75 حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ مَسْرُوقًا ، قَالَ : " مَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ كَدْحٌ فِي وَجْهِهِ "
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَوَامُّ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَاعْتَلُّوا لإِنْكَارِهِمْ تَحْدِيدَ قَدْرِ الْغِنَى بِحَدٍّ مِنَ الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ بِأَنْ قَالُوا : أَحْوَالُ النَّاسِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ مُتَفَاوِتَةٌ ، وَأَسْبَابُهُمْ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَمِنْهُمْ ذُو الْعِيَالِ ، وَالْمُؤَنِ الْكَثِيرَةِ الَّذِي لا يُغْنِيهِ إِلا الْعَظِيمُ مِنَ الْمَالِ ، لاسْتِغْرَاقِ نَفَقَتِهِ الَّتِي لا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ الْيَسِيرَ مِنَ الْمَالِ فِي الْيَسِيرِ مِنَ الْمُدَّةِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْمَئُونَةِ الْخَفِيفَةِ ، وَالْخَلِيُّ مِنَ الْعِيَالِ الَّذِي يُغْنِيهِ الْيَسِيرُ مِنَ الْمَالِ ، وَيُخْرِجُهُ الْقَلِيلُ مِنْهُ مِنَ الْفَاقَةِ وَالْفَقْرِ ، إِلَى الْغِنَى وَحُسْنِ الْحَالِ ، قَالُوا : فَغَيْرُ جَائِزٍ لأَحَدٍ تَحْدِيدُ الْمِقْدَارِ الَّذِي يُخْرِجُ الْمَرْءَ مِنْ حَالِ الْفَاقَةِ وَالْفَقْرِ إِلَى الْغِنَى وَالْيُسْرِ ، بِحَدٍّ مِنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، مَعَ الأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، فَيَكُونُ بِتَحْدِيدِهِ ذَلِكَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْفَقِيرِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ إِنْ كَانَ قَدْرُ الَّذِي حَدَّ لا يُخْرِجُهُ مِنْ فَقْرِهِ ، وَأَجَازَ لِلْغَنِيِّ إِنْ كَانَ مَا دُونَ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنَ الْفَاقَةِ وَالْفَقْرِ ، وَهُوَ لِقَدْرِ ذَلِكَ مَالِكٌ أَخْذَ مَا قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَخْذَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَأَبَاحَ لَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ مَا قَدْ حَظَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالُوا : وَلا بَيَانَ فِي ذَلِكَ أَبْيَنُ مِمَّا بَيَّنَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ فِي تَنْزِيلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ سورة التوبة آية 60 الآيَةَ . قَالُوا : فَالْمَسْأَلَةُ حَلالٌ لِلْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ مَا دَامَ الْفَقِيرُ فَقِيرًا الْفَقْرَ الْمُتَعَارَفِ فِي النَّاسِ ، وَالْمِسْكِينُ مِسْكِينًا الْمَسْكَنَةَ الْمَعْلُومَةَ فِيهِمْ . قَالُوا : وَإِنَّمَا لَمْ يَحُدَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْغِنَى بِحَدٍّ فِي تَنْزِيلِهِ مِنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، لِعِلْمِهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ تَفَاوُتِ أَحْوَالِ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ . قَالُوا : وَتَرْكُ تَحْدِيدِهِ ذَلِكَ لِلَسَّبَبِ الَّذِي وَصَفْنَا نَظِيرُ تَرْكِهِ تَحْدِيدَ مُتْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ ، إِذْ قَالَ : وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ سورة البقرة آية 236 ، بِحَدٍّ لا يَتَجَاوَزُهُ وَلا يُقَصِّرُ عَنْهُ ، لِعِلْمِهِ بِتَفَاوُتِ أَحْوَالِ خَلْقِهِ فِي ذَلِكَ ، وَنَظِيرُ تَرْكِهِ تَحْدِيدَ نَفَقَاتِ النِّسَاءِ بِحَدٍّ إِذْ قَالَ : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ سورة الطلاق آية 6 ، إِذْ كَانَ مَا يَكْفِيهِنَّ مِنْ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةً أُمُورُهُنَّ فِيهِ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُمَلُّ إِحْصَاؤُهَا ، وَيُتْعِبُ تَعْدَادُهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ هَؤُلاءِ فِي صِفَةِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَظَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَهَى عَنْهَا ، غَيْرَ أَنَّهُمْ فَارَقُوهُمْ فِي تَحْدِيدِ قَدْرِ الْمَالِ الَّذِي إِذَا كَانَ عِنْدَ السَّائِلِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ ، فَحَدَّ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا مِنَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي أَوْزَانُهَا سَبْعَةٌ ، وَبِقَدْرِ قِيمَةِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الأَشْيَاءِ غَيْرِهَا