شرح كتاب الموطأ (للإمام مالك) لمعالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري الدرس-108
0:01والان مع الدرس العاشر بعد المئة الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين. اما بعد فان الارزاق بيد رب العزة والجلال. وهو جل وعلا يصرفها على عباده كيف يشاء. واسباب الارزاق
0:37قد تعود الى امور نستشعرها. ومن ذلك الاكتساب مثلا فمن اكتسب يسر الله له شيئا من وهناك اسباب قد لا نعقل ولا ندرك كيفية جلبها للرزق. ومن امثلة ذلك الصدقة في سبيل الله
0:57فقد قال صلى الله عليه وسلم ما نقص مال من صدقة. فالصدقة تنمي المال ويبارك الله عز وجل في المال بسبب الصدقات. ولذا رغبت الشريعة في ان يبذل الانسان من ما له صدقة يتقرب بها
1:17لله عز وجل وقال تعالى في مدح بعض عباده واتى المال على حبه ذوي القربى. فيه الصدقة يبتدأ بها الانسان على نفسه ويبتدأ بها الانسان بعد ذلك على قرابته فهذه الصدقة على القرابة
1:37اولى من الصدقة على الاجانب. ولذا روى مالك عن اسحاق ابن عبد الله ابن ابي طلحة انه سمع انس بن مالك يقول كان ابو طلحة وهو زوج والدته. كان ابو طلحة اكثر انصاري بالمدينة مالا من نخل
1:57كان احب امواله اليه بير حاء نخل من النخيل التي يملكها ابو طلحة تسمى بهذا الاسم. وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال انس فلما انزلت هذه
2:17اية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. البر مرتبة عظيمة من المراتب التي يسعى مؤمنون الى تحصيلها وتكون من اسباب دخول الجنات ورضا الرب عن العبد. قال لن تنالوا البر حتى تنفقوا من
2:37ما تحبون. فحينئذ قام ابو طلحة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال يا رسول الله ان الله تبارك وتعالى يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. وان احب اموالي الي بيرحا. وانها صدقة لله
2:57يعني ساجعلها وقفا تصرف غلتها وتصرف ما يأتي منها من ثمار في سبل الخيرات وانها صدقة لله ارجو برها وزخرها عند الله تعالى. فضعها يا رسول يا رسول الله حيث
3:17اي اجعل مصرفها حيث تشاء. لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المال في اه اه الصدقة على الفقراء وانما قال بخن. ذلك مال رابح شجعه على ذلك. وبينه وبين
3:37له انه قد ربح بذلك. ذلك مال رابح. قال صلى الله عليه وسلم لابي طلحة سمعت ما قلت فيه اني ارى ان تجعله في الاقربين. اي في قرابتك. فقال ابو طلحة افعل يا رسول الله. فقسمها ابو
3:57طلحة في اقاربه وبني عمه. انس بن مالك كان قريبا من ابي طلحة لانه ابن زوجته فهو ربيبه. لكنه وليس من اه قرابة النسب وحينئذ لم يدخل في اه هذه الصدقة. في هذا الحديث مشروعية
4:17الاوقاف وان هذه الاوقاف عمل صالح ومال رابح كما اخبر به صلى الله عليه وسلم. ومما جاءت الشريعة به في هذا الباب ان العبد يعطي السائل الذي يأتيه فيسأله من ماله. قال جل وعلا
4:37على مبينا آآ ان السائل يعطى وفي اموالهم حق للسائل والمحروم. وقال اتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب. روى المؤلف عن زيد ابن
4:57اني اسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اعطوا السائل وان جاء على فرس. ومما ترغب به الشريعة في باب النفقات ان يهدي الانسان الهدايا لمن له به صلة ومن ذلك ان تهدي المرأة لجاراتها
5:17ولو كانت تلك الهدية شيئا قليلا. فقد روى الامام مالك عن زيد ابن اسلم عن عمرو ابن الاشهلي عن جدته انها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا نساء المؤمنات وفي رواية يا نساء
5:37المؤمنات لا تحقرن احداكن ان ان تهدي لجارتها ولو كراع شاة محرقة قا فهذا شيء قليل ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تحقروا الهدية ولو كانت شيئا يسيرا. قال مالك
5:57بلغني عن عائشة ان مسكينا سالها وهي صائمة وليس في بيتها الا رغيف. يعني خبزة. فقالت لمولاة لها اعطيه اياه. فقالت ليس لك ما تفطرين عليه. ما عندك الا هذا الرغيف. كيف تفرطين في
6:17بوجبة طعامك ووجبة افطارك. فقالت عائشة اعطيه اياه. قالت ففعلت تلك الجارية. فاعطت المسكينة ان ذلك الرغيف قالت فلما امسينا اهدى لنا اهل بيت او انسان ما كان يهدي لنا شاة
6:37كفنها فدعتني عائشة ام المؤمنين. انظر كيف عوضهم الله عز وجل؟ كيف عوضهم الله عز وجل باعطائهم هذه الشاة وما يكون معها من الاقراص والارغفة ونحو ذلك. قالت الجارية فدعتني قالت المرأة فدعتني عائشة ام المؤمنين. فقالت كلي من هذا. هذا خير من قرصك. الذي اهديناه لذلك
7:07وفي هذا ان الله عز وجل يعوض المنفقين المتصدقين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من صباح الا وينادي فيه ملكان يقول احدهما اللهم اعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم اعط ممسكا تلفا. ويقول النبي صلى الله
7:27عليه وسلم قال الله عز وجل يا ابن ادم انفق انفق عليك. ومتى امنت يا ايها العبد ان الارزاق بيد الله وان الله صادق الوعد فحين اذ لن تتردد في بذل ما لك صدقة تريد ما عند الله عز وجل
7:47مالك بلغني ان مسكينا استطعم عائشة ام المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لانسان خذي حبة فاعطيه اياها فجعل ينظر اليها ويعجب كيف تعطى من هذا العنب؟ فقالت عائشة اتعجب كم ترى في هذه الحبة
8:07من مثقال ذرة. ومما يقابل هذا ان الانسان ينبغي به ان يتعفف عن سؤال الاخرين من عليهم وان يكون سؤاله لله عز وجل بين آآ بين شفتيه ربنا اتنا في الدنيا حسنة
8:27اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. ولا يسأل الناس شيئا. فقد قال المؤلف باب ما جاء في التعفف عن المسألة اي الترفع عنها. وروى عن ابن شهاب عن عطاء ابن يزيد عن ابي سعيد ان ناسا من الانصار
8:47سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني سألوه شيئا من الدنيا فاعطاهم ثم سألوه فاعطاهم حتى نفد ما عنده اي انتهى وفرغ. ثم قال ما يكون عندي من خير فلن ادخره عنكم. لن احفظه عنكم. ساعطيكم منه
9:07ومن يستعفف يعفه الله. اي ان من يطلب العفة ويترك السؤال فان الله سيتولى آآ شأنه وسيعطيه من عنده ومن يستغني يغنه الله. اي ان من يطلب الغنى من الله ويظهر الغنى فان الله عز
9:27اجل سيمده بالغنى من عنده. ومن يتصبر اي من يعود نفسه على الصبر وعدم التجزع بسبب ما لديه من النعم فان الله عز وجل يصبره اي سيرزقه الصبر. ويعينه عليه ويجعله لا يتأثر
9:47من النقص الحاصل عنده ثم قال وما اعطي احد عطاء هو خير واوسع من الصبر. ثم روى المؤلف عنا فعن ابن عمر ان نبي الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر يذكر الصدقة والتعفف في المسألة اليد العليا
10:07وهي المنفقة خير من اليد السفلى وهي السائلة. وروى عن زيد بن اسلم عن عطاء ان رسول الله صلى الله عليه سلم ارسل الى عمر بن الخطاب بعطاء فرده عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم رددته؟ فقال يا رسول الله
10:27اليس اخبرتنا ان خيرا لاحدنا الا يأخذ من احد شيئا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما ذلك عن المسألة والطلب والسؤال فاما ما كان من غير مسألة ساقه الله اليك من غير ان تسوقه ان تسأله فانما هو رزق
10:47يرزقك الله اياه. فقال عمر اما والذي نفسي بيده لا اسأل احدا شيئا. ولا يأتيني شيء من غير مسألة الا اخذته. ثم روى عن ابي الزناد عن الاعرج عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده
11:07ان يأخذ احدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من ان يأتي رجلا يعني فيسأله اعطاه الله من فظله فيسأله اعطاه او منعه. ففي هذا الترغيب في الاكتساب والعمل والتحذير من سؤال الاخرين
11:27ثم روى المؤلف عن زيد ابن يسلم عن عطاء عن رجل من بني اسد انه قال نزلت انا واهلي ببقيع الغرقد بقرب المدينة قيل له الغرقد لان فيه شجرا يسمى بهذا الاسم. فقال لي اهلي اذهب الى رسول الله صلى الله عليه
11:47سلم فاسأله شيئا نأكله وجعلوا يذكرون من حاجتهم. قال الرجل فذهبت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا اجد ما اعطيك ليس عندي شيء
12:07ولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول لعمري انك لتعطي من شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انه علي بسبب ليس الي انه ليغضب علي الا اجد ما اتمكن من اعطائه. من سأل منكم وله
12:27قية او عدلها اي ما يبلغ قيمتها فقد سأل الحافه. يعني يقول بعض الناس يسأل وعنده مال فيكون حينئذ في السؤال فقال الاسدي للقحة لنا خير من اوقية اي ان الناقة خير لنا من اوقية
12:47الفضة قال مالك والوقيت اربعون درهما. قال هذا الراوي فرجعت الى اهلي لما رأيت هذا الرجل يسأل يعتذر منه النبي صلى الله عليه وسلم لانه لا يجد ما يعطيه فرجعت الى اهلي ولم اسأله فقدر الله عز وجل ان
13:07لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام بشعير وزبيب. فقسمه صلى الله عليه وسلم وقسم لنا منه حتى اغنانا الله عز وجل فلم نحتج للسؤال. ثم روى عن العلاء ابن عبدالرحمن انه سمعه يقول ما نقص
13:27صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو الا عزا وما تواضع عبد لله الا رفعه. في هذا تصحيح مفاهيم كثير من الناس الذين يفهمون المسائل على غير الفهم الشرعي. بناء على عوائدهم او اه ما قد
13:47يرونه بعقولهم القاصرة. فهذه ثلاثة مسائل. المسألة الاولى ان من تصدق الصدقة يظن ان ما له قد نقص وفي الحقيقة ان الامر على عكس ذلك بل سيكون هذا من اسباب زيادة ماله ونماءه. لان الله عز وجل قد
14:08عاد المتصدقين بالخلف وحينئذ ستكون الصدقة سببا من اسباب زيادة المال ونماءه. اما المسألة الثانية فان العبد اذا اخطأ عليه الاخرون قد يظن انه اذا عفا عنهم ستنقص درجته وتنزل مرتبته وليس
14:28امرك ذلك لان المكانة التي تكون في النفوس والعز الذي يحصل عليه بعض الخلق هو هبة من الله عز وجل وبالتالي قد وعد الله العافين الذين يتجاوزون عن اخطاء غيرهم بان يرفع درجتهم. ولذا قال
14:48ما زاد الله عبدا بعفو الا عزا. واما الفهم الثالث فما يتعلق بالتواضع عندما يتواضع الانسان ويحسن التعامل مع غيره ولا يتكبر على الاخرين ويترفع عنهم ويقبل الحق ممن جاء به يكون حينئذ متواضعا. قد يظن بعض الخلق ان من تواظع فانه ستنقص درجته عند الناس. وليس الامر
15:16كذلك اذا عودت نفسك على قبول الحق ممن جاءك به فحينئذ سترتفع درجتك. وهكذا اذا عودت على ترك احتقار الاخرين واستنقاص منزلتهم فان الله عز وجل سيرفع درجتك. ولذا قال صلى الله عليه وسلم
15:36وما تواضع عبد الا رفعه الله. هذا اللفظ قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا اليه صلى الله عليه وسلم في غير الموطأ. اما الامام ما لك فانه قد تشكك في هذا اللفظ. هل هو مرفوع او لا؟ فقال مالك لا ادري
15:56ايرفعها ايرفع هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ام لا؟ قال المؤلف رحمه الله باب ما اكرهوا من الصدقة اي من هم الاصناف الذين لا يصح ان نعطيهم من مال الزكاة ويكون عندهم مانع
16:16يمنعنا من صرف الزكاة لهم. من ذلك اهل البيت النبوي. فان فان ال البيت لهم من المكانة والمنزلة ما نجعلهم يترفعون عن اخذ اوساخ الناس من الصدقات. وحينئذ تعتز نفوسهم وترتفع درجتهم عند الخلق لانهم لا يسألون الناس صدقات اموالهم. قال مالك بلغني
16:46لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة لال محمد انما هي اوساخ الناس ثم روى عن عبد الله ابن ابي بكر عن ابيه ان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني عبد الاشهل على الصدقة
17:06اي ارسله من اجل ان آآ يجبي الصدقة. فلما قدم الرجل الى النبي فلما قدم سأله ابلا من الصدقة. يعني هذا الرجل طلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعض الابل التي احظرها. قال اعطني هذه الابل لان
17:26انا الذي اتيت بها اه اليك فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه وكان مما يعرف به الغضب وفي وجهه ان تحمر عيناه. ثم قال ان الرجل ليسألني ما ما لا يصلح لي ولا له. فان منعته
17:46كرهت المنع لانه صلى الله عليه وسلم كان كريما لا يرغب في ان يمنع آآ العطاء. وان اعطيته ما لا يصلح لي ولا له. لان الصدقة والزكاة هذه فروظ من عند الله عز وجل. محصورة باناس معينين
18:06ذكرها الله في عز وجل في قوله انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. فقال الرجل يا رسول الله لا اسألك منها شيئا ابدا. ثم روى
18:26عن زيد ابن اسلم عن ابيه قال قال عبدالله بن الارقم ادللني على بعير من المطايا استحمل عليه امير المؤمنين اي اذهب الى امير المؤمنين فاطلب منه ان يمكنني من ركوبه ويحملني عليه. فقلت نعم هناك
18:46بل من ابل الصدقة. فقال عبدالله بن الارقم اتحب ان رجلا بادنا في يوم حار غسل لك ما تحت ازاره ورفغيه ثم اعطاكه فشربته ظرب له مثل فقال هناك رجل
19:06جاءك بثوب فيه عرق كثير بسبب شدة الحر وبسبب انه ادى اعمالا كثيرة منه العرق فاعطاك هذا الثوب فغسلته فشربت الماء الذي نتج من هذا الثوب هل تستحسن هذا؟ قال
19:26فغضبت كيف تضرب لي هذا المثل؟ وقلت يغفر الله لك اتقول للي لي مثل هذا؟ فقال عبد الله ابن الارقم هذه الصدقات اوساخ قناص فهي بمثابة الماء الذي يخرج من مثل هذا الثوب. انما الصدقات اوساخ الناس يغسلونها عنهم. اسأل
19:46الله جل وعلا ان يغنينا واياكم بفضله. وان يمكننا واياكم من الصدقة في سبيله. وان يجعلنا من اهل اليد العليا لا من اهل اليد السفلى هذا والله اعلم. وصلى الله على نبيه محمد وعلى اله واصحابه واتباعه وسلم
20:06تسليما كثيرا الى يوم الدين هذا والله اعلم. وصلى الله على محمد