8751 حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَةُ , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° , قَالَ : " كَانَ كَرْدَمُ بْنُ زَيْدٍ ، حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ , وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ , وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ , وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو , وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ , وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ , يَأْتُونَ رِجَالا مِنَ الأَنْصَارِ , وَكَانُوا يُخَالِطُونَهُمْ , يَتَنَصَّحُونَ لَهُمْ ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَقُولُونَ لَهُمْ : لا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ ، فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ فِي ذَهَابِهَا , وَلا تُسَارِعُوا فِي النَّفَقَةِ ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ سورة النساء آية 37 ، أَيْ : مِنَ النُّبُوَّةِ الَّتِي فِيهَا تَصْدِيقُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا إِلَى قَوْلِهِ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا سورة النساء آية 37 - 39 "
فَتَأْوِيلُ الآيَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ الأَوَّلِ : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ ذَوِي الْخُيَلاءِ وَالْفَخْرِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِتَبْيِينِ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ مِنَ اسْمِ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَعْتِهِ ، وَصِفَتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي كُتُبِهِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ , وَهُمْ بِهِ عَالِمُونَ , وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ , مِثْلَ عِلْمِهِمْ بِكِتْمَانِهِ مَنْ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَبْيِينِهِ لَهُ , وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ وَمَعْرِفَتِهِ ، مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كِتْمَانَهُ إِيَّاهُ . وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ زَيْدٍ : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا , الَّذِينَ يَبْخَلُونَ عَلَى النَّاسِ بِفَضْلِ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . ثُمَّ سَائِرِ تَأْوِيلِهِمَا وَتَأْوِيلِ غَيْرِهِمَا سَوَاءٌ . وَأَوْلَى الأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِالْبُخْلِ , بِتَعْرِيفِ مَنْ جَهِلَ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ حَقٌّ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا لِلَّهِ نَبِيُّ مَبْعُوثٌ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ اللَّهُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ ، قَدْ بَيَّنَهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَى أَنْبِيَائِهِ مِنْ كُتُبِهِ , فَبَخِلَ بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ هَؤُلاءِ , وَأَمَرُوا مَنْ كَانَتْ حَالُهُ حَالَهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَنْ يَكْتُمُوهُ مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ , وَلا يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الآيَةِ ؛ لأَنَّ اللَّهَ ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ , وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ دِيَانَةً وَلا تَخَلُّقًا , بَلْ تَرَى ذَلِكَ قَبِيحًا ، وَيُذَمُّ فَاعِلُهُ ، وَلا يُمْتَدَحُ , وَإِنْ هِيَ تَخَلَّقَتْ بِالْبُخْلِ وَاسْتَعْمَلَتْهُ فِي أَنْفُسِهَا ، فَالسَّخَاءُ وَالْجُودُ تَعُدُّهُ مِنْ مَكَارِمِ الأَفْعَالِ ، وَتَحُثُّ عَلَيْهِ . وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إِنَّ بُخْلَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، إِنَّمَا كَانَ بُخْلا بِالْعِلْمِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُمُوهُ , فَبَخِلُوا بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ , وَكَتَمُوهُ دُونَ الْبُخْلِ بِالأَمْوَالِ ، إِلا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمُ الَّتِي يُنْفِقُونَهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَسُبُلِهِ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ بِتَرْكِ النَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ , فَيَكُونُ بُخْلُهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَمْرُهُمُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ . فَهَذَا الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَيَكُونُ لِذَلِكَ وَجْهٌ مَفْهُومٌ فِي وَصْفِهِمْ بِالْبُخْلِ ، وَأَمْرِهِمْ بِهِ