1009 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، " فِي قَوْلِهِ : وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ سورة البقرة آية 61 ، قَالَ : اسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ مِنَ اللَّهِ " . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى غَضَبِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى عَبْدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ سورة البقرة آية 61 . يعني بقوله جل ثناؤه : ذَلِكَ ، ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، وإحلال غضبه بهم ، فدل بقوله : ذَلِكَ ، وهو يعني ما وصفنا ، عَلَى أن قول القائل : ذَلِكَ ، يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير بِهِ إليها . ويعني بقوله : بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ سورة البقرة آية 61 ، من أجل أنهم كانوا يكفرون ، يَقُولُ : فعلنا الَّذِي فعلنا بهم ، من إحلال الذلة والمسكنة والسخط بهم ، من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات اللَّه ، ويقتلون النبيين بغير الحق ، كما قَالَ أعشى بني ثعلبة : مليكية جاورت بالحجاز قومًا عداة وأرضًا شطيرا بما قد تربع روض القطا وروض التناضب حتى تصيرا يعني بذلك : جاورت هذه المرأة قومًا عداة وأرضًا بعيدة من أهله ، مكان قربها كَانَ منه ومن قومه وبدلًا ، من تربعها روض القطا وروض التناضب . فكذلك قوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ سورة البقرة آية 61 ، يَقُولُ : كَانَ ذَلِكَ منا من أجل كفرهم بآياتنا ، وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا . وقد بينا فيما مضى من كتابنا أن معنى الكفر تغطية الشيء وستره ، وأن آيات اللَّه حججه وأعلامه وأدلته عَلَى توحيده وصدق رسله . فمعنى الكلام إذن : فعلنا بهم ذَلِكَ من اجل أنهم كانوا يجحدون حجج اللَّه عَلَى توحيده وتصديق رسله ، ويدافعون حقيقتها ، ويكذبون بها . ويعني بقوله : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ سورة البقرة آية 61 : ويقتلون رسل اللَّه الذين ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم بِهِ عَنْهُ لمن أرسلوا إلَيْهِ . وهم جماع ، واحدهم نبي بغير همز ، وأصله الهمز ؛ لأنه من : أنْبَأَ عَنْ اللَّه ، فهو ينبئ عَنْهُ إنباء ، وإنما الاسم منه منبئ ، ولكنه صرف وهو مفعل إلى فعيل ، كما صرف سميع إلى فعيل من مفعل ، وبصير من مبصر ، وأشباه ذَلِكَ ، وأبدل مكان الهمزة من النبيء الياء ، فقيل : نبي ، هذا ويجمع النَّبِيّ أيضًا أنبياء ، وإنما جمعوه كذلك لإلحاقهم النَّبِيّ ، بإبدال الهمزة منه ياء ، بالنعوت التي تأتي عَلَى تقدير فعيل من ذوات الياء والواو ، وذلك أنهم إذا جمعوا ما كَانَ من النعوت عَلَى تقدير فعيل من ذوات الياء والواو ، جمعوه عَلَى أفعلاء ، كقولهم : ولي وأولياء ، ووصي وأوصياء ، ودعي وأدعياء ، ولو جمعوه عَلَى أصله الَّذِي هُوَ أصله ، وعلى أن الواحد نبي مهموز ، لجمعوه عَلَى فعلاء ، فقيل : هُمْ النبآء ، عَلَى مثال النبغاء ؛ لأن ذَلِكَ جمع ما كَانَ عَلَى فعيل من غير ذوات الياء والواو من النعوت ، كجمعهم الشريك شركاء ، والعليم علماء ، والحكيم حكماء ، وما أشبه ذَلِكَ ، وقد حكي سماعًا من العرب فِي جمع النَّبِيّ : النبآء ، وذلك من لغة الذين يهمزون النَّبِيء ثم يجمعونه النبآء ، عَلَى ما قد بينت ، ومن ذَلِكَ قول عَبَّاس بْن مرداس السلمي فِي مدح النَّبِيّ صلى اللَّه عَلَيْهِ وسلم : يا خاتم النبآء إنك مرسل بالحق خير هدى الإله هداكا فقال : يا خاتم النبآء ، عَلَى أن واحدهم نبئ مهموز . وقد قَالَ بعضهم : النَّبِيّ والنبوة غير مهموزين ؛ لأنهما مأخوذان من النبوة ، وهي مثل النجوة ، وهما المكان المرتفع ، وكان يَقُولُ : إن أصل النَّبِيّ الطريق ، ويستشهد عَلَى ذَلِكَ بيت القطامي : لما وردن نبيًّا واستتب لنا مسحنفر كخطوط السيح منسحل ويقول : إنما سمي الطريق نبيًّا ؛ لأنه ظاهر مستبين ، من النبوة ، ويقول : لم أسمع أحدًا يهمز النَّبِيّ ، وقد ذكرنا ما فِي ذَلِكَ ، وبينا ما فِيهِ الكفاية إن شاء اللَّه . ويعني بقوله : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ سورة البقرة آية 61 ، أنهم كانوا يقتلون رسل اللَّه بغير إذن اللَّه لهم بقتلهم ، منكرين رسالتهم ، جاحدين نبوتهم .