211 أنا مَالِكٌ ° ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْضِهِ عَنْهَا "
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُقْضَى فَرِيضَةُ الْحَجِّ عَمَّنْ بَلَغَ أَنْ لا يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَسَنَّ أَنْ يُقْضَى نَذْرُ الْحَجِّ عَمَّنْ نَذَرَهُ ، وَكَانَ فَرْضُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَدَ إِلَيْهِ السَّبِيلَ ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّبِيلِ الْمَرْكَبَ وَالزَّادَ ، وَفِي هَذَا نَفَقَةٌ عَلَى الْمَالِ ، وَسَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ مِنَ الْحَجِّ بَدَلا غَيْرَ الْحَجِّ ، وَلَمْ يُسَمِّ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا كَانَ نَذْرُ أُمِّ سَعْدٍ ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ نَذْرُ الْحَجِّ ، فَأَمَرَهُ بِقَضَائِهِ عَنْهَا لأَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ قَضَاءَهُ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَلَوْ كَانَ نَذْرَ صَدَقَةٍ كَانَ كَذَلِكَ ، وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ . قَالَ : فَأَمَّا مَنْ نَذَرَ صِيَامًا أَوْ صَلاةً ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ عَنْهُ فِي الصَّوْمِ وَلا يُصَامُ عَنْهُ ، وَلا يُصَلَّى عَنْهُ وَلا يُكَفَّرُ عَنْهُ فِي الصَّلاةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا فَرَّقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلاةِ ؟ قُلْتُ : قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهَا ، فَإِنْ قَالَ : وَأَيْنَ ؟ قُلْتُ : فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَجَّ عَلَى مَنْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلا ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْضَى عَمَّنْ لَمْ يَحُجَّ ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعَالَى وَلا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَجِّ بَدَلا غَيْرَ الْحَجِّ ، وَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّوْمَ فَقَالَ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ إِلَى قَوْلِهِ : مِسْكِينٍ سورة البقرة آية 184 قِيلَ : يُطِيقُونَهُ ، كَانُوا يُطِيقُونَهُ ثُمَّ عَجَزُوا عَنْهُ ، فَعَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ ، وَأَمَرَ بِالصَّلاةِ ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لا تَقْضِيَ الْحَائِضُ ، وَلا يُقْضَى عَنْهَا مَا تَرَكَتْ مِنَ الصَّلاةِ ، وَقَالَ عَوَامُ الْمُفْتِينَ : وَلا الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلُوا فِي تَرْكِ الصَّلاةِ كَفَّارَةً ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابٍ وَلا سُنَّةٍ ، عَنْ صَلاةِ كَفَّارَةٍ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلا أَنْ يَقُومَ بِهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَكَانَ عَمَلُ كُلِّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ، وَكَانَتِ الصَّلاةُ وَالصَّوْمُ عَمَلَ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ لا يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ ، وَكَانَ بِعَمَلِ الْحَجِّ عَنِ الرَّجُلِ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلافِ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ لأَنَّ فِيهِ نَفَقَةً مِنَ الْمَالِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي صَوْمٍ وَلا صَلاةٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ قِيلَ : أَفَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَصُومَ عَنْ أَحَدٍ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لا تَأْخُذُ بِهِ ؟ قِيلَ : حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّهِ ، مَعَ حِفْظِ الزُّهْرِيِّ وَطُولِ مُجَالَسَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ لابْنِ عَبَّاسٍ ، فَلَمَّا جَاءَ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِغَيْرِ مَا فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَشْبَهَ أَنْ لا يَكُونَ مَحْفُوظًا ، فَإِنْ قِيلَ : أَتَعْرِفُ الَّذِي جَاءَ بِهَذَا الْحَدِيثِ يُغَلِّطُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، رَوَى أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ لابْنِ الزُّبَيْرِ : إِنَّ الزُّبَيْرَ حَلَّ مِنْ مُتْعَتِهِ الْحَجَّ ، فَرَوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا مُتْعَةُ النِّسَاءِ ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَيْسَتْ عَلَيْنَا كَبِيرُ مُؤْنَةٍ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ إِذَا اخْتَلَفَ ، أَوْ ظُنَّ مُخْتَلِفًا ، لِمَا وَصَفْتُ ، وَلا مُؤْنَةَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، وَالنَّصَفَةِ فِي الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لا يَثْبُتُ مِثْلُهُ ، وَقَدْ عَارَضَ صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي لا يَثْبُتُ مِثْلُهُ بِحَالِ بَعْضِ مُحَدِّثِيهِ ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي غَلَطَ صَاحِبُهُ بِدَلالَةٍ ، فَلا يَثْبُتُ ، فَسَأَلَنِي مِنْهُمْ طَائِفَةٌ تُبْطِلُ الْحَدِيثَ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ بِضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْجَهَالَةُ مِمَّنْ لا يَثْبُتُ حَدِيثُهُ ، وَالآخَرُ بِأَنْ يُوجَدَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَرُدُّهُ ، فَيَقُولُونَ : إِذَا جَازَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُ جَازَ فِي كُلِّهِ ، وَصِرْتُمْ فِي مَعْنَانَا ، فَقُلْتُ : أَرَأَيْتَ الْحَاكِمَ إِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ ثَلاثَةٌ : عَدْلٌ يَعْرِفُهُ ، وَمَجْرُوحٌ يَعْرِفُهُ ، وَرَجُلٌ يَجْهَلُ جُرْحَهُ وَعَدْلَهُ ، أَلَيْسَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْعَدْلِ ، وَيَتْرُكُ شَهَادَةَ الْمَجْرُوحِ ، وَيَقِفُ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ حَتَّى يَعْرِفَهُ بِعَدْلٍ فَيُجِيزَهُ ، أَوْ بِجَرْحٍ فَيَرُدَّهُ ؟ فَإِنْ قَالَ : بَلَى ، قِيلَ : فَلَمَّا رَدَّ الْمَجْرُوحَ فِي الشَّهَادَةِ بِالظِّنَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْعَدْلَ الَّذِي لا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ ، فَإِنْ قَالَ : لا ، قِيلَ : فَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ لا يَخْتَلِفُ ، وَلَيْسَ نُجِيزُ لَكُمْ خِلافَ الْحَدِيثِ ، وَطَائِفَةٌ تَكَلَّمَتْ بِالْجَهَالَةِ وَلَمْ تَرْضَ أَنْ تَتْرُكَ الْجَهَالَةَ ، وَلَمْ تَقْبَلِ الْعِلْمَ ، فَنَقَلَتْ مُؤْنَتَهَا وَقَالُوا : قَدْ تَرُدُّونَ حَدِيثًا وَتَأْخُذُونَ بِآخَرَ ، قُلْنَا : نَرُدُّهُ بِمَا يَجِبُ بِهِ رَدُّهُ ، وَنَقْبَلُهُ بِمَا يَجِبُ بِهِ قَبُولُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الشُّهُودِ ، وَكَانَتْ فِيهِ مُؤْنَةٌ ، وَإِنْ غَضِبَ قَوْمٌ لِبَعْضِ مَنْ رَدَّ مِنْ حَدِيثِهِ فَقَالُوا : هَؤُلاءِ يَعِيبُونَ الْفُقَهَاءَ ، وَلَيْسَ يَجُوزُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ يُقَالَ : هَؤُلاءِ يَرُدُّونَ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ رَدُّوا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ بِظِنَّةٍ ، أَوْ دَلالَةٍ عَلَى غَلَطٍ ، أَوْ وَجْهٍ يَجُوزُ بِهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ .