← جامع البيان عن تأويل آي ا…
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
#5975 5 : 155 ☰ القول في تأويل قوله جل ثناؤه ربنا لا تؤاخذنا …
A− A+

5984 حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ ، قَالَ : ثنا عَمْرٌو ، قَالَ : ثنا أَسْبَاطٌ ، قَالَ : زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ نَزَلَتْ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا سورة البقرة آية 286 ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَعَل ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ

فإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ يَجوزُ أَنْ يُؤَاخِذَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ بِمَا نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا ، فَيَسْأَلُوهُ أَلا يُؤَاخِذَهُمْ بِذَلِكَ ؟ . قِيلَ : إِنَّ النِّسْيَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنَ الْعَبْدِ وَالتَّفْرِيطِ ، وَالآخَرُ : عَلَى وَجْهِ عَجْزِ النَّاسِي عَنْ حِفْظِ مَا اسْتُحْفِظَ وَوُكِّلَ بِهِ ، وَضَعُفَ عَقْلُهُ عَنِ احْتِمَالِهِ ، فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيعِ مِنْهُ وَالتَّفْرِيطِ ، فَهُوَ تَرْكٌ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْغَبُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ فِي تَرْكِهِ مُؤَاخَذَتَهُ بِهِ ، وَهُوَ النِّسْيَانُ الَّذِي عَاقَبَ اللَّهُ بِهِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا سورة طه آية 115 وَهُوَ النِّسْيَانُ الَّذِي قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ : فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا سورة الأعراف آية 51 فَرَغْبَةُ الْعَبْدِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا سورة البقرة آية 286 فِيمَا كَانَ مِنْ نِسْيَانٍ مِنْهُ لِمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي وَصَفْنَا ، مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ مَا تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُ فِيهِ وَتَضْيِيعًا ، كُفْرًا بِاللَّهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كُفْرًا بِاللَّهِ ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ إِلَى اللَّهِ فِي تَرْكِهِ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ؛ لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤه قَدْ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُمُ الشِّرْكُ بِهِ ، فَمَسْأَلَتُهُ فعل مَا قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لا يَفْعَلُهُ خَطَأً ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ مَسْأَلَتُهُ الْمَغْفِرَةَ فِيمَا كَانَ مِثْلَ نِسْيَانِهِ الْقُرْآنَ بَعْدَ حِفْظِهِ بِتَشَاغُلِهِ عَنْهُ ، وَعَنْ قِرَاءَتِهِ ، وَمَثَلِ نِسْيَانِهِ صَلاةً أَوْ صِيَامًا ، بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُمَا بِغَيْرِهِمَا حَتَّى ضَيَّعَهُمَا ، وَأَمَّا الَّذِي الْعَبْدُ بِهِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ لَعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ مَا وُكِّلَ بِمُرَاعَاتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ ، وَهُوَ بِهِ غَيْرُ آثِمٍ ، فَذَلِكَ الَّذِي لا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ لَهُ ؛ لأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ مِنْهُ لَهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِذَنْبٍ ، وَذَلِكَ مِثْلُ الأَمْرِ يَغْلِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى تَذَكُّرِهِ وَحِفْظِهِ ، كَالرَّجُلِ يَحْرُصُ عَلَى حِفْظِهِ الْقُرْآنَ بِجِدٍّ مِنْهُ ، فَيَقْرَؤُهُ ، ثُمَّ يَنْسَاهُ بِغَيْرِ تَشَاغُلٍ مِنْهُ بِغَيْرِهِ عَنْهُ ، وَلَكِنْ لِعَجْزِ بِنْيَتِهِ عَنْ حِفْظِهِ ، وَقِلَّةِ احْتِمَالِ عَقْلِهِ ذَكْرَ مَا أُودِعَ قَلْبَهُ مِنْهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ النِّسْيَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لا تَجُوزُ مَسْأَلَةُ الرَّبِّ مَغْفِرَتَهُ ؛ لأَنَّهُ لا ذَنْبَ لِلْعَبْدِ فِيهِ ، فَيَغْفِرُ لَهُ بِاكْتِسَابِهِ ، وَكَذَلِكَ لِلْخَطَأِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : مِنْ وَجْهِ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْعَبْدُ ، فَيَأْتِيهِ بِقَصْدٍ مِنْهُ وَإِرَادَةٍ ، فَذَلِكَ خَطَأٌ مِنْهُ ، وَهُوَ بِهِ مَأْخُوذٌ ، يُقَالُ مِنْهُ : خَطِئَ فُلانٌ ، وَأَخْطَأَ فِيمَا أَتَى مِنَ الْفِعْلِ ، وَأَثِمَ إِذَا أَتَى مَا يَتَأَثَّمُ فِيهِ وَرَكِبَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : النَّاسُ يَلْحَوْنَ الأَمِيرَ إِذَا هُمْ خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلا يُلامُ الْمُرْشِدُ يَعْنِي : أَخْطَئُوا الصَّوَابَ ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي يَرْغَبُ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ فِي صَفْحِ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ إِثْمٍ عَنْهُ ، إِلا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُفْرًا ، وَالآخَرُ مِنْهُمَا : مَا كَانَ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الْجَهْلِ بِهِ وَالظَّنِّ مِنْهُ بِأَنَّ لَهُ فِعْلَهُ ، كَالَّذِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلا وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، أَوْ يُؤَخِّرُ صَلاةً فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ بِتَأْخِيرِهِ إِيَّاهَا دُخُولَ وَقْتِهَا ، فَيَخْرُجُ وَقْتُهَا وَهُوَ يَرَى أَنَّ وَقْتَهَا لَمْ يَدْخُلْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ عَنِ الْعَبْدِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِبَادِهِ الإِثْمَ فِيهِ ، فَلا وَجْهَ لِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَلا يُؤَاخِذَهُ بِهِ ، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ أَلا يُؤَاخِذَهُ بِمَا نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ ، إِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مِنْهُ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أَوْ لِمَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّذَلُّلِ لَهُ ، وَالْخُضُوعِ بِالْمَسْأَلَةِ ، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ مَسْأَلَتِهِ الصَّفْحَ عَنْهُ ، فَمَا لا وَجْهَ لَهُ عِنْدَهُمْ ، وَلِلْبَيَانِ عَلَى هَؤُلاءِ كِتَابٌ ، سَنَأْتِي فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لفِهَمْهِ .

الآيات القرآنية · Qurʾān verses cited
السند · the isnād, in order
موسى بن هارون←عمرو←أسباط←السدي
→ prev #5975 / 35751 next ←