332 حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطَوَانِيُّ ° ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ° ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ° ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° : أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ : " رَكْعَتَيْنِ "
قَالُوا : فَهَذِهِ أَخْبَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِقَاتٌ نَقَلَتُهَا ، صَحِيحٌ سَنَدُهَا ، عُدُولٌ رُوَاتُهَا ، تَقُومُ الْحُجَّةُ ، فِيمَا لا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلا مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ ، بِدُونِهَا مِنَ الأَخْبَارِ ، وَبِاسْتِفَاضَةٍ هِيَ دُونَ اسْتِفَاضَتِهَا . قَالُوا : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ قَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذًا الصَّلاةَ ، إنْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُمْ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُهَا فِي أَسْفَارِهِ آمِنًا غَيْرَ خَائِفٍ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ بِقَصْرِهَا فِي حَالِ الْخَوْفِ دُونَ حَالِ الأَمْنِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة النساء آية 101 ، أَتَقُولُونَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ لِمَا فِي التَّنْزِيلِ نَسْخٌ ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنْكَارَ مَنْ يُنْكِرُ نَسْخَ السُّنَّةِ الْقُرْآنَ ، وَإنْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفُونَ ؟ أَمْ تَقُولُونَ : ذَلِكَ زِيَادَةُ حُكْمٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْكَامِ صَلاةِ الْمُسَافِرِ ؟ فَمَا بُرْهَانُكُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ خِلافَ مَنْ يُخَالِفُكُمْ فِيهِ مِنَ الأَئِمَّةِ ؟ أَمْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا لَهُمْ : قَدِ اخْتَلَفَ الأَئِمَّةُ قَبْلَنَا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا : فَرْضُ الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ ، لَمْ يَزَلْ حُكْمُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْوَاجِبِ عَنْ عَدَدِ الصَّلاةِ عَلَى الْمُسَافِرِ ، مِنْ لَدُنْ فَرَضَهَا عَلَى خَلْقِهِ ، رَكْعَتَيْنِ ، إِلا مَا كَانَ مِنْ صَلاةِ الْمَغْرِبِ ، فَإِنَّهَا ثَلاثٌ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة النساء آية 101 ، فَإِنَّهُ إِذْنٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَصْرِ عَنْ حُدُودِهَا الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَى الآمِنِ فِي حَالِ الطُّمَأَنِينَةِ ، لا إِذْنٌ فِي الْقَصْرِ عَنْ عَدَدِهَا ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُنَا قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي كِتَابِنَا هَذَا قَبْلُ ، فَكَرِهْنَا تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِإِعَادَةِ ذِكْرِهِمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَالَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : بَلْ قَصْرُ الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ ، رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ ، وَصَدَقَةٌ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ ، تَخْفِيفًا مِنْهُ عَنْهُمْ ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحُكْمٌ مِنْ حُكْمِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة النساء آية 101 ، بِمَعْزِلٍ وَذَلِكَ أَنَّ الإِذْنَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَصْرِ الصَّلاةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ ، إِنَّمَا هُوَ إِذْنٌ مِنْهُ بِقَصْرِهَا مِنَ اثْنَتَيْنِ إِلَى وَاحِدَةٍ ، وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ فِي غَيْرِ حَالِ الْخَوْفِ ، فَتَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ