍ لأَحْسَابِ الْكِرَامِ وَهَادِمٍ وَخَافِضُ مَوْلاهُ سِفَاهًا وَرَافِعُ وَمُغْضٍ عَلَى بَعْضِ الْخُطُوبِ وَقَدْ بَدَتْ لَهُ عَوْرَةٌ مِنْ ذِي الْقَرَابَةِ ضَاجِعُ وَطَالِبُ حَوْبٍ بِاللِّسَانِ وَقَلْبِهِ سِوَى الْحَقِّ لا تَخْفَى عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : وَكَمْ عَطَاؤُكَ ، قَالَ : سَبْعُ مِائَةٍ ، قَالَ : اجْعَلُوهَا أَلْفًا وَقَطَعَ الْكَلامَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَعُتْبَةَ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو : وَكَانَ لِذِي الإِصْبَعِ ابْنُ عَمٍّ يُعَادِيهِ فَكَانَ يَتَدَسَّسُ إِلَى مَكَارِهِهِ وَيَمْشِي بِهِ إِلَى أَعْدَائِهِ وَيُؤَلِّبُ عَلَيْهِ وَيَسْعَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي عَمِّهِ وَيَبْغِيهِ عِنْدَهُمْ شَرًّا ، فَقَالَ فِيهِ ، وَقَدْ أَنْشَدَنَا الأَخْفَشُ هَذِهِ الأَبْيَاتِ أَيْضًا عَنْ ثَعْلَبٍ وَالأَحْوَلِ السُّكَّرِيِّ : يَا صَاحِبَيَّ قِفَا قَلِيلا وَتَخَبَّرَا عَنِّي لَمِيسَا عَمَّنْ أَصَابَتْ قَلْبَهُ فِي مَرِّهَا فَغَدَا نَكِيسَا وَلِي ابْنُ عَمٍّ لا يَزَالُ إِلَيَّ مُنْكَرُهُ دَسِيسَا دَبَّتْ لَهُ فَأَحَسَّ بَعْدَ الْبُرْءِ مِنْ سَقَمٍ رَسِيسَا إِمَّا عَلانِيَةً وَإِمَّا مُخْمِرًا أَكْلا وَهِيسَا إِنِّي رَأَيْتُ بَنِي أَبِيكَ يَحْمُجُونَ إِلَيَّ شُوسَا حَنَقًا عَلَيَّ وَلَنْ تَرَى لِي فِيهِمُ أَثَرًا بَئِيسَا أَنْحُو عَلَى حُرِّ الْوُجُوهِ بِحَدِّ مِئْشَارٍ ضَرُوسَا لَوْ كُنْتَ مَاءً لَمْ تَكُنْ عَذْبَ الْمَذَاقِ وَلا مَسُوسَا مِلْحًا بَعِيدَ الْقَعْرِ قَدْ فَلَّتْ حِجَارَتُهُ الْفُئُوسَا مَنَّاعَ مَا مَلَكَتْ يَدَاكَ وَسَائِلٌ لَهُمْ نُحُوسَا وَأَنْشَدَنَا الأَخْفَشُ عَنْ هَؤُلاءِ الرُّوَاةِ بِعَقِبِ هَذِهِ الأَبْيَاتِ ، وَلَيْسَ مِنْ شِعْرِ ذِي الإِصْبَعِ وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ مَعْنَاهُ : لَوْ كُنْتَ مَاءً كُنْتَ غَيْرَ عَذْبٍ أَوْ كُنْتَ سَيْفًا كُنْتَ غَيْرَ عَضْبٍ أَوْ كُنْتَ طَرْفًا كُنْتَ غَيْرَ نَدْبٍ أَوْ كُنْتَ لَحْمًا كُنْتَ لَحْمَ كَلْبٍ قَالَ : وَفِي مِثْلِهِ أَنْشَدَنَا : لَوْ كُنْتَ مُخًّا كُنْتَ مُخَّا رِيرَا أَوْ كُنْتَ بَرْدًا كُنْتَ زَمْهَرِيرَا أَوْ كُنْتَ رِيحًا كَانَتِ الدَّبُورَا
قال أبو عمرو وكان السبب في تفرق عدوان وقتال بَعْضهم بَعْضًا حتى تفانوا ، أن بني ناج بن يشكر بن عدوان أغاروا على بني عوف بن سعد بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان ، ونذرت بهم بنو عوف فاقتتلوا ، فقتل بنو ناج ثمانية نفر ، فيهم عمير بن مالك سيد بني عوف ، وقتلت بنو عوف رجلا منهم يقال له سنان بن جَابِر ، وتفرقوا على حرب . وكان الذي أصابوه من بني واثلة بن عمرو ابن عباد وكان سيدا ، فاصطلح سائر الناس على الديات أن يتعاطوها ورضوا بذلك ، وأبى مرير بن جَابِر أن يقبل بسنان بن جَابِر دية ، واعتزل هو وبنو أَبِيهِ ومن أطاعهم ومن والاهم ، وتبعه على ذلك كرب بن خالد أحد بني عبس بن ناج ، فمشى إليهما ذو الإصبع وسألهما قبول الدية وَقال : قد قتل منا ثمانية نفر فقبلنا الدية وقتل منكم رجل فاقبلوا ديته ، فأبيا ذلك وأقاما على الحرب ، فكان ذلك مبدأ حرب بَعْضهم بَعْضًا حتى تفانوا وتقطعوا . فَقال ذو الإصبع في ذلك : ويا بؤس للأيام والدهر هالكا وصرف الليالي يختلفن كذلكا أبعد بني ناج وسعيك فيهم فلا تتبعن عينيك ما كان هالكا إذا قُلْت معروفا لأصلح بينهم يقول مرير لا أحاول ذلكا فأضحوا كظهر العود جب سنامه تحوم عليه الطير أحدب باركا فَإِن تك عدوان بن عمرو تفرقت فَقَدْ غنيت دهرا ملوكا هنالكا وَقال أبو عمرو وفي مرير بن جَابِر يقول ذو الإصبع ، وهذه القصيدة هي التي منها الغناء المذكور ، وأولها : يا من لقلب شديد الهم محزون أمسى تذكر ريا أم هارون أمسى تذكرها من بعد ما شحطت والدهر ذو غلظ حينا وذو لين فَإِن يكن حبها أمسى لنا شجنا وأصبح الولي منها لا يواتيني فَقَدْ غنينا وشمل الدار يجمعنا أطيع ريا وريا لا تعاصيني نرمي الوشاة فلا نخطي مقاتلهم بخالص من صفاء الود مكنون ولي ابن عم على ما كان من خلق مختلفان فأقليه ويقليني أزرى بنا أننا شالت نعامتنا فخالني دونه بل خلته دوني لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب شَيْئًا ولا أنت دياني فتخزوني ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ولا بنفسك في العزاء تكفيني فَإِن ترد عرض الدنيا بمنقصتي فَإِن ذلك مما ليس يشجيني ولا ترى في غير الصبر منقصة وما سواه فَإِن الله يكفيني لولا أواصر قربى لست تحفظها ورهبة الله في مولى يعاديني إذا بريتك بريا لا انجبار له إني رأيتك لا تنفك تبريني إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها إن كان أغناك عني سوف يغنيني الله يعلمكم والله يعلمني والله يجزيكم عني ويجزيني ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ألا أحبكم إن لم تحبوني لو تشربون دمي لم يرو شاربكم ولا دماؤكم جمعا ترويني ولي ابن عم لو أن الناس في كبدي لظل محتجزا بالنبل يرميني يا عمرو إن لا تدع شتمي منقصتي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني كل امرئ صائر يوما لشيمته وإن تخلق أخلاقا إلى حين إني لعمرك ما بابي بذي غلق عن الصديق ولا خيري بممنون ولا لساني على الأدنى بمنطلق بالمنكرات ولا فتكي بمأمون لا يخرج القسر مني غير مغضبة ولا ألين لمن لا يبتغي ليني وأنتم معشر زيد على مائة فأجمعوا أمركم شتى فكيدوني فَإِن علمتم سبيل الرشد فانطلقوا وإن غبيتم طريق الرشد فأتوني يا رب ثوب حواشيه كأوسطه لا عيب في الثوب من حسن ومن لين يوما شددت على فرغاء فاهقة يوما من الدهر تارات تماريني ماذا علي إذا تدعونني فزعا ألا أجيبكم إذ لا تجيبوني وكنت أعطيكم مالي وأمنحكم ودي على مثبت في الصدر مكنون يارب حي شديد الشغب ذي لجب ذعرت من راهن منهم ومرهون رددت باطلهم في رأس قائلهم حتى يظلوا خصوما ذا أفانين يا عمرو لو كنت لي ألفيتني يسرا سمحا كريما أجازي من يجازيني قال أبو عمرو وَقال ذو الإصبع يرثي قومه : وليس المرء في شَيْء من الإبرام والنقض إذا يفعل شَيْئًا خاله يقضي وما يقضي جديد العيش ملبوس وقد يوشك أن ينضي وقد مضى بعض هذه القصيدة متقدما في صدر هذه الأخبار ، وتمامها : وأمر اليوم أصلحه ولا تعرض لما يمضي فبينا المرء في عيش له من عيشة خفض أتاه طبق يوما على مزلقة دحض وهم كَانُوا فلا تكذب ذوي القوة والنهض وهم إن ولدوا أشبوا بسر الحسب المحض لهم كانت أعالي الأرض فالسران فالعرض إلى ما حازه الحزن فما أسهل للحمض إلى الكفرين من نحلة فالداءة فالمرض لهم كان جمام الماء لا المزجى ولا البرض فكان الناس إذا هموا بيسر خاشع مغضي تنادوا ثم ساروا برئيس لهم مرضي فمن ساجلهم حربا ففي الخيبة والخفض وهم نالوا على الشنان والشحناء والبغض معالي لم ينلها الناس في بسط ولا قبض قال أبو عمرو قالت وكانت شاعرة ترثي قومها : كم من فتى كانت له ميعة أبلج مثل القمر الزاهر قد مرت الخيل بحافاته كمر غيث لجب ماطر قد لقيت فهم وعدوانها قتلا وهلكا آخر الغابر كَانُوا ملوكا سادة في الذرى دهرا لها الفخر على الفاخر حتى تساقوا كأسهم بينهم بغيا فيا للشارب الخاسر بادوا فمن يحلل بأوطانهم يحلل برسم مقفر داثر قال أبو عمرو : ولأمامة ابنته هذه يقول ذو الإصبع ورأته قد نهض فسقط وتوكأ على العصا فبكت ، فَقال : جزعت أمامة أن مشيت على العصا وتذكرت إذ نحن م الفتيان فلقبل ما رام الاله بكيده إرما وهذا الحي من عدوان بعد الحكومة والفضيلة والنهى طاف الزمان عليهم بأوان وتفرقوا وتقطعت أشلاؤهم وتبددوا فرقا بكل مكان جدب البلاد فأعقمت أرحامهم والدهر غيرهم مع الحدثان حتى أبادهم على أخراهم صرعى بكل نقيرة ومكان لا تعجبن أمام من حدث عرا فالدهر غيرنا مع الأزمان