1541 وحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : حدثَني أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، سُئِلَ " عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ سورة البقرة آية 102 ، فَقِيلَ لَهُ : أُنْزِلَ أَوْ لَمْ يُنْزَلْ ؟ فَقَالَ : لا أُبَالِي أَيَّ ذَلِكَ كَانَ ، إِلا أَنِّي آمَنْتُ بِهِ "
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ وَجَّهَ مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ سورة البقرة آية 102 ، إِلَى مَعْنَى الَّذِي دُونَ مَعْنَى مَا الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْجَحْدِ . وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَا إِنْ وُجِّهَتْ إِلَى مَعْنَى الْجَحْدِ ، فَنَفَى عَنِ الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَكُونَا مُنَزَّلا إِلَيْهِمَا ، لَمْ يَخْلُ الاسْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُمَا ، أَعْنِي هَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ أَنْ يَكُونَا بَدَلا مِنْهُمَا وَتَرْجَمَةً عَنْهُمَا ، أَوْ بَدَلا مِنَ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ : يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ سورة البقرة آية 102 وَتَرْجَمَةً عَنْهُمْ ، فَإِنْ جُعِلا بَدَلا مِنَ الْمَلَكَيْنِ وَتَرْجَمَةً عَنْهُمَا بَطَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ سورة البقرة آية 102 ؛ لأَنَّهُمَا إِذَا لَمْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِمَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، فَمَا الَّذِي يُتَعَلَّمُ مِنْهُمَا ممَّا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ؟ وَبَعْدُ ، فَإِنَّ مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ سورة البقرة آية 102 ، إِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْجَحْدِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ سورة البقرة آية 102 ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفَى بِقَوْلِهِ : وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ سورة البقرة آية 102 ، عَنْ سُلَيْمَانَ أَنْ يَكُونَ السِّحْرُ مِنْ عَمَلِهِ ، أَوْ مِنْ عِلْمِهِ أَوْ تَعْلِيمِهِ ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي نَفَى عَنِ الْمَلَكَيْنِ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرَ الَّذِي نَفَى عَنْ سُلَيْمَانَ مِنْهُ ، وَهَارُوتُ وَمَارُوتُ هُمَا الْمَلَكَانِ ، فَمَنِ الْمُتَعَلَّمُ مِنْهُ إِذًا مَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ؟ وَعَمَّنِ الْخَبَرُ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ سورة البقرة آية 102 ؟ إِنَّ خَطَأَ هَذَا الْقَوْلِ لَوَاضِحٌ بَيِّنٌ . وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ : هَارُوتَ وَمَارُوتَ سورة البقرة آية 102 ، تَرْجَمَةً عَنِ النَّاسِ الَّذِينَ فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ سورة البقرة آية 102 ، فَقَدْ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشَّيَاطِينُ هِيَ الَّتِي تُعَلِّمُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ السِّحْرَ ، وَأَنْ تَكُونُ السَّحَرَةُ إِنَّمَا تَعَلَّمَتِ السِّحْرَ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ عَنْ تَعْلِيمِ الشَّيَاطِينِ إِيَّاهُمَا ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَنْ يَخْلُوَ هَارُوتُ وَمَارُوتُ عِنْدَ قَائِلي هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَا مَلَكَيْنٍ ، فَإِنْ كَانَا عِنْدَهُم مَلَكَيْنِ ، فَقَدْ أَوْجَبُوا لَهُمَا مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالْمَعْصِيَةِ لَهُ ، بِنِسْبَتِهِم إِيَّاهُمَا إِلَى أَنَّهُمَا يَتَعَلَّمَانِ مِنَ الشَّيَاطِينِ السِّحْرَ والكفر وَيُعَلِّمَانِهِ النَّاسَ ، وَإِصْرَارُهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَمُقَامُهُمَا عَلَيْهِ ، أَعْظَمَ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّا عَلَيْهَا الْعِقَابَ ، وَفِي خَبَرِ اللَّهِ تعالى ذكره عَنْهُمَا أَنَّهُمَا لا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا مَا يَتَعَلَّمُ مِنْهُمَا حَتَّى يَقُولا له : إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ سورة البقرة آية 102 ، مَا يُغْنِي عَنِ الإِكْثَارِ فِي الدَّلالَةِ عَلَى خَطَأِ هَذَا الْقَوْلِ ، أَوْ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَمَ ؛ فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ كَانَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِهَلاكِهِمَا قَدِ ارْتَفَعَ السِّحْرُ وَالْعِلْمُ بِهِ وَالْعَمَلُ مِنْ بَنِي آدَمَ ؛ لأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِلْمُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِمَا يُؤْخَذُ وَمِنْهُمَا يُتَعَلَّمَ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ بِهَلاكِهِمَا وَعَدَمِ وُجُودِهِمَا عدمُ السَّبِيلِ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلا بِهِمَا . وَفِي وُجُودِ السِّحْرِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَوَقْتٍ أَبْيَنُ الدَّلالَةِ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ ، أو يَزْعُمُ قَائِلُو ذَلِكَ أَنَّهُمَا رَجُلانِ مِنْ بَنِي آدَمَ ، لَمْ يُعْدَمَا مِنَ الأَرْضِ مُنْذُ خُلِقَتْ ، وَلا يُعْدَمَانِ بَعْدَ مَا وُجِدَ السِّحْرُ فِي النَّاسِ ، فَيَدَّعِي مَا لا يَخْفَى بُطُولُهُ ، فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِهَا ، فَبَيِّنٌ أَنَّ مَعْنَى : مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ سورة البقرة آية 102 ، بِمَعْنَى الَّذِي ، وَأَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مُتَرْجَمٌ بِهِمَا عَنِ الْمَلَكَيْنِ ؛ وَلِذَلِكَ فُتِحَتْ أَوَاخِرُ أَسْمَائِهِمَا ؛ لأَنَّهُمَا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بالرَّدِّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ، وَلَكِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا لا يُجْرَيان فُتِحَتْ أَوَاخِرُ أَسْمَائِهِمَا . فَإِنِ الْتَبَسَ عَلَى ذِي غَبَاءٍ مَا قُلْنَا ، فَقَالَ : وَكَيْفَ يَجُوزُ لِمَلائِكَةِ اللَّهِ أَنْ تُعَلِّمَ النَّاسَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ؟ أَمْ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى اللَّهِ إِنْزَالُ ذَلِكَ عَلَى الْمَلائِكَةِ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَرَّفَ عِبَادَهُ جَمِيعَ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَجَمِيعَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ بَعْدَ الْعِلْمِ مِنْهُمْ بِمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ وَيُنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، لَمَا كَانَ لِلأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعْنًى مَفْهُومٌ ؛ فَالسِّحْرُ مِمَّا قَدْ نَهَى عِبَادَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ عَنْهُ ، فَغَيْرُ مُنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَّمَهُ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمَّاهُمَا فِي تَنْزِيلِهِ ، وَجَعَلَهُمَا فِتْنَةً لِعِبَادِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يَقُولانِ لِمَنْ يَتَعَلَّمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا : إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ سورة البقرة آية 102 ، لِيَخْتَبِرَ بِهِمَا عِبَادَهُ الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَعَنِ السِّحْرِ ، فَيُمَحِّص الْمُؤْمِنَ بِتَرْكِهِ التَّعَلُّمَ مِنْهُمَا ، وَيُخْزِيَ الْكَافِرَ بِتَعَلُّمِهِ السِّحْرَ وَالْكُفْرَ مِنْهُمَا ، وَيَكُونُ الْمَلَكَانِ فِي تَعْلِيمِهِمَا مَنْ عَلَّمَا ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعِينَ ، إِذْ كَانَا عَنْ إِذْنِ اللَّهِ لَهُمَا بِتَعْلِيمِ ذَلِكَ مَنْ عَلَّمَاهُ يُعَلِّمَانِ ، وَقَدْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ ضَائِرًا إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِهِ ، بَلْ عُبِدَ بَعْضُهُمْ وَالْمَعْبُودُ عَنْهُ نَاهٍ ، فَكَذَلِكَ الْمَلَكَانِ غَيْرُ ضَائِرِهِمَا سِحْرُ مَنْ سَحَرَ مِمَّنْ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بَعْدَ نَهْيِهِمَا إِيَّاهُ عَنْهُ ، وَعِظَتِهِمَا لَهُ بِقَوْلِهِمَا : إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ سورة البقرة آية 102 ، إِذْ كَانَا قَدْ أَدَّيَا مَا أُمِرَ بِهِ بِقِيلِهِمَا ذَلِكَ .