← أخلاق حملة القرآن للآجري
أخلاق حملة القرآن للآجري
#21 1 : 34 ☰ باب فضل الاجتماع في المسجد لدرس القرآن
A− A+

21 وَحَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : نا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : نا أَبُو الأَحْوَصِ ، عَنْ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْتُ لابْنِ عَامِرٍ ° : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " ذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ، وَمَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ ، يَدْرُسُونَ فِيهِ كِتَابَ اللَّهِ ، وَيَتَعَاطَوْنَهُ بَيْنَهُمْ ، إِلا أَظَلَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا ، وَكَانُوا أَضْيَافَ اللَّهِ مَا دَامُوا فِيهِ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ "

بَابُ : ذِكْرِ أَخْلاقِ أَهْلِ الْقُرْآنِ قال محمد بن الحسين : ينبغي لمن علمه الله القرآن ، وفضله على غيره ممن لم يعلم كتابه ، وأحب أن يكون من أهل القرآن ، وأهل الله وخاصته ، وممن وعده الله من الفضل العظيم ما تقدم ذكرنا له . وقال الله عز وجل : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ سورة البقرة آية 121 . قيل في التفسير : يعملون به حق عمله . ومما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الذي يقرأ القرآن ، وهو ماهر به مع الكرام السفرة ، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق ، له أجران " وقال بشر بن الحارث : سمعت عيسى بن يونس ، يقول : إذا ختم العبد القرآن ، قبل الملك بين عينيه ، فينبغي له أن يجعل القرآن ربيعا لقلبه ، يعمر به ما خرب من قلبه ، يتأدب بآداب القرآن ، ويتخلق بأخلاق شريفة ، تبين به عن سائر الناس ممن لا يقرأ القرآن . فأول ما ينبغي له أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية ، باستعمال الورع في مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه . بصيرا بزمانه وفساد أهله ، فهو يحذرهم على دينه ، مقبلا على شأنه ، مهموما بإصلاح ما فسد من أمره ، حافظا للسانه مميزا لكلامه ، إن تكلم : تكلم بعلم ، إذا رأى الكلام صوابا ، وإذا سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صوابا ، قليل الخوض فيما لا يعنيه ، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه ، يحبس لسانه كحبسه لعدوه ، ليأمن من شره وشر عاقبته ، قليل الضحك مما يضحك من الناس لسود عاقبة الضحك إن مر بشيء مما يوافق الحق تبسم . يكره المزاح خوفا من اللعب ، فإن مزح : قال حقا ، باسط الوجه ، طيب الكلام ، لا يمدح نفسه بما فيه ، فكيف بما ليس فيه ، يحذر نفسه أن تغلبه على ما تهوى مما يسخط مولاه ، لا يغتاب أحدا ، ولا يحقر أحدا ، ولا يسب أحدا ، ولا يشمت بمصيبة ، ولا يبغي على أحد ولا يحسده ، ولا يسيء الظن بأحد إلا لمن يستحق ، يحسد بعلم ، ويظن بعلم ، ويتكلم بما في الإنسان من عيب بعلم ، ويسكت عن حقيقة ما فيه بعلم ، قد جعل القرآن والسنة والفقه دليله إلى كل خلق حسن جميل حافظا لجميع جوارحه عما نهي عنه ، إن مشى مشى بعلم وإن قعد قعد بعلم ، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده ، ولا يجهل ، فإن جهل عليه حلم ، لا يظلم وإن ظلم عفى ، لا يبغي وإن بغي عليه صبر ، يكظم غيظه ليرضي ربه ويغيظ عدوه ، متواضع في نفسه ، إذا قيل له الحق قبله من صغير أو كبير ، يطلب الرفعة من الله لا من المخلوقين ، ماقت للكبر ، خائفًا على نفسه منه ، لا يتأكل بالقرآن ولا يحب أن تقضى له به الحوائج ، ولا يسعى به إلى أبناء الملوك ، ولا يجالس به الأغنياء ليكرموه ، إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة كسب هو القليل بفقه وعلم ، إن لبس الناس اللين الفاخر لبس هو من الحلال ما يستر به عورته ، إن وسع عليه وسع ، وإن أمسك عنه أمسك ، يقنع بالقليل فيكفيه ويحذر على نفسه من الدنيا ما يطغيه ، يتبع واجبات القرآن والسنة يأكل الطعام بعلم ، ويأكل بعلم ، ويشرب بعلم ، وينام بعلم ، ويجامع أهله بعلم ، ويصحب الإخوان بعلم ، يزورهم بعلم ، ويستأذن عليهم بعلم ، ويسلم عليهم بعلم ، ويحاور جاره بعلم ، يلزم نفسه بر والديه فيخفض لهما جناحه ويخفض لصوتهما صوته ويبذل لهما ماله ، وينظر إليهما بعين الوقار والرحمة ، يدعو لهما بالبقاء ويشكر لهما عند الكبر ، لا يضجر بهما ولا يحقرهما ، إن استعانا به على طاعة أعانهما ، وإن استعانا به على معصية لم يمنعهما عليها ورفق بهما من معصيته إياهما ، يحسن الأدب ليرجعنا عن قبيح ما أرادا مما لا يحسن بهما فعله ، يصل الرحم ويكره القطيعة ، من قطعه لم يقطعه ، من عصى الله فيه أطاع الله فيه ، يصحب المؤمنين بعلم ويجالسهم بعلم ، من صحبه نفعه ، حسن المجالسة لمن جالس ، إن علم غيره رفق به ، لا يعنف من أخطأ ولا يخجله ، رفيق من أموره ، صبور على تعليم الخير ، يأنس به المتعلم ويفرح به المجالس ، مجالسته تفيد خيرا ، مؤدب لمن جالسه بأدب القرآن والسنة ، وإذا أصيب بمصيبة فالقرآن والسنة له مؤدبان ، يحزن بعلم ، ويبكي بعلم ، ويصبر بعلم ، يتطهر بعلم ، ويصلي بعلم ، ويزكي بعلم ، ويتصدق بعلم ، ويصوم بعلم ، ويحج بعلم ، ويجاهد بعلم ، ويكتسب بعلم ، وينفق وينبسط في الأمور بعلم ، وينقبض عنها بعلم ، قد أدبه القرآن والسنة ، يتصفح القرآن ليؤدب به نفسه ، لا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله عليه بجهل ، قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير . إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل ، همته إيقاع الفهم لما ألزمه الله من اتباع ما أمر والانتهاء عما نهى ، ليس همته متى أختم السورة ؟ همته متى أستغني بالله عن غيره ؟ متى أكون من المتقين ؟ متى أكون من المحسنين ؟ متى أكون من المتوكلين ؟ متى أكون من الخاشعين ؟ متى أكون من الصابرين ؟ متى أكون من الصادقين ؟ متى أكون من الخائفين ، متى أكون من الراجين ، متى أزهد في الدنيا ، متى أرغب في الآخرة ، متى أتوب من الذنوب ، متى أعرف النعم المتواترة ؟ متى أشكره عليها ؟ متى أعقل عن الله الخطاب ؟ متى أفقه ما أتلو ؟ متى أغلب نفسي على ما تهوى ؟ متى أجاهد في الله حق الجهاد ؟ متى أحفظ لساني ؟ متى أغض طرفي ؟ متى أحفظ فرجي ؟ متى أستحي من الله حق الحياء ؟ متى أشتغل بعيبي ؟ متى أصلح ما فسد من أمري ؟ متى أحاسب نفسي ؟ متى أتذود ليوم ميعادي ؟ متى أكون عن الله راضيا ؟ متى أكون بالله واثقا ؟ متى أكون بزجر القرآن متعظا ؟ متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلا ؟ متى أحب ما أحب ؟ ومتى أبغض ما أبغض ؟ متى أنصح لله ؟ متى أخلص له عملي ؟ متى أقصر أملي ؟ متى أتأهب ليوم موتي وقد غيب عني أجلي ؟ متى أعمر قبري ؟ متى أفكر في الموت وشدته ؟ متى أفكر في خلوتي مع ربي ؟ متى أفكر في المنقلب ؟ متى أحذر مما حذرني منه ربي من نار حرها شديد وقعرها بعيد ومقامعها حديد ، لا يموت أهلها فيستريحوا ، ولا تقال عثرتهم ، ولا ترحم عبرتهم ، طعامهم الزقوم وشرابهم الحميم ، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب ، ندموا حيث لا ينفعهم الندم ، وعضوا على الأيدي أسفا على تقصيرهم في طاعة الله وركوبهم لمعاصي الله ، فقال منهم قائل : يا ليتني قدمت لحياتي ، وقال قائل : رب ، أرجعونِ لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، وقال قائل : يا ليتني قدمت لحياتي ، وقال قائل : رب أرجعونِ لعلي أعمل صالحا فيما تركت ، وقال قائل : يا ولينا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وقال قائل : يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ، وقالت فرقة منهم ووجوههم تتقلب في أنواع من العذاب ، فقالوا : يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا . فهذه النار يا معشر المسلمين ، يا حملة القرآن ، حذرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه فقال عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ سورة التحريم آية 6 ، وقال عز وجل : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ سورة آل عمران آية 131 ، وقال عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ سورة الحشر آية 18 . ثم حذر المؤمنين أن يغفلوا عما فرض عليهم وما عهده إليهم أن لا يضيعوه ، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده ، ولا يكونوا كغيرهم ممن فسق عن أمره فعذبه بأنواع العذاب . وقال عز وجل : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ سورة الحشر آية 19 ، ثم أعلم المؤمنين أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فقال عز وجل : لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ سورة الحشر آية 20 . فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله وما قبح فيه ، فما حذره مولاه حذره ، وما خوفه به من عقابه خافه ، وما رغب فيه مولاه رغب فيه ورجاه . فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة فقد تلاه حق تلاوته ، ورعاه حق رعايته ، وكان له القرآن شاهدًا وشفيعا وأنيسًا وحرزا ، ومن كان هذا وصفه نفع نفسه ونفع أهله وعاد على والديه وعلى ولده كل خير في الدنيا والآخرة .

الآيات القرآنية · Qurʾān verses cited
السند · the isnād, in order
الفريابي←منجاب بن الحارث←أبو الأحوص←هارون بن عنترة←أبيه←لابن عامر
→ prev #21 / 97 next ←